العقوبات البديلة في المغرب لا تشمل قضايا إهمال العيال والعنف ضد المرأة

طالب نواب في البرلمان المغربي إضافة إهمال الأسرة وقضايا العنف ضد النساء إلى قائمة الجرائم التي يحظر الحكم فيها بالعقوبات البديلة منها خيانة الأمانة وكذلك النصب والاحتيال، بهدف القضاء على هذه الأفعال، نظرا لخطورة الجريمة وآثارها السلبية على المجتمع.

يأتي ذلك في إطار تقديم تعديلات على مشروع قانون يتعلق بالعقوبات البديلة بعد انتهاء الآجال التي حددتها لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب المغربي.

واستندت تعديلات الأحزاب إلى أن إرادة المشرّع أثناء وضع القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، كانت تتجه نحو تشديد العقوبة بهدف القضاء على هذه الأفعال، بالنظر إلى خطورة الجريمة، مشددين على ضرورة التنصيص على عدم استفادة الشخص الذي يرتكب تلك الأفعال من العقوبات البديلة، من أجل ضمان تنفيذ هذا التدبير، مع التنصيص على ألاّ يحكم بالعقوبات البديلة في حالة العود، أو أسبقية الاستفادة منها بشأن فعل آخر، أو وجود سوابق قضائية تتضمن عقوبة سالبة للحرية، وتحُوّلُ العقوبة البديلة، دون تنفيذ العقوبة السالبة للحرية على المحكوم عليه، في حالة تنفيذه للالتزامات المفروضة عليه بمقتضاها، وفقا للشروط والأحكام المنصوص عليها في هذا الباب.

 

عبداللطيف وهبي: يجب التنسيق بين السياسة الجنائية والسياسات العمومية للدولة
عبداللطيف وهبي: يجب التنسيق بين السياسة الجنائية والسياسات العمومية للدولة

 

وقال متخصصون في القانون إن العقوبات البديلة التي جاء بها القانون لا يمكن أن تحجب الحماية الجنائية للأطفال داخل الأسرة، منها قتل الوليد والعنف ضد الأطفال، أو تركهم والتخلي عنهم وتعريضهم للخطر، أو بيع الأطفال والاعتداءات والاستغلال الجنسي للأطفال، واستخدامهم في التسول.

ووضع المشرّع المغربي جملة من المقتضيات الزجرية التي توفر ما يسميه المتخصصون بـ”الحماية الجنائية للأسرة”، أي مجموع المقتضيات والتدابير القانونية الزجرية التي تحمي عناصر الأسرة من جميع الجرائم المادية أو المالية أو الجسدية أو الجنسية التي يمكن أن تلحقهم داخل أسرهم أو تسيء إليهم إساءات نفسية أو اجتماعية أو مادية بقدر من الأقدار.

ويعرف مشروع العقوبات البديلة بالعقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها سنتين سجنا، وتخوّل للمحكوم عليه تنفيذ بعض الالتزامات المفروضة عليه مقابل حريته، وفق شروط تراعي من جهة بساطة الجريمة، ومن جهة ثانية اشتراط موافقته.

ويرى القاضي مصطفى يرتاوي أن الهدف من الحماية الجنائية للأسرة هو ضمان استقرار العائلة، وحالة إرجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية، حسب ما هو منصوص عليه في الفصل 53 من مدونة الأسرة، رغم خلوّ النص من تحديد أيّ عقوبة في حالة امتناع الزوج عن إرجاع زوجته إلى بيت الزوجية، وهي الحالة التي تصادفها النيابة العامة، وتجد نفسها في إحراج أكثر من مرة خاصة أن النيابة العامة الحديثة مطلوب منها الحفاظ على الوضع العائلي بشكل مرن.

وأكد وزير العدل عبداللطيف وهبي أن “المبادرات التشريعية منها قانون العقوبات البديلة بقدر أهميتها تبقى عاجزة ما لم تتم مواكبتها بتطبيق أمثل على مستوى الممارسة، وهو ما يحتاج إلى تكثيف الجهود لضمان الإدراج السليم”، لافتا إلى أن “ذلك لا يمكن أن يتحقق بجهود أجهزة إنفاذ القانون لوحدها وإنما يحتاج إلى العمل الجماعي والتنسيق المحكم خاصة بين السياسة الجنائية وباقي السياسات العمومية للدولة”.

واعتبرت الحقوقية والمحامية خديجة الروكاني أن “مسودة مشروع قانون العقوبات البديلة تندرج في سياق مجموعة من الإصلاحات التشريعية التي تهدف إلى إعادة النظر في فلسفة العقاب”.

 

خديجة الروكاني: مشروع قانون العقوبات يندرج في سياق مجموعة من الإصلاحات التي تهدف إلى إعادة النظر في فلسفة العقاب
خديجة الروكاني: مشروع قانون العقوبات يندرج في سياق مجموعة من الإصلاحات التي تهدف إلى إعادة النظر في فلسفة العقاب

 

وأشارت إلى أن “المقترح يستثني بعض الجرائم كالاعتداءات الجنسية على الأطفال، الاختلاس، الرشوة وغيرها من الجرائم الخطيرة وفي نفس السياق”، معربة عن تخوفها من الاستغلال غير الأخلاقي لهذه العقوبات البديلة.

وحسب قانون الأسرة المغربي فقد تم تجريم التدليس في تأسيس العلاقة الزوجية، حيث أشارت المدونة في المادة 66 إلى أن التدليس في بعض الوثائق أو الأذونات الخاصة بالزواج “تطبق على فاعله والمشاركين معه أحكام الفصل 366 من القانون الجنائي بطلب من المتضرر، والذي ينص على عقوبة سجنية من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، إذا تعلق الأمر بتزوير في إقرار أو شهادة صحيحة الأصل، حيث أن وثيقة الزواج كأساس قانوني وشرعي لبناء العلاقة الزوجية تحتاج إلى هذا الإجراء الجنائي لقطع الطريق على المتلاعبين بهذه العلاقة”.

ويرى مراقبون أن استثناء العقوبات البديلة جاءت لتوفير الحماية الجنائية للأسرة ومنها مسألة النفقة، حيث خص المشرّع المغربي النفقة بالحماية الجنائية اللازمة، ونصت المدونة في المادة 202 على “كل توقف ممن تجب عليه نفقة الأولاد عن الأداء لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول، تطبق عليه أحكام إهمال الأسرة”، ومعلوم أن أحكام إهمال الأسرة كما هي منظمة في القانون الجنائي المغربي تنص على أن العقوبة المخصصة لجنحة إهمال الأسرة في الفصلين 479 و480 تتراوح بين السجن من شهر إلى سنة وبالغرامة من 200 إلى 2000 درهم (من 0.97 دولار إلى 193.85 دولار)أو بإحدى هاتين العقوبتين.

كما أن العقوبات البديلة لا يمكن الاستفادة منها في حالة العنف الجنسي والخيانة، حيث تم تجريم جميع أشكال الخيانة الزوجية بمقتضى القانون الجنائي المغربي في الفصلين 491 و492 منه، والذي يحدد عقوبتها بـ”الحبس من سنة إلى سنتين”، وذلك بعد تقديم شكاية من الزوج المجني عليه أو الزوجة المجني عليها في هذه الخيانة، مع تشديد عقوبة التحرش الجنسي إذا تم ارتكابها من طرف أحد الأصول أو المحارم أو من له ولاية أو سلطة على الضحية أو كان مكلفا برعايته أو كافلا له، أو إذا كان الضحية قاصرا. (عقوبتها: الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000 درهم) (من 484.61 دولار إلى 4846.14 دولار).

ولتفادي أيّ محاولة لإهمال الأسرة أعلن عبداللطيف وهبي أخيراً أنه خلال شهر سيتم إطلاق منصة إلكترونية بهدف تحديد هوية الرجال المتهربين من النفقة، من خلال تحديد أسمائهم ومتى تزوّجوا ومتى حصل الطلاق، وأيضاً تحديد ما إذا كانوا يسددون النفقة أم لا.

وعزا المسؤول الحكومي إحداث هذه المنصة الإلكترونية إلى دعم حقوق المرأة في هذا الصدد، والتي تتعرض أحياناً كثيرة للتلاعب من طرف الرجل بشأن التملص من أداء النفقة بمبررات ودواع كثيرة، مبرزاً أنه في السياق نفسه سيتم إحداث محاكم للأسرة بجميع مناطق البلاد.

وسيكون موكولا لاجتهاد القضاة بالدرجة الأولى من اختيار العقوبات البديلة المناسبة وتكييفها مع خصوصية كل حالة، مثل نوع الخدمة العمومية من جنس العمل لتحقيق الهدف المتوخّى من العقوبة أو توافقها مع مهنة المحكوم عليه أو حرفته، كما يمكن أن يكون مكمّلا لنشاطه المهني أو الحرفي المعتاد.

ومكّن مشروع القانون المحكمة من الحكم بالعقوبات المقيدة للجريمة بدل العقوبات السالبة للحرية، كما يمكنها فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، وتستهدف هذه العقوبات اختبار المحكوم عليه للتأكد من استعداده لتقويم سلوكه واستجابته لإعادة الإدماج، وتضمّنت هذه العقوبات مزاولة المحكوم عليه نشاطا مهنيا محددا أو تتبعه دراسة أو تأهيلا محددا، وكذا إقامته في مكان محدد، والتزامه بعدم مغادرته، أو بعدم مغادرته في أوقات معينة، أو منعه من ارتياد أماكن معينة، وتعويضه وإصلاحه الأضرار الناتجة عن الجريمة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: