رشيد اليزمي عالمٌ مغربي يساعد بلده على دخول صناعة بطاريات الليثيوم

ماموني

في شهر أغسطس الجاري أعلن العالم المغربي رشيد اليزمي أن الاختراع الذي توصل إليه مؤخرا، المتمثل في تقنية تمكن من شحن بطاريات السيارات الكهربائية في وقت قياسي بـ”المعجزة”. وأضاف قائلاً ”بعد 8 سنوات من البحث، يمكن الآن شحن السيارات الكهربائية في مدة لا تتجاوز 10 دقائق بدلاً من ساعة، كما يجري في عدد من دول العالم، بينها الولايات المتحدة”. مشيراً إلى أن شركة تيسلا موتورز الأميركية توفر الآن إمكانية شحن 50 في المئة من البطارية في 15 دقيقة، فيما تكتمل النسبة المتبقية في ساعة، بما يعني أن مدة الشحن تصل إلى 75 دقيقة”.

وبشر اليزمي المغرب والعرب بأن الولايات المتحدة ستكون أول دولة تشرع في تصنيع الاختراع الذي توصل إليه.

وقبل سنوات، كان اليزمي قد بصم اسمه على بطارية الليثيوم، هذا الاختراع الذي يستعمل اليوم في جميع الأجهزة الإلكترونية المحمولة، وبالنسبة إلى العالم المغربي المولود في مدينة فاس في العام 1953، فالمغرب غنيّ بالكفاءات والعباقرة وأن مثله المئات، يكفي فقط البحث عنها ومد يد المساعدة لها.

هو رائد بطاريات الليثيوم القابلة للشحن والمستخدمة اليوم في معظم الأجهزة المحمولة، هذه التقنية التي تم اعتمادها وتسويقها سنة 1991 مكنت العالم من استخدام الأجهزة المحمولة بسهولة، عكس ما كان معمولا به قبل ذلك، حيث كانت البطاريات لا تقبل الشحن، وبالتالي يجب استبدالها عند انتهاء شحنتها، وقد طور اليزمي نواة هذه التقنية في الثمانينات في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، حيث خصص رسالة الدكتوراه في علم المواد، حول تقنية إدماج مادة الليثيوم بالغرافيت، بطريقة مبتكرة، مكنت من جعل بطاريات الليثيوم قابلة للشحن.

جائزة نوبل “المهندسين”

جائزة نوبل التي حرم عام 2019 يقول عنها المخترع المغربي إن قاعدة الأكاديمية السويدية التي تقوم على حصر عدد المتوجين عن نفس العمل حالت دون حصوله عليها.

أبحاث اليزمي كانت سببا في حصوله على جوائز وأوسمة عديدة بالمشاركة مع الحاصلين على نوبل للكيمياء 2019، ففي العام 2014 حصل على جائزة “درابر” من الأكاديمية الوطنية للهندسة مع جون غودينوف وأكيرا يوشينو، وتحتل الجائزة عند اليزمي مكانة خاصة فهي تعتبر بمثابة جائزة “نوبل” للمهندسين، ويعترف أن هذه الجائزة منحته سعادة غامرة نظرا لقيمتها المهنية والرمزية الكبير. وربما يأتي ذلك بمثابة تعويض نفسي وعلمي عن حرمانه من جائزة نوبل.

وفي تعليق اليزمي المحاضر السابق بجامعة نانيانغ في سنغافورة على حرمانه من جائزة نوبل عام 2019 والتي ذهبت إلى ثلاثة من زملائه الذين ساهموا معه في تطوير بطاريات الليثيوم، أكد المخترع المغربي أن قاعدة الأكاديمية السويدية التي تقوم على حصر عدد المتوجين عن نفس العمل حالت دون تتويجه.

طموحاته تبقى كبيرة، فبعد البطاريات القابلة للشحن، المستخدمة في الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية، وإذا كانت بطارية الهاتف وبطارية السيارة كلاهما لديهما نفس المواد ونفس الكيمياء، فقد قام باختراع تقنية جديدة تمكّن من شحن بطاريات السيارات الكهربائية في زمن قياسي. فالسيارة الكهربائية لا يمكنها الاستمرار لمسافة طويلة دون أن تحتاج إلى إعادة شحن بطارياتها، لذا فإن الشحن في مدة “الجلوس في باحة محطة الاستراحة لاحتساء كوب من القهوة عوض ساعة، كما هو معمول به اليوم، يمكن اعتباره ثورة في عالم الطاقات النظيفة، بتسريع التحول إلى الاعتماد كليا على السيارات الكهربائية لقطع مسافة ما بين 250 و400 كيلومتر دون توقف، وهو حلم مصنعي السيارات الذي تحقق مع مجهودات اليزمي العلمية.

انطلاقا من ذلك فكر اليزمي في إيجاد تكنولوجيا جديدة تمكنه من توفير الوقت وشحن البطارية في أقل من ساعة، ثم أقل من نصف ساعة حتى وصلت إلى مدة تعتبر بالنسبة إليه أسرع بثلاث مرات من أحسن ما هو متوفر في العالم الآن. فالتكنولوجيا الجديدة تتيح الشحن السريع مع الحفاظ على سلامة البطارية، وقد اعتمد فيها على إعطاء الأولوية للجهد الكهربائي  بدل إعطاء الأولوية للتيار الكهربائي، ويشرح اليزمي ذلك بالقول إن التقنية التي تتيح الشحن السريع تعمل على إطالة عمر البطارية عن طريق تجنب الإجهاد، بدلاً من الاحتفاظ بالبطارية لمدة خمس سنوات، يمكنك الاحتفاظ بها لمدة عشر سنوات، لأن الطريقة التي نشحن بها البطارية لا تضعها تحت درجة حرارة عالية أو ضغط تيار مرتفع، وسيكون وضع البطارية الذي يحلم به هو عشر دقائق من الشحن لنطاق 800 كيلومتر.

استغرق اليزمي ثماني سنوات في البحث عن تقنية تحقق ما هو مستحيل في الوقت الراهن، حيث وبالنسبة إلى خبرته، فالتكنولوجيا المتوفرة حاليا لا تؤمّن شحنا كاملا وآمنا في أقل من ساعة، فإن حدث ذلك، فهو يرفع درجة حرارة البطارية، مما يعرضها للانفجار كما يؤثر ذلك على عمر البطارية. ومن شأن التقنية الجديدة أن تسرّع من عملية التحول التام نحو السيارات الكهربائية بحلول العام 2040 بعدد من دول العالم، وقد أبرم عقودا مع بعض الشركات من أوروبا وآسيا، والتي زوّدته ببطارياتها المستعملة في السيارات الكهربائية لتجربة الشاحن الجديد.

ويعتقد اليزمي أن تكنولوجيا بطاريات السيارات الكهربائية ستستمرّ في التوسع إلى ما هو أبعد من السيارات والدراجات البخارية، إذ سنرى صعود الطائرات الكهربائية على الأرجح للاستخدام الفردي في العشرين إلى الثلاثين عامًا القادمة.

المغرب واستثمار الاختراع

Thumbnail

تغمر اليزمي رغبة كبيرة في إفادة المغرب من هذه التكنولوجيا، وهذا ليس بالأمر الجديد، فمنذ أن غادر بلده قبل سنوات وهو يؤكد أنه إذا كان للمغرب غرض به فهو مستعد، ولهذا فقد عرض مشروعه الجديد على السلطات المغربية، إيمانا بأن تبنّي هذا المشروع سيحدث ثورة صناعية في المغرب، بخلق مناصب الشغل وجعل المغرب قطبا في عالم السيارات الكهربائية، ويربط هذا المشروع بأهمية التعليم والبحث العلمي الذي هو بمثابة الأوكسجين للإنسان المغربي، مع ضرورة مرور أي تنمية مجتمعية عبر نهضة تصنيعية حقيقية مرتبطة ارتباطا عضويا بالبحث العلمي والتقني.

انطلقت رحلة اليزمي العلمية من المغرب بعدما نال درجة البكالوريوس سنة 1971 في المغرب، متوجها إلى فرنسا حيث حصل على رسالة الدكتوراه بمعهد غرونوبل للتكنولوجيا، وكانت الأطروحة في علم المواد بمختبر تابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وتناولت دمج الليثيوم بالغرافيت والكيفية التي يمكن لهذه التقنية أن تطور بطاريات أيون الليثيوم.

وعن التجربة المغربية في مشروع التسريع الصناعي يلح اليزمي على أهمية تمكين الباحثين والعلماء من الحرية والاستقلالية المطلقة لأجل البحث والإنتاج العلمي والابتكار، إلى جانب توفير الموارد والبنيات المادية؛ فلا أمل في نهوض صناعي دون خلق جيل من الباحثين والعلماء الشغوفين بالاختراع وذوي الأفكار والتصورات الثورية المبتكرة، التي تروم الإسهام في طرح حلول وإمكانات لتسهيل حياة الإنسان وحفظ الكوكب الذي يعيش عليه وتحقيق النجاعة الطاقية وتعميم الرفاهية.

ثماني سنوات هي عمر البحث الذي انشغل به اليزمي للعثور على تقنية تحقق ما هو مستحيل في الوقت الراهن، فالتكنولوجيا المتوفرة حاليا لا تؤمّن شحنا كاملا وآمنا في أقل من ساعة للبطاريات، وإن حدث ذلك فهو يرفع درجة حرارة البطارية ما يعرضها للانفجار أو يؤثر على عمرها

فتقنية الشحن السريع مطلوبة جدا، وسوق السيارات الكهربائية ستكون أكبر مستفيد منها، وسيرغب المصنعون في هذه التكنولوجيا، وسيكون أمرا مهما جدا أن يتم الوصول إلى تصدير اختراع مغربي في العالم ككل، وهو ضد النقد الموجه حاليًا للسيارة الكهربائية، المتهمة بأنها ليست صديقة للبيئة. صحيح أن هناك قضايا تتعلق بالمعادن الاستراتيجية مثل الكوبالت، لكن هو ينظر من زاوية الميزانية العمومية على مدار دورة حياة النظام البيئي، حيث أن البيئة تفوز وهذا أمر لا يمكن إنكاره، ففي سياق أدى فيه الوباء إلى التشكيك في أنماط الاستهلاك وسلاسل الإنتاج المعولمة، فهذا الابتكار  قد يوفر بعض الحلول.

وقد تلقّى اتصالا من وزارة الصناعة المغربية ودخل معها في حوار اعتبره إيجابيا جدا للبحث عن سبل تسويق التقنية باسم المغرب، إلى باقي دول العالم، ومنح مهلة حتى نهاية السنة الجارية للتجاوب مع عرضه، وتبدو من خلال كلامه “علاقة الثقة“ القائمة بينه وبين الحكومة المغربية، إلى جانب كفاءته العلمية التي جعلت اختراعاته محل تنويه من طرف المسؤولين المغاربة، ستدفعهم للإشراف على المشروع خاصة وأن للوزارة علاقات متينة مع الشركات المصنعة للسيارات الكهربائية، إذ أن تمويل المشروع سيكون مفتوحا أمام المستثمرين المغاربة والأجانب.

يملك اليزمي رؤية خاصة تجاه البحث العلمي تقوم على أن إصلاح نظام التعليم ضرورة حتى يصبح الابتكار جزءًا من حياتنا اليومية، ويعترف بشكل واقعي، أن البحث العلمي لا ينشأ بين عشية وضحاها، بل تلزمه عقود من العمل المتواصل، كما أن صناعة العالم لا تتم هكذا بل إن الأمر يتطلب الكثير من الشروط والظروف الملائمة للابتكار، ومن بين نتائج إهمال البحث العلمي أنه اليوم يتم اللجوء إلى استيراد التكنولوجيا من البلدان التي تستثمر في البحث والابتكار وطبعا بكلفة عالية جدا.

مركز التميز

الاختراع الجديد لليزمي يتمثل في تقنية تمكّن من شحن بطاريات السيارات الكهربائية في وقت قياسي لا يتجاوز 10 دقائق.

صقل اليزمي خبرته في عالم الليثيوم في جامعة “كيوتو” باليابان، ثم في الولايات المتحدة ليستقر بشكل نهائي في سنغافورة، واستطاع الأستاذ الزائر بجامعة كاليفورنيا الأميركية للتكنولوجيا نشر أكثر من 250 ورقة بحثية، وسجّل 70 براءة اختراع، مثل بطارية فلوريد الكربو – ليثيوم التي تستخدم في التطبيقات الفضائية والطبية.

وفي شهر يوليو الماضي تم إطلاق مركز للتميز في مجال البطاريات بحضور نخبة من الباحثين والجامعيين المغاربة، يقوده اليزمي الذي عمل مديراً للبحوث في الطاقة المتجددة بجامعة “نانيانغ” للتكنولوجيا بسنغافورة، مع تجمع جامعات الجهة، وخصوصا فاس ومكناس، وهو الأول من نوعه في المغرب، والذي يفتح آفاقا واسعة في هذا الباب.

وتتطلع هذه البنية الجديدة الى الانخراط في أبحاث متقدمة في مجال البطاريات الذكية للمستقبل وإنجاز دراسات واستشارات وتجارب حول البطاريات لفائدة الشركاء الصناعيين والدخول في شراكات أكاديمية وصناعية على الصعيدين الوطني والدولي، حيث أبرز رئيس الجامعة الخاصة لفاس عزيز لحلو أن المركز يروم الدفع بتموقع متميز للمغرب في مجال البحث المتعلق بالبطاريات، منوّهاً بأهمية المجلس العلمي للجامعة الذي انعقد في نفس اليوم بمشاركة 15 باحثا بارزا مغربيا وأجنبيا.

وهذا الاهتمام العلمي والاكاديمي دفع اليزمي للتذكير بأهمية المركز، معربا عن أمله في أن تكون هذه البنية الجديدة نموذجا لتميز البحث المغربي في مجال الطاقة والبطاريات، وأن ينخرط مهندسو المستقبل في المبادرات الاستثمارية من أجل تسريع التنمية السوسيو – اقتصادية للمغرب وتعزيز التنافسية في هذا المجال. فهو يريد من بلده الاهتمام بهذه الصناعة، إذ يتوقع أن تنتقل أوروبا من توفير 3 في المئة من تصنيع البطاريات إلى 20 في المئة، حيث يواصل الاتحاد الأوروبي زيادة عدد المصانع العملاقة التي تبلغ قيمتها مليار دولار.

 

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: