واقعية المغرب تدفع فرنسا إلى مراجعة موقفها من قضية الصحراء

أمام الاعتراف الدولي المتواتر بمغربية الصحراء والاجماع على الحل السياسي الذي تقترحه الرباط لتسوية الأزمة، تتجه فرنسا، حسب محللين، لمراجعة موقفها “المحايد” في ظل التغييرات الجيوسياسية والنجاحات الدبلوماسية المغربية.

شهدت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وفرنسا، خلال السنوات الثلاث الماضية، بعض اللحظات الاستثنائية إذ تميزت بمواقف خارجية غامضة وتذبذبات سياسية غير منتظمة، في وقت لم تكن باريس واضحة بشأن رؤيتها السياسية في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية.

ويقول الباحث جمال آيت لعظام، المتخصص في قضية شمال أفريقيا والصحراء المغربية في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة جيلين في تقرير نشره موقع مودرن بوليسي، إن موقف فرنسا يتناقض مع الحل السياسي الحقيقي الذي يقترحه المغرب و المتمثل في الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.

ويضيف آيت لعظام أن السؤال الذي يجب طرحه الآن هو: ما هي الأسباب الأساسية للأزمة بين المغرب وفرنسا؟ وكيف يمكن حلها؟

وتتمسك فرنسا بموقف محايد بشأن قضية الصحراء المغربية. ومع ذلك، فقد كانت داعمة في الغالب لموقف المغرب في المنتديات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن، وقد استمر هذا الدعم حتى الوقت الحاضر.

على الرغم من الشكوك، لم تفقد وزارة الشؤون الخارجية المغربية الأمل في تغيير تحالفها الأوروبي للعلاقات الإستراتيجية وإرثها في الدبلوماسية

ومؤخرا، صوتت فرنسا و12 عضوا آخر في مجلس الأمن لصالح قرار يدعم موقف المغرب بشأن قضية الصحراء، فيما امتنعت روسيا وكينيا عن التصويت.

ونتيجة لذلك، تم تمديد عمل بعثة المينورسو لمدة عام آخر. ويشير هذا القرار إلى أن العلاقة بين المغرب وفرنسا لم تتأثر وتبقى إيجابية، رغم التوتر المتوقع بسبب التحول الكبير في ملف الصحراء لصالح المغرب منذ الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء.

وعلى صعيد الشؤون الخارجية أصبحت الصحراء المغربية محورا رئيسيا لجهود الدبلوماسية المغربية.

ويسعى المغرب للحصول على موقف واضح من الحكومة الفرنسية في ما يتعلق بسياستها الخارجية تجاه الصحراء المغربية. وفي الوقت الراهن، غيرت المملكة المغربية خطابها بشأن نزاع الصحراء، مدركة أن طبيعة علاقتها مع أيّ دولة قد يحددها موقفها من هذه المسألة.

ويهدف المغرب إلى حل هذه المشكلة التي أعاقت في السابق قدرتهم على التحرك والمضي قدما في المبادرات.

ويتوقع المغرب أن تتخذ فرنسا موقفا محددا بشأن النزاع على الصحراء المغربية نظرا للعلاقات التاريخية بين البلدين.

وتعود هذه العلاقات إلى فترة احتلال فرنسا لمنطقة شمال أفريقيا، وكان نفوذها في المنطقة كبيرا، ولذلك يعتبر موقف فرنسا من هذه القضية حاسما نظرا لدورها المؤثر في المنطقة.

وفي هذه المرحلة، من المهم أيضًا النظر في العوامل الأخرى التي ساهمت في تفاقم الأزمة، مثل حاجة فرنسا إلى إعادة بناء علاقة إستراتيجية مع دول شمال أفريقيا بعد خسارتها لمكانتها بسبب التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا في المنطقة.

ونشأ الخلاف الدبلوماسي المغربي – الفرنسي بسبب تدخل الإدارة الفرنسية في السياسة الداخلية للمغرب من خلال قضية الصحراء المغربية عبر الاصطفاف إلى جانب الدولة الجزائرية.

 

المغرب يريد موقفا واضحا من الحكومة الفرنسية في ما يتعلق بسياستها الخارجية تجاه الصحراء المغربية
المغرب يريد موقفا واضحا من الحكومة الفرنسية في ما يتعلق بسياستها الخارجية تجاه الصحراء المغربية

 

وزادت رئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ عام 2017 من تعقيد العلاقات بين الدولتين، حيث كان حافزه الأساسي هو تحسين العلاقات مع الجزائر، لكن النخبة المغربية رأت أن باريس تفضل الدولة الداعمة لجبهة بوليساريو الانفصالية.

وكان هناك خلاف بين المغرب وفرنسا، ناجم عن قيام الحكومة الفرنسية بفرض قيود على التأشيرة على مواطني منطقة المغرب العربي، بما في ذلك المغاربة، في سبتمبر 2021.

وكان من المقرر أن تنتهي القيود في الأصل في ديسمبر 2022، ولكن تمّ إلغاء القيود لاحقًا من قبل الإدارة الفرنسية.

ويعود التوتر بين البلدين أيضا إلى المنافسة الإقليمية والدولية في أفريقيا، فضلاً عن المصالح الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن مصالحهما المترابطة تجعل من غير المرجح أن يؤدي التوتر إلى قطع كامل للعلاقات، فيما تسعى مجموعات المصالح الفرنكوفونية والمغربية في كلا البلدين بشكل حثيث إلى إيجاد حل للأزمة.

وعلى الرغم من الشكوك، لم تفقد وزارة الشؤون الخارجية المغربية الأمل في تغيير تحالفها الأوروبي للعلاقات الإستراتيجية وإرثها في الدبلوماسية. لكن لماذا فتحت الدبلوماسية المغربية الباب أمام بريطانيا وإسبانيا لتنويع التعاون الإستراتيجي بدلا من فرنسا؟

نقطة فاصلة

وشهدت الشراكة المغربية – البريطانية تطورا ملحوظا خلال العقد الماضي. وعملت الرباط على مد جسور التعاون ومواصلة تعميق شراكتها مع التحالف الأنجلوسكسوني، منذ بداية الحديث عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وشهدت نموا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا في السنوات الأخيرة، مما سيجعلها في المدى المنظور في مستوى أفضل.

والأمر نفسه بالنسبة إلى إسبانيا، التي لها حدود بحرية مشتركة مع المغرب، ومصالحها الإستراتيجية الاقتصادية والسياسية والأمنية، تعززت بشكل كبير بعد تجاوزها الأزمة الأخيرة بين الدولتين، لتتحول إسبانيا إلى مدافع عن المصالح المغربية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي في مقابل تمتعها بامتيازات اقتصادية داخل المملكة المغربية.

ورغم ذلك، تشترك المملكة المغربية وفرنسا في توافق إستراتيجي حول القضايا العالمية، مما يجعل فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب.

وعلاوة على ذلك، تعد فرنسا الوجهة الأولى للمغاربة الراغبين في السفر أو الدراسة بالخارج، كما أنها موطن لأكبر جالية مغربية في العالم.

ويرى آيت لعظام أن الحكومة الفرنسية ستعترف بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، وخاصة الصحراء المغربية وذلك لأن الخارجية الفرنسية أصبحت تدرك الطبيعة الوجودية لقضية الصحراء المغربية.

وأبدت دول غربية وإقليمية أخرى دعمها لسيادة المغرب على أراضيه من خلال فتح مؤسسات دبلوماسية في مدينتي الداخلة والعيون في الصحراء المغربية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: