المغرب وإسبانيا، محاولة لاستئناف المنطق

الصراف

الدول، مثل البشر يمكن أن تفقد عقلها. بعضها يستحق أن يؤخذ إلى المصحة لعله يشفى، وبعضها يستدرك المنطق.

والمنطق بالنسبة لعلاقات الدول مع بعضها يقوم على جوهر واحد: المصالح. عناصر كثيرة أخرى يمكن أن تلتحق بهذا الجوهر، إلا أنه يظل هو الأساس. وبناء المصالح عملية معقدة وتستغرق وقتا طويلا، ما يجعل التضحية بها، جنونا مطبقا، إذا ما طغت اعتبارات ثانوية على الجوهر.

هذا هو الأساس الذي أعاد إسبانيا إلى المغرب لتنظر إلى مصالحها معه.

كيفما كانت نظرة إسبانيا السابقة لقضية الصحراء، فقد تطلبت استئناف المنطق، لكي لا تخسر مدريد شريكها التجاري الأول خارج الاتحاد الأوروبي والثالث على مستوى المصالح التجارية مع العالم، بما يشمل الاتحاد الأوروبي نفسه.

والشراكة تمتد على مساحة واسعة للغاية. أوسع بكثير من مجرّد علاقات تبادل سلع وبضائع.

بين عامي 2020 و2021 وحدهما، ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنسبة الثلث تقريبا. وبحسب وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس فإن هناك 17 ألف شركة إسبانية تقيم علاقات مع المغرب، بينها 700 شركة مستقرة فيه. ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 16 مليار دولار سنويا.

أهم من ذلك، حقيقة أن مساحة المصالح بينهما تمتد إلى الأطلسي أيضا، وتتداخل مع المنطقة الاقتصادية المغربية التي تمتد إلى 200 ميل عن سواحله. وهي منطقة غنية بالموارد. خاصة في المنطقة البركانية “جبل تروبيك” التي تحتوي على معادن فريدة مثل التيلوريوم والكوبالت والنيكل والرصاص والفاناديوم والليثيوم. وهي من الغنى بحيث أنها لا تقل أهمية عن كل معادن أفغانستان التي تتصارع الصين من أجل كسبها، لما لها من دور حاسم في اقتصاد التكنولوجيا الحديثة.

الموقف الإسباني من الصحراء المغربية، ليس هو المنعطف الأهم. يخطئ من يعتقد بذلك. المنعطف تحقق في المسيرة الخضراء التي قادها الملك الراحل الحسن الثاني

أين تضع الصحراء من هذا؟

سوف يبدو التنازع مع المغرب، مجرد جنون مطبق، يشبه الجنون الذي يدفع بالجزائر إلى أن تضحي بمصالحها من أجل أن تدعم عصابة مسلحة لا وزن لها، وما تزال تتخذ من أراضي الجزائر مستقرا لها، وتعجز عن أن تكون تحديا أمنيا جديا، أو طرفا سياسيا ذا قيمة.

وحتى ولو تجرأت على شن هجمات، فإنها لن تكسب منها إلا الضرر. وحتى ولو تورّطت معها الجزائر بنزاع مسلح ضد المغرب، فإنها ستكون كارثة سياسية، بل زلزالا يهز مكانة الجزائر في محيطها العربي والأفريقي، كما يهز أركان مؤسسة الأوهام والمزاعم فيها هي نفسها.

إسبانيا التي تخلت عن استعمار الصحراء المغربية، لم تجد منطقا في أن تُحوّل بقايا استعمار زائل إلى شوكة في القدم. فنزعتها لتمشي.

المسألة بالنسبة للمغرب هي مسألة وحدة ترابية. وهي حق بديهي من حقوق أي بلد. وحتى ولو كانت الصحراء قد أصبحت قضية نزاع، فإن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لحله، كانت قد وفّرت العلاج الشافي، بأن وفرت للصحراويين إدارة ذاتية، وحفظت للمغرب وحدته الترابية.

على العكس من ذلك، فإن صنع كيان وهمي لا يمتلك مقومات الحياة، ولا البنية التحتية، ولا النسبة السكانية لإقامة مجتمع مديني واحد، ليس مجرد ضرب من ضروب الجنون، ولكنه ضرب من ضروب الهلوسة الزائدة.

ولو كان هناك من الأوهام ما يكفي للزعم بأن الجزائر يمكن أن تساعد في بناء مجتمع مديني واحد في الصحراء، وتزوده بمقومات الحياة، فمن الخير أن تزود مجتمعاتها المحلية به. هذا هو المنطق. لا يستطيع المرء أن يُعطي لأحد، ما لا يملكه هو. وإذا مَلك، فمن الخير أن يملكه لنفسه أولا، قبل أن يتغدق به.

لقد كان يمكن لأي تسوية خلال العقود الماضية، أن تحقق لجماعة بوليساريو وضعا أفضل، أو صوتا أعلى، عندما كانت الأزمة تقف في القمة. ولكنها الآن في المنحدر. ولن يمضي وقت طويل قبل أن تبلغ القاع. حتى الحكم الذاتي يمكن أن يتبدد في السباق مع الزمن.

المغرب ظل يبني علاقات المصالح على منطق الشراكة والمنافع المتبادلة حتى لم يعد الجدل بشأن وضعية الصحراء أمرا يستحق النقاش من الأساس. فعل ذلك مع كل دول الجوار، بما فيها الجزائر، وليس مع إسبانيا وحدها.

المغرب ظل يبني علاقات المصالح على منطق الشراكة والمنافع المتبادلة حتى لم يعد الجدل بشأن وضعية الصحراء أمرا يستحق النقاش من الأساس

الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وكل دول المنطق، إنما تزن النظرة إلى المغرب بميزان يراه شريكا اقتصاديا واستراتيجيا وأمنيا جديرا بالثقة. تنظر إلى جذوره أيضا، لتعرف أنه ليس دولة تجريبية، وقالبها السياسي والدستوري والمؤسسي مستقر، وقائم على منطق مُحكم.

هذا الأساس هو الذي يجعل الوقت يلعب في صالح المغرب. خذ سنة. خذ عشرة. أو خذ خمسين سنة. في النهاية، فإن القابلية على البناء على أساس صلب، هي التي تكسب.

ولقد مضت الخمسون. وها هي النتيجة، تكشف عما بَنَتْ، على مر العقد بعد الآخر.

الموقف الإسباني من الصحراء المغربية، ليس هو المنعطف الأهم. ولا موقف الولايات المتحدة. يخطئ من يعتقد بذلك. المنعطف تحقق في المسيرة الخضراء التي قادها الملك الراحل الحسن الثاني في نوفمبر العام 1975. تلك كانت هي الساعة التي تحررت فيها الأرض من آخر مظاهر الاستعمار. أدرك المستعمرون أنفسهم، أن علاقاتهم مع المغرب، أجدى نفعا من الوقوف على رمال الوهم.

النظر إلى الميزان التجاري بين المغرب والجزائر، كواحد من أوجه الجوهر في العلاقات بين الدول، مثير للحزن. صحيح أن هذا الميزان يميل لصالح الجزائر بنحو 340 مليون دولار، إلا أن حجم التبادل التجاري بين الجارين، الشقيقين، اللذين يرتبطان بعلاقات تاريخية وطيدة، وشعبيهما ينظر إلى نفسه كشعب واحد، وظلا شريكين في مواجهة الاستعمار حتى تحررا، وتداخلت بينهما كل أنماط الروابط الأخرى، لا تتجاوز مليار دولار واحد!

وبينما تقدم إسبانيا للمغرب 17 في المئة من احتياجاته إلى الكهرباء، تقطع الجزائر “خط الغاز المغاربي الأوروبي” الذي يمر بالمغرب وتبلغ طاقته 12 مليار متر مكعب سنويا. ما يشكل ثروة قائمة بذاتها.

أصح أن يُقال إن هذا هو الخزي بعينه. إنه خزي الرهانات الجوفاء على الوهم؛ خزي التضحية بالمنطق لحساب افتراضات لا يسندها واقع. خزي أن يحشر المرء شوكة في قدمه بنفسه، ثم يفترض أنه قادر على المشي.

المغرب، يمتلك، على أي حال، طاقة الصبر. خذ خمسين سنة أخرى، وتعال من بعدها لتقول ماذا جنيت. لا تحصي الخسائر، لأنها ساعتئذ لا تُحصى.

في المقابل، فإن الأحلام نفسها لا تتسع لأفق المنافع لو أمكن استدراك المنطق. ولكن الدول، مثل البشر في النهاية. بعضها يشفى. وبعضها يعاند.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: