خلفيات إغلاق الجزائر لغلافها الجوي في وجه الطائرات المغربية

التليدي

بشكل مفاجئ وبدون سابق تمهيد، أقدمت السلطات الجزائرية أول أمس الأربعاء على إغلاق مجالها الجوي في وجه الطائرات المغربية المدنية والعسكرية، بما في ذلك الطائرات المدنية التي تحمل رقم تسجيل مغربي.
بيان الرئاسة الجزائرية الذي نشرته على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، لم يشر إلى أي حيثيات معللة للقرار، لكن، سياق إصداره (اجتماع المجلس الأعلى للأمن) وموضوعه (دراسة التطورات على الحدود مع المملكة المغربية) يوحي بأن خلفيات القرار إما عسكرية أو أمنية، لاسيما وأن البيان أعاد اتهام المغرب بـ«الاستمرار» في الاستفزازات والممارسات العدائية اتجاه الجزائر.
القانون الدولي المؤطر للطيران المدني (اتفاقية شيكاغو للطيران المدني 1944) تنص في مادتها السادسة على حق الدول الموقعة عليها في السيادة الكاملة على مجالها الجوي، لكن المادة التاسعة منها، تقيد حق الدولة في منع الطيران بمجالها الجوي بظروف استثنائية، تتعلق بحصول أزمة، أو لأسباب تتعلق بالأمن العام لكنها تشترط في ذلك عدم التمييز بين الجنسيات.
ظاهر بيان الرئاسة، إن كانت الجزائر تلتزم باتفاقية شيكاغو للطيران الدولي، يشير إلى أن الأمر يتعلق في التقدير الجزائري بدواع أمنية أو عسكرية، أو بوجود أزمة ما مع المغرب، لم توضح طبيعتها.
قرار إغلاق المجال الجوي الجزائري في وجه الطائرات المغربية العسكرية والمدنية جاء بعد قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في الثامن والعشرين من أغسطس الماضي، أي قبل أقل من شهر واحد، مما يعني أن هذه القرارات تسير بشكل مطرد، وأن ما سبق وأعلنه الرئيس عبد المجيد تبون، من أن الجزائر كانت قد قررت أن تمضي أبعد من قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، كان القصد منه إثارة انتباه الرأي العام الجزائري أن السلطات الجزائرية تسير إليه بشكل تدريجي.
لكن ما يثير التساؤل أكثر هو الجديد الذي حدث من جهة المغرب حتى تبرر هذه الخطوة التصعيدية الإضافية.
عمليا، لم يتم تسجيل أي اتهام جديد ضد المغرب، بعد الاتهامات الجزائرية السابقة للرباط بضلوعها في إشعال الحرائق بولايات الجزائر، وإسناد حركتي «الماك» و«رشاد» اللتين تطالبان بحق الشعب الجزائري بتقرير مصيره في منطقة القبايل، ثم إن دأب السلطات الجزائرية، أن تسارع إلى الاتهام دون أن تكلف نفسها تقديم الأدلة والإثباتات أمام المجتمع الدولي، في حين لم تقدم هذه المرة أي اتهام جديد سوى ما كان من تبني لغة عامة فضفاضة تشير إلى «استمرار المغرب في الاستفزازات والممارسات العدائية تجاه الجزائر».
دراسة الأثر الاقتصادي لهذا القرار، يشير إلى أن المغرب لن يتضرر بالمطلق منه، فالخطوط الملكية الجوية، أعلنت أن طائراتها التي تمر عبر الغلاف الجوي الجزائري لا تتعدى 15 رحلة جوية أسبوعيا، وأن إمكانية تحويل مسارها ميسور عبر البحر الأبيض المتوسط.
ثمة على الأقل أربعة تفسيرات يمكن أن يعلل بها هذا القرار الجزائري:
أولها، أن المغرب لم يستجب مرتين لطلب الجزائر توضيح موقفه الرسمي مما أثاره ممثله الدائم في الأمم المتحدة عمر هلال بخصوص حق الشعب القبايلي في تقرير مصيره. الطلب الأول، تم صياغته دبلوماسيا بشكل احتجاجي، واقترن بسحب السفير الجزائري من الرباط، لكن الطلب الثاني، أخذ طابعا سريا، لم تعلن عنه السلطات الجزائرية، إذ قدمت مباشرة عقب قطعها العلاقات الدبلوماسية مع المغرب مبادرة مشروطة لعودة العلاقات بين البلدين، يلتزم فيها المغرب بسحب أي دعم سياسي لحق الشعب القبايلي في تقرير المصير، وهي المبادرة التي رفضها المغرب.

ربما أقدم على قرار إغلاق المجال الجوي في وجه الطائرات المغربية خشية من أن تستخدم هذه التقنيات من فوق غلافه الجوي!

ثانيها، أن الجزائر فشلت في إقناع إسبانيا بتوريدها الغاز فقط عبر أنبوب الغاز ميد غاز، الذي تم إنشاؤه لمحاصرة المغرب طاقيا، وحرمانه من القيمة الطاقية والمالية التي يحصلها من جراء مرور الغاز الجزائري من الأنبوب من أراضيه. فإسبانيا وعبرها بعض دول أوروبا التي تستورد الغاز الجزائري، لم تبد أي تجاوب مع الطلب الجزائري بتوريد الغاز عبر ميد غاز بشكل حصري، ويبدو أن مصالحها الاستراتيجية في تأمين الغاز إليها، وبكميات مطردة، يقتضي استعمال الأنبوبين معا، وهو ما أثار غضب الجزائر، بسبب فشل ضغوطاتها الممارسة على الجارة الشمالية إسبانيا.
ثالثها، أن الجزائر أضحت تتخوف من الاستراتيجية الجديدة التي نهجها المغرب في الحصول على مختلف الأسلحة المتطورة ذات التقنية الحديثة المعقدة (أبرم المغرب صفقة مع الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على 24 طائرة من نوع F16 تسلم كلها في أفق 2026، وسيتسلم دفعة جديدة من طائرات أباتشي « AH64E» الأمريكية، كما سيتسلم أربع طائرات للمراقبة والاستطلاع والاستخبار من نوع Gulfstream G 550 الأمريكية مُجهزة بمعدات إلكترونية من صنع الشركة الإسرائيلية (ELTA) بل باتت في وضعية حنق شديد من التعاون المغربي التركي، لاسيما بعدما أبرم المغرب صفقة مع تركيا للتزود من الطائرات التركية المسيرة.
ومما يثير الانتباه التزامن الذي حصل بين قرار السلطات الجزائرية وبين تسلم المغرب لأولى الطائرات المقاتلة التركية المسيرة، «TB2 BAYRAKTAR» إذ يقتضي العقد المبرم مع الشركة التركية تزويد المغرب ب 13 طائرة من هذا النوع.
الرابع، وهو أن تكون الجزائر تخطط لتصعيد عسكري مع المغرب، إما بشكل مباشر، أو غير مباشر باستعمال جبهة البوليساريو. فالاستهداف الذي تعرض له سائقان مغربيان لشاحنتين للبضائع في مالي بقتلهما باستعمال طلقات نارية بما يرمز له ذلك من استهداف خط التجارة بين المغرب وعمقه الإفريقي، يرجح فرضية استعمال الجزائر للبوليساريو في حرب استنزافية ضد المغرب.
المغرب عبر قبوله للمبعوث الشخصي للأمين العام الأممي، ديميستورا أفشل تكتيكات الجزائر التي كانت تراهن على الرفض المغربي له، ولا يستبعد أن تكون قد اتجهت للخطة بالتوجه نحو مناورات جديدة لاستنزاف المغرب عبر استعمال البوليساريو.
ما يعزز هذه الفرضية أن الرئيس الجزائري، تحدث أكثر من مرة عن تنشيط دبلوماسيته تجاه قضية الصحراء، بعد أن اعترف بحصول نكسة دبلوماسية لبلاده في هذه القضية، كما ظهر في تندوف قبل أيام قليلة زعيم الانفصاليين إبراهيم غالي، الذي لا يزال يعاني من تداعيات مرض لم تحدد هويته، حيث استقبله وفد عسكري بتندوف، وهو الظهور الذي أريد به إعلاميا تأكيد عودة دور البوليساريو ضمن تكتيكات الجزائر في صراعها الاستنزافي للمغرب.
هذه هي أربعة محددات تفسيرية، يمكن الاستعانة بها لفهم السلوك الجزائري الجديد، لكن، الراجح منها أن الجزائر أضحت تتخوف من القدرات العسكرية المغربية الجديدة، لاسيما ما يتعلق بالتقنيات العسكرية والمعدات الإلكترونية الحديثة التي توفر أعلى مستوى من المراقبة والاستطلاع والاستخبار.
الجزائر التي تعرضت لنكسة استخباراتية قوية حين حصل المغرب على نسخة من بطاقة الهوية وجواز السفر المزورين اللتين منحتهما السلطات الجزائرية لإبراهيم غالي زعيم الانفصاليين قصد التوجه سرا لإسبانيا من أجل العلاج، أضحى صناع القرار السياسي فيها في حالة هلع شديد من القدرات الاستخباراتية المغربية، لاسيما بعد نجاح الصفقات التي أبرمها المغرب من أمريكا وتركيا للحصول على معدات عسكرية مجهزة بعدة إلكترونية جد متطورة، ولذلك، ربما أقدم على قرار إغلاق المجال الجوي في وجه الطائرات المغربية خشية من أن تستخدم هذه التقنيات من فوق غلافه الجوي

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: