في ذكراه الخامسة.. حراك الجزائر “ملاك مبارك” أم “شيطان رجيم”

تباينت توصيفات الجزائريين للوضع السياسي والحقوقي للبلاد بالموازاة مع الذكرى الخامسة للانتفاضة الشعبية. فبينما ذهبت أطراف إلى كونها لم تحقق مطالب المحتجين، اعتبرت وجوه سياسية أنها أفرزت مناخا سياسيا جديدا مغايرا لتفاصيل عهدة الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة.

حلت الذكرى الخامسة لأكبر انتفاضة شعبية سلمية خاضها الجزائريون على مدار أسابيع وشهور، لكن الصمت والاستفهامات لا زالت تلف الحدث الذي هز أركان النظام السياسي، لكنه لم يحقق المطالب والأهداف التي خرج لأجلها الملايين، وفوق ذلك تبقى التوصيفات والأحكام تختلف من تيار إلى آخر، بين من يصف الانتفاضة بـ”الملاك المبارك”، وبين من يصفها بـ “الشيطان الرجيم”.

وصرح رئيس حركة البناء الوطني ومرشح الانتخابات الرئاسية الماضية عبدالقادر بن قرينة، بأن مكسب الأمن والاستقرار الذي تنعم به الجزائر، جاء بعد أجواء ومناخ وحالة من الاستقطابات الخطيرة التي كادت أن تذهب بالجزائر بعيدا عن مسارها الدستوري، وتدخلها إلى نفق لا تعلم نهايته، بدأ باختراق السيادة وانتهى بتهديد هوية الأمة وتفكيك المجتمع.

وتوجهت تلميحات المتحدث أمام أنصاره في ندوة حزبية بالعاصمة، إلى المرحلة السياسية السابقة، التي انتهت بانتفاضة شعبية سلمية واسعة، رفعت شعار التغيير الجذري والشامل، على مدار عامين، لكنها اصطدمت بتعنت السلطة والاختراقات والتفكك، الأمر الذي انتهى بها إلى الفشل وإلى تمكين النظام من تجديد نفسه، بعد الإطاحة برموز المرحلة، وعلى رأسهم الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة.

والحراك الشعبي الجزائري الذي مرت عليه خمس سنوات، حلت ذكراه في أجواء من الصمت والحيرة والتساؤل في الشارع الجزائري عن مستقبل البلاد، خاصة في ظل التجاذب بين تيار السلطة الذي يصف جزءا منه بـ “المبارك” والجزء الآخر بـ“الشيطان”، وبين تيار المعارضة الذي يعتبر الحراك كلا متكاملا بمطالب صريحة وواضحة، وهي تغيير جذري للنظام ورحيل رموزه، ولا مجال للتلاعب بإرادة ملايين الجزائريين.

 

عبدالقادر بن قرينة: المشهد الوطني يسير بسرعة نحو آفاق الجزائر الجديدة
عبدالقادر بن قرينة: المشهد الوطني يسير بسرعة نحو آفاق الجزائر الجديدة

 

وفي التيار الأول يسود الاعتقاد، بأن الحراك المبارك، هو الذي أنقذ البلاد من التميع والتفكك، ولذلك تم تضمينه في ديباجة دستور العام 2020، وأن “الجزائر الجديدة” التي تقودها السلطة الحالية، هي الخلاصة التي خرج من أجلها الجزائريون في الثاني والعشرين من فبراير 2019، لكن في التيار الثاني هناك رؤية مناقضة تماما، وهي أن السلطة التي تمكنت من تجديد نفسها عبر الإطاحة بالنخبة السابقة والإتيان بالنخبة الحالية، تدير البلاد بقبضة أمنية وقمعية غير مسبوقة، ولذلك يتم تجاهل انتفاضة الجزائريين والتضييق على أي محاولة لإحيائها بأي شكل من الأشكال، لأنها تخشى طبعة جديدة من الحراك يعصف بها كما عصف بمنظومة الرئيس بوتفليقة.

ورأى بن قرينة، في خطابه بأن “المشهد الوطني يسير بسرعة وبإيجابية نحو آفاق وتطلعات مشروع الجزائر الجديدة التي ارتسمت بعد الحراك الشعبي المبارك الأصيل، بحيث لم تفلح مخططات القوى المضادة في خططها لإعاقة مسيرته إلا بعض المحاولات التي سرعان ما اصطدمت بوعي الشعب الجزائري والنخب الوطنية التي منعت من عودة حالة الفساد”.

وقال: “الحراك الأصيل المبارك الذي كان نقطة فارقة في تاريخ الجزائر بسلميته وحضاريته وقوة تغييره، أوقف مشروع التمديد وتأجيل الانتخابات، ورد الأمل للجزائريين في أن يتنفسوا أوكسجين الحرية وأعلن حربا على الفساد وعصاباته التي نهبت ممتلكات الشعب الجزائري”.

وأضاف: “الحراك وضع حدا للقوى غير الدستورية التي هيمنت على مؤسسات الجمهورية وصادرت قراراتها ونحتت كل ساحات الوطن الشعار الخالد (جيش شعب خاوة خاوة) الذي جنب البلاد مخاطر سفك الدماء، وكذلك جنبها مخاطر التدخل الأجنبي”.

ويعرف المتحدث بمواقفه المناوئة لما يعرف بـ“راديكاليي” الحراك الشعبي، ولم يتوان في توجيه انتقادات واتهامات للأصوات المطالبة بالتغيير السياسي الجذري وبرحيل رموز النظام، وذهب إلى حد وصف جهة معينة من البلاد (منطقة القبائل) بـ“الاختراق” من طرف قوى خارجية، وبـ“العمالة”، كونها كانت تعد حاضنة قوية للاحتجاجات الشعبية.

التجاذب حول الحراك الشعبي، أفرز مسارات متناقضة، بين دعاة “الحراك الأصيل والمبارك”، لأنه أطاح بنخبة بوتفليقة، واستقدم النخبة الحاكمة حاليا، والذين بحثوا في أرشيف الحركة الوطنية عن رداء محترم، فأطلقوا ما يعرف بـ“الباديسية النوفمبرية”، نسبة إلى المصلح الاجتماعي عبدالحميد بن باديس، وشهر اندلاع ثورة التحرير، وبين دعاة التغيير الجذري الذين توقفوا في نفس النقطة وعجزوا عن إبداع أي مناورة جديدة، فظلت المسافة ثابتة بين الطرفين، رغم أن البلاد في غنى عن تضييع المزيد من الفرص، على حد تعبير رئيس الحكومة السابق مولود حمروش.

التوصيفات والأحكام تختلف من تيار إلى آخر، بين من يصف الانتفاضة بـ”الملاك المبارك”، وبين من يصفها بـ “الشيطان الرجيم

ومرت الذكرى الخامسة للحراك الجزائري المصادفة لـ22 فبراير في صمت وحيرة، فلا “المبارك” ألقى ببركته على الجزائريين، ولا “الشيطان” وسوس لهم في آذانهم، ولعل لجوء الطرفين إلى باريس لإحياء الذكرى، يوحي بأن آلة القمع والحظر تبسط يديها داخل البلاد، فلا مجال للسير والتظاهر حتى ولو تعلق الأمر بحدث تضمنته ديباجة الدستور أو شعار “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، فالمهم بالنسبة إلى السلطة هو الهدوء والاستقرار والباقي هي من تكفله.

ورفضت السلطات الباريسية التي تلقت طلبين لتنظيم مسيرة شعبية ووقفة شعبية في ساحة الجمهورية، الطلبين معا، لأنها تدرك أن التجاذب وخلفية كليهما يمكن أن تتحول إلى إزعاج للأمن العام، رغم أن أنصار “المبارك” رفعوا شعار ذكرى يوم الشهيد المصادف للثامن عشر فبراير، و“الشيطان” أراد التعبير عن الحنين وعن انتفاضة قبرت في الجزائر وأُرِيدَ أحياؤها في باريس.

وقالت منظمة العفو الدولية بالمناسبة، أن “السلطات الجزائرية تواصل قمع الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي بعد خمس سنوات من انطلاق حركة الحراك الاحتجاجية، من خلال استهداف الأصوات المعارضة الناقدة، سواء كانت من المحتجين أو الصحفيين أو أشخاص يعبرون عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي”.

وأضافت: “بعد توقف حركة الحراك الاحتجاجية بسبب جائحة فايروس كوفيد – 19 في 2020، صعدت السلطات الجزائرية من قمعها للمعارضة السلمية، واعتُقل مئات الأشخاص واحتجزوا تعسفا، ولا يزال عشرات المحتجين السلميين والصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان يقبعون خلف القضبان لانتقادهم السلطات”.

وقالت مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية هبة مرايف، “إنها لمأساة أنه بعد خمس سنوات من نزول حشود من الجزائريين الشجعان إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير السياسي والإصلاحات، تواصل السلطات شن حملة قمعها المروعة”.

وأضافت: “يتعين على السلطات الجزائرية أن تجعل من الذكرى السنوية الخامسة لحركة الحراك الاحتجاجية نقطة تحول من خلال وضع حد لمناخ القمع هذا، وإصدار أمر بالإفراج الفوري عن المعتقلين تعسفيًا، والسماح بالاحتجاجات السلمية. كما يجب على السلطات وقف مضايقة المعارضين والمنتقدين المتصورين، وإصلاح التشريعات الرئيسية، بما في ذلك إلغاء الأحكام الغامضة والفضفاضة للغاية التي تُستخدم لقمع حقوق الإنسان”.

ولفتت إلى أنه، بينما يقتصر إحياء الذكرى الخامسة للحراك على المداخلات والإشادات على شبكات التواصل الاجتماعي، تنفذ السلطات الجزائرية موجة اعتقالات طالت الناشطين السياسيين. وبحسب اللجنة الوطنية لتحرير المعتقلين، فقد تم اعتقال العديد من الناشطين في الأيام الأخيرة، ولا يزال بعضهم رهن الاحتجاز لدى الشرطة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: