google.com, pub-4622360082312857, DIRECT, f08c47fec0942fa0

لماذا يجب أن تكون ملكيا

الصراف

لا يوجد فشل أكثر وضوحا وثباتا من فشل الأنظمة الجمهورية في عالمنا العربي. كلها من دون استثناء. حتى لتستطيع القول إنها جذر السبب في كل أوجه الانحطاط والتخلف السياسي، والتدهور الاقتصادي، والحروب الأهلية، وغير ذلك من المظاهر التي حرمت ثلاثة أرباع العالم العربي من القدرة على التقدم.

لا تستطيع الزعم أن كل الأنظمة الملكية ناجحة، ولكن فشلها أقل، وغالبا ما يكون قابلا للتصويب، بينما فشل الأنظمة الجمهورية لا يتم تصويبه، بحسب ما جرت العادة، إلا بانقلابات تزيد البلاء سوءا، أو تستبدل شرا بأشر منه.

ولو أنك نظرت في تاريخ الانقلابات في العراق وسوريا والجزائر واليمن والسودان لوجدت رابطا مشتركا بينها جميعا، هو أنها نزاع على السلطة بين طامعين، يبررون لأنفسهم ما لا يبرّرونه لغيرهم. وما من أحد فيهم نجح في وضع قاعدة دستورية لتداول السلطة، لأنه انقلابه قام في الأساس على احتكارها إلى الأبد، وعلى الإطاحة بكل قيم الشراكة الوطنية مع أطراف أخرى. فإذا ما جاء غيره، كرر الشيء نفسه.

وهناك عدة أسباب تقف وراء قدرة الأنظمة الملكية على النجاح.

بينما أثبتت الأنظمة الملكية أنها قابلة للتطور، فقد أثبتت الأنظمة الجمهورية أنها قابلة للتدهور

أولها، أنها تحسم سجال الشرعية الدستورية، وتنهي التنازع عليها، فتضعها بين يدي أسرة على سبيل الأمانة. وهذه الأسرة قد تكون أسرة نسب شريف، أو أسرة غلبة قارّة، أو أسرة نفوذ مسبق، إلا أنها تدرك بحكم التوارث، ليس ما ملكت، وإنما ما اؤتمنت عليه، فتحفظه لتكون قادرة على توريثه.

وثانيها، أنها تضع منصب “الملك”، وبالتالي المؤسسة الدستورية، خارج السجال السياسي.

وثالثها، أنها توفر مرجعية لتسوية المنازعات الكبرى.

ورابعها، أنها توفر فاصلا بين “الحزب القائد” وبين المؤسسات المدنية، فلا يستولي عليها، ولا يجعلها تعمل لخدمته هو دون غيره من الأحزاب.

وخامسها، أنها تضع الجيش تحت سلطة دستورية، لكي يؤدي الواجبات المنوطة به، لا لكي يُصبح ألعوبة بين أيدي أي حزب، ولا يخضع إلى أيديولوجيا تجعل منه جيشا “عقائديا” فينسى عقائديته المهنية.

وسادسها، أن الفساد فيها محدود أو معدوم، فـ”الملك” أو مَنْ يناظره في المسؤولية، لا يستطيع أن يضحي بمكانته أمام فاسدين، فيجد أن من واجبه للمحافظة على ملكه هو أن يكافح الفساد. وهو نفسه لا يستطيع أن يكون فاسدا إلى ما لا حدود له، لأنه مالك في ولايته أصلا. ولأنه يهدد شرعيته بنفسه، إذا اغتنى بينما شعبه يفقر.

وسابعها، أنه نظام يوفر آلية محايدة للرقابة العامة على أداء الحكومات والمؤسسات المدنية، لا تتأثر بالأهواء السياسية، ولا بـ”وجهات النظر” المختلفة.

كل ما نتوارثه نحن، أبناء جمهوريات عبدالكريم قاسم وحافظ الأسد وجعفر النميري وعلي عبدالله صالح ومعمر القذافي، هو هؤلاء الذين تعرفهم الآن، الذين ورثوا الانحطاط، فزادوه انحطاطا

وثامنها، أن الملكية لا تكون إلا مؤسسة تقاليد وأعراف وقيم وبروتوكولات، من أقصى التفاصيل إلى أقصاها. بينما الصعلكة السياسية هي السمة الرئيسية في الأنظمة الجمهورية، التي لا يعود فيها شيء محترما.

وتاسعها، وبحكم أن الملكية نظام قيم، فإنها أقرب إلى دولة القانون من غيرها. فالقانون يحميها ويحمي من حولها حقوق الناس ومصالحهم. بينما القانون هو أول ضحايا جمهوريات الفوضى، فلا يعود هناك حق تمكن المطالبة به، ولا أصول تستوجب مراعاتها، ولا قضاء يمكن اللجوء إليه. مما يوفر للحاكم بأمره، رئيس الجمهورية، أن يُصدر المراسيم كما يشاء، ويفرض العقوبات كما يحلو له، ويفصل القوانين على مقاس حذائه.

وعاشرها، لأن الملكية، أقرب إلى المفاهيم الثقافية والاجتماعية والدينية، في معنى الخلافة وإمارة المؤمنين، من نظام لا انتخاباته انتخابات، ولا رئاسته مفروغا منها، ولا أهليته قائمة على معايير محددة مسبقا.

والحقيقة، فقد نجت بعض بلدان عربية من الكارثة، عندما تحررت من ربقة الاستعمار. بينما وقعت أخرى ضحية لمفاهيم “تحررية” غير موثوقة، ولم يتم تقعيدها على أسس راسخة، وبقيت عرضة للتنازع السياسي، وغلبت عليها التناحرات الأيديولوجية، التي بررت إسقاطها بتناحرات مماثلة، حتى أصبحت الانقلابات تلد بعضها بعضا، وحتى لم يبق هناك شيءٌ مستقرا، أو بناءٌ يمكن البناء فوقه.

وبينما أثبتت الأنظمة الملكية أنها قابلة للتطور، فقد أثبتت الأنظمة الجمهورية أنها قابلة للتدهور. فقط انظر إلى جمهوريات العراق وسوريا والسودان والجزائر واليمن، لتأخذ منها ما يكفي من الكوابيس التي تجعل حياتك جحيما متواصلا. حتى صار الملايين من أبناء شعوبها يرغبون بالفرار منها. كما يفشلون في إدارة مصالحهم، إما لأن سلطة الاستبداد تفرض عليهم واقعا لا يُطاق، وإما لأن الفساد صار هو “العلاقة” بين المواطن ودولته، وإما لأن الفشل في مكان ظل ينقل العدوى إلى مكان آخر، حتى أصبح البلد كله مستنقعا، لا تعليم فيه، ولا خدمات، ولا صحة، ولا قطارات تأتي في مواعيدها، ولا موظفين حكوميين يؤدون واجبات عملهم، ولا مصانع تنتج ما يتوجب عليها أن تنتج.

لو أنك نظرت في تاريخ الانقلابات في العراق وسوريا والجزائر واليمن والسودان لوجدت رابطا مشتركا بينها جميعا، هو أنها نزاع على السلطة بين طامعين، يبررون لأنفسهم ما لا يبرّرونه لغيرهم

ومثلُ كلِّ غارقٍ في مستنقعٍ أرضه رخوة، فما من محاولة للإفلات تنجح.

من ناحية، لأن جمهوريات الفوضى لم تترك لنا فرصة للتراجع، كما لم تترك لنا أحدا يمكن العودة إليه لتنصيبه ملكا، أو أميرا نستودعه الأمانة فيحفظها ويورثها لمن يتعلم منذ صغره كيف يكون مؤتمنا عليها.

ومن ناحية أخرى، لأن التنازع السياسي الذي هيمن على تاريخ المستنقع، يمنع محاولات الإصلاح ويحيطها بالفشل، حتى صرنا نتوسل الأيام بأن تقدم لنا “مستبدا عادلا” يُملي على الجميع ما يتوجب عليهم عمله، على غرار ما يحاول هذا الرجل الضحية، قيس سعيّد في تونس، الذي وجد نفسه وبلاده غاطسة حتى الأنف بخصومات السياسة وتناحراتها التي لا تنتهي. وقد تبوء محاولاته بالفشل لتندفع تونس، بفضل أبنائها المتنازعين، إلى الهاوية أكثر مما هي فيه الآن.

كل ما نتوارثه نحن، أبناء جمهوريات عبدالكريم قاسم وحافظ الأسد وجعفر النميري وعلي عبدالله صالح ومعمر القذافي، هو هؤلاء الذين تعرفهم الآن، الذين ورثوا الانحطاط، فزادوه انحطاطا.

فهل تريد أن أسرد لك أسماءهم لكي تبكي أو تضحك؟

ونحن، لا تعرف كيف، كلما حاولنا أن نتعايش مع مصيبة من مصائبهم، وقعنا بأسوأ منها.

وهم لا يحصون فشلا. ولا يخجلون أصلا.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: