google.com, pub-4622360082312857, DIRECT, f08c47fec0942fa0

ماكرون يكرر في الساحل خطأ الانسحاب الأميركي من الخليج

سومية العلكي

يحتكم موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاه ما يجري في مالي إلى ردة الفعل الشخصية أكثر منها إلى استراتيجية فرنسية واضحة، وهو ما قاد إلى تحويل قضية سياسية خلافية مع المجلس العسكري الحاكم إلى أزمة يمكن أن تهدد على المدى البعيد أمن فرنسا وأوروبا. كما يطرح القرار الفرنسي تساؤلات جدية حول قدرة باريس على لعب أدوار أمنية في مناطق أخرى في وقت يكرّر فيه ماكرون في مالي خطأ الانسحاب الأميركي من الخليج.

وتساءل مراقبون كيف يمكن للرئيس الفرنسي أن يقدم نفسه بديلا في الخليج في تلميح لخطورة الانسحاب الأميركي من مسؤوليات الأمن في المنطقة، ويعمل نفس الشيء في منطقة الساحل والصحراء، وهو أمر سيجعل دول الخليج تعيد حساباتها في الرهان على باريس كشريك أمني مفترض.

واعتبر المراقبون أن الرئيس الفرنسي لم يتعظ، كذلك، من انسحاب الولايات المتحدة غير المدروس من أمام طالبان، حيث خاضت واشنطن حربًا استمرت لعقدين في أفغانستان وأنفقت الكثير عليها وخسرت عددا كبيرا من جنودها في معارك ضد جماعات سريعة الحركة ومتمرّسة على القتال والتنقل وسط تضاريس وعرة، وفي الأخير انسحبت وفسحت المجال لعودة طالبان وكأنها لم تفعل شيئا.

وبدت حجج الانسحاب من مالي كما قدمها الرئيس الفرنسي ضعيفة وغير مقنعة، وهي أقرب إلى ردّة الفعل خاصة أنها يمكن أن تقود إلى ثغرة كبيرة في الاستراتيجية الأمنية الفرنسية في غرب أفريقيا، معتبرين أن فرنسا بهذه الخطوة لا تعاقب المجلس العسكري لوحده بل تعاقب نفسها بإعطاء الجهاديين فرصة للتحرك بحرية والانتقال إلى مناطق أخرى.

وما يظهر خطورة الخطوة الفرنسية أن التنظيمات الجهادية ليست في موقف ضعيف حتى يمكن تحميل الجيوش المحلية مسؤولية مواجهتها، فقد ازدادت هذه المجموعات قوة وارتفع عدد أفرادها كما نوعت من تكتيكاتها ولم تعد تبدو في صور مقاتلين بائسين يلقون بأنفسهم إلى الموت، بل صارت تركز على السيطرة الاقتصادية بوضع اليد على المعادن والنفط في المنطقة لتمويل أنشطتها واستقطاب مقاتلين جددا في كل بلد تنشط فيه.

ويمكن أن يفتح الفراغ الأمني الذي سيتركه انسحاب الفرنسيين في مالي، وهي دولة لديها حدود متعددة، إلى تسلل الزحف الجهادي إلى دول شمال أفريقيا ومنها إلى أوروبا. وبدل أن يعاقب ماكرون المجموعة العسكرية الحاكمة في مالي يكون قد عاقب نفسه وفتح الباب أمام نقلة نوعية في أنشطة الجهاديين.

وإذا كانت أوروبا عاجزة عن مواجهة موجات المهاجرين البدائية، فكيف ستواجه تنظيمات جسورة من السهل عليها التحكم في موجات الهجرة الجنوبية والتسلل عبرها إلى إيطاليا وفرنسا ولاحقا إلى بقية الدول الأوروبية.

وأعلن الرئيس الفرنسي الخميس أن إغلاق آخر القواعد الفرنسية في مالي سيستغرق من “4 إلى 6 أشهر” كمقدمة للانسحاب التام من مالي.

غراف

وقال المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للجيش الفرنسي الكولونيل باسكال إياني في مؤتمر صحافي في باريس إن 4600 جندي فرنسي ينتشرون في قطاع الصحراء والساحل حاليا بينهم 2400 في مالي. وأضاف “في نهاية (الانسحاب) سيبلغ عددهم بين 2500 و3000 عنصر”.

ويرى محلّلون سياسيون أن الخطوة الفرنسية قد تدفع دول الساحل إلى التفكير جديا في الرهان على حلفاء آخرين في الحرب على الإرهاب، معتبرين أن فرنسا التي تنسحب اليوم من مالي يمكن أن تنسحب في المستقبل من دول أخرى في أول خلاف سياسي مع باريس.

ويضيف المحللون أن حديث فرنسا عن انسحاب تدريجي من الحرب على الإرهاب وإيكال المهمة إلى الجيوش المحلية فتح أعين دول الساحل على روسيا بدرجة أولى كبديل، والأمر لا يقف عند موقف مالي التي فتحت الباب أمام التعاون مع مجموعة فاغنر الروسية، وأن هذا التوجه بات أكثر منطقية لدى دول أخرى مثل النيجر وبوركينا فاسو وقبلها أفريقيا الوسطى وليبيا.

باسكال إياني: 4600 جندي فرنسي ينتشرون في قطاع الصحراء والساحل حاليا بينهم 2400 في مالي

ويمكن أن تلتحق دول أخرى بالسباق نحو خلافة النفوذ الفرنسي المتراجع في أفريقيا من ذلك الدور المتزايد لتركيا في القارة وتنويع تعاملاتها لتشمل التجارة والمساعدات وخاصة التعاون الأمني والعسكري بتسويق المسيّرات التركية التي تلقى إقبالا ملحوظا.

وسعى الرئيس الفرنسي لتحميل مسؤولية الانسحاب من مالي إلى المجلس العسكري وإلى مجموعة فاغنر، حيث قال إن هؤلاء المرتزقة “أتوا خصوصا لضمان مصالحهم الاقتصادية ومصالح المجلس العسكري، هذا هو الواقع الذي نراه”.

وأضاف “هؤلاء المرتزقة موجودون منذ سنوات في ليبيا لأخذ الموارد وما يجب أن يعود إلى الشعب الليبي (…) هم موجودون منذ سنوات في جمهورية أفريقيا الوسطى مع انتهاكات مروّعة ضد السكان المدنيين”.

وتابع “يصلون إلى مالي بنوايا شريرة، لأن المجلس العسكري الذي وصل إلى السلطة بعد انقلابين يعتبرهم أفضل شركاء يمكن أن يجدهم لحماية سلطته وليس لمحاربة الإرهاب”.

وحذر من أنه سيكون “هناك المزيد من الشركات الخاصة التي تستغل انعدام الأمن المرتبط بالإرهاب (…) لكنها لن تكون فقط روسية”.

ولفرنسا وجود عسكري منذ 2013 في مالي التي تعاني من جماعات جهادية تنتشر في دول أخرى في منطقة الساحل.

وقد تدخلت باريس لوقف تقدم هذه الجماعات الذي هدد باماكو، ثم نظمت عملية واسعة في المنطقة لمكافحة الجهاديين تحمل اسم “برخان” ونشرت الآلاف من الجنود لمحاربة فرعي تنظيمي القاعدة وداعش.

لكن على الرغم من الانتصارات التكتيكية لم تتمكن الدولة المالية وقواتها المسلحة من بسط السيطرة على الأرض من جديد.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: