هل سيؤيد الروس مقترح الحكم الذاتي للصحراء؟

بولحية

قدر واحد قد يجمع المغاربة والجزائريين في تعاملهم في هذه الفترة بالذات مع الروس. فاقترابهم منهم بشكل زائد أو ملحوظ قد يمثل لهم نوعا من المجازفة، كما أن نأيهم عنهم بشكل تام مثلما فعل بعض الغربيين، قد يبدو عملا مستعصيا. والمسك هنا بالعصا الروسية الغربية من الوسط لا يلوح بالهين. ولعل واحدا من الاختبارات التي تعترضهم في المعادلة بين الغرب، وروسيا، يخص الملف الشائك الذي يعقد علاقاتهم منذ عقود، وهو ملف الصحراء.

لعل واحدا من الاختبارات التي تعترض المغرب والجزائر في المعادلة بين الغرب، وروسيا، يخص ملف الصحراء الشائك الذي يعقد علاقاتهم منذ عقود

وهنا قد يتساءل البعض، على ضوء المستجدات الأخيرة إن كانت جلسة مجلس الأمن الدولي، التي يفترض أن تعقد في العشرين من الشهر الجاري حول الصحراء ستحمل جديدا؟ أم أنها ستكون مثل سابقاتها شكلية وروتينية يكتفي خلالها المبعوث الأممي للصحراء بقراءة تقرير حول نشاطاته، ويتحدث فيها رئيس البعثة الأممية هناك عن الأوضاع على الأرض، ثم لا يأخذ بعدها المجتمعون أي قرار حاسم وقاطع في الموضوع.
ومن الواضح أن الظرف الذي سيعقد فيه ذلك الاجتماع، يبدو مختلفا ويعطي انطباعا قويا بأن الأرضية قد تهيأت وإلى حد كبير حتى يقود التقاطع بين التغيرات التي حصلت في المواقف الدبلوماسية لبعض الأطراف، والتداعيات التي تركتها الحرب الروسية في أوكرانيا إلى بداية الخروج ولو تدريجيا من نفق اللاحسم الذي وجدت الهيئة الأممية نفسها فيه، كلما تعلق الأمر بذلك الملف. وهناك مشهدان حصلا في جولة وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة التي قادته إلى الرباط والجزائر، ربما يدعمان ذلك ولعلهما يؤشران أيضا إلى التطورات التي سيعرفها الملف الصحراوي في الأيام المقبلة في علاقة بتبعات تلك الحرب التي تشهدها كييف. ففيما جدد أنطوني بلينكن الثلاثاء قبل الماضي في العاصمة المغربية دعم بلاده للمخطط المغربي للحكم الذاتي للصحراء، ولم يتردد في وصفه بالـ»جاد وذي المصداقية والواقعي» وطالب نظيره المغربي الناصر بوريطة الدول الأوروبية بالخروج عن صمتها والاقتداء بـ«الولايات المتحدة وفرنسا والدول العربية والافريقية ومؤخرا إسبانيا وألمانيا» التي باتت وفق تأكيداته تدعم وجهة النظر المغربية في النزاع الصحراوي، فضّل المسؤول الأمريكي البارز في اليوم الموالي، وخلال حلوله في العاصمة الجزائرية، أن يتجنب الخوض مجددا في الموضوع، مكتفيا بالقول إن بلاده تساند جهود المبعوث الأممي للصحراء. غير أنه وجد في المقابل أنه من المناسب أن يشدد أمام مضيفيه الجزائريين على أن الصراع في أوكرانيا يجب أن يدفع جميع الدول إلى إعادة تقييم العلاقات مع روسيا، والتعبير بقوة عن دعمها لوحدة أراضي الدول الأخرى، مشيرا في الأثناء إلى أنه يعلم «أن هذا شيء يشعر به الجزائريون بقوة» قبل أن يضيف أن «هناك أوقاتا تظهر فيها قضية واحدة واضحة للغاية، إما أسود أو أبيض. ومن المهم الوقوف إلى جانب الضحية والوقوف مع المبادئ التي تم انتهاكها ايضا». ولم يكن بلينكن ساهيا أو غافلا بالطبع عما يمكن أن يعنيه مثل ذلك التصريح لبلد كالجزائر تربطه علاقات قديمة ووثيقة بموسكو. غير أن السؤال هنا هو، هل كان هناك خيط ما يربط بين الأمرين، أي بين تجديد التأكيد الأمريكي في الرباط على مغربية الصحراء، والدعوة في الجزائر للاصطفاف ضد روسيا في حربها على أوكرانيا؟ وهل أن الأمريكيين وجدوا في الحرب الروسية فرصة لخلط الأوراق وإعادة ترتيب المواقع والتحالفات الإقليمية والتخلص من مزاحمة منافس شرس ومزعج لهم إلى حد ما في الشمال الافريقي؟ صحيح أن الروس مشغولون الآن بالحرب في أوكرانيا، لكن سيكون من الخطأ أن يتصور أحد أن ذلك قد يُحدّ من تطلعهم للاهتمام بمناطق أخرى في العالم، فحتى إن أربكتهم وربما آلمتهم أيضا وإلى حد كبير، تلك العقوبات الغربية التي فرضت عليهم، فهي لن تضعف من قدرتهم على التأثير في أكثر من ملف دولي. يكفي فقط أنها لن تسحب منهم مقعدهم الدائم في مجلس الأمن، أو تحد من وضعهم كقوة نووية وعسكرية عظمى، لكن وفق أي منطق سيتعاطون في المرحلة المقبلة مع القضايا والملفات الدولية المعروضة على أنظار الأمم المتحدة؟ إن أكثر ما يمكن أن يشغل دول الشمال الافريقي هنا هو، القضية الصحراوية، التي كانت سببا مباشرا في استمرار حالة التوتر بين أكبر بلدين مغاربيين، أي المغرب والجزائر. ولطالما اتسم الموقف الروسي من تلك القضية بالذات ببعض الغموض والتردد. فقد دأبت موسكو خصوصا في السنوات الأخيرة على إرسال أكثر من إشارة متناقضة إلى الجانبين المغربي والجزائري كان الغرض منها أحيانا مجرد مناكفة واشنطن والتدليل على أنها لن تسمح لها بالانفراد وحدها في الحسم والتقرير في مصير العالم. لقد انتقدت موسكو عدة مرات مشاريع قرارات كانت تعرض على مجلس الأمن حول القضية الصحراوية، واعتبرتها «غير متوازنة» أو منحازة لطرف دون الآخر، لكنها لم تظهر بدورها وفي المقابل أي ميل واضح أو صريح نحو تصور أو رؤية محددة لحل النزاع. وليس معروفا بعد ما إذا كان الحياد النسبي الروسي في الصحراء جاء نتيجة للجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلها المغرب على امتداد سنوات، بعيدا عن الأضواء؟ أم أنه عكس حرص الروس على أن لا يضعوا بيضهم في سلة واحدة ويفقدوا بالتالي فرصة أن يكونوا وسطاء محتملين في النزاع؟ أم كان محصلة للأمرين معا. لكن المؤكد أن مصالحهم في المنطقة هي التي لعبت الدور الحاسم في ترجيح الكفة لقرارهم، ولكن هل ستبقى موسكو على حيادها في وقت خرجت فيه واشنطن وباريس ومدريد وبرلين وعواصم أخرى وبأشكال مختلفة عن ذلك الحياد، وباتت تعلن وبوضوح عن وقوفها مع الطرح المغربي لحل معضلة الصحراء من خلال الحكم الذاتي؟ لقد ألقى المغاربة في الثالث من مارس/آذار الماضي بحجر ثقيل في البركة الروسية، حين قرروا عدم حضور جلسة التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يدين الغزو الروسي لأوكرانيا. وكان واضحا مغزى الرسالة التي أرادوا توجيهها إلى دولة كبرى عضو في مجلس الأمن، غير أن الموازنة التي قد يجريها الروس هنا بين الرد على ما قد يرونه موقفا وديا، أو على الأقل غير عدائي أو سلبي نحوهم من جانب الرباط، وعلاقاتهم ومصالحهم في الجارة الجزائر لن تكون بالسهولة التي قد تدفعهم للحسم بشكل سريع في خياراتهم للمرحلة المقبلة، في ما يتعلق بالمعضلة الصحراوية. فالأرجح أنهم سيتمهلون حتى تكتمل الصورة وتتضح موازين القوى بينهم وبين الغرب بشكل أدق، ليحددوا بعدها اتجاه بوصلتهم. ولا يبدو أن أولويات المغرب في هذه المرحلة على الأقل تتركز على انتزاع موقف من موسكو مماثل للموقف الأمريكي من الصحراء. فالأهم بالنسبة للرباط متى انتزعت دعم بروكسل لخطتها للحكم الذاتي هو أن لا يعترض عليها الروس ولو مناكفة للغرب. لكن كل شيء يبقى مرتبطا وبدرجة كبرى بمآل المغامرة الروسية في أوكرانيا وبالخريطة الدولية التي ستتشكل بعدها.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: