ارتباك جزائري بعد تذكير مغربي بمخاطر لعبة الأقليات والانفصال

حنان الفاتحي

أربكت مداخلة مغربية في اجتماع دولي الجزائر بأن أثارت قضية انفصال منطقة القبائل وحق تقرير المصير بعد سنوات من تنبيه الرباط إلى خطورة التمادي في تبني الخطاب الانفصالي للبوليساريو.

واعتبرت أوساط مغربية أن تصريحات الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال لم تكن تحمل أيّ دعوة إلى انفصال منطقة القبائل شرق الجزائر، وأن الهدف هو لفت نظر السلطات الجزائرية إلى التناقض في خطابها من خلال التحريض على انفصال البوليساريو من جهة ورفض أيّ مطالب لسكان القبائل بشأن الانفصال أو الحكم الذاتي الموسع من جهة أخرى.

وأشارت إلى أن الغضب الجزائري من التصريح، الذي جاء في سياق تحذير من مخاطر اللعبة الجزائرية المستمرة في التحريض على وحدة المغرب، يظهر أن عمر هلال قد وضع يده على القضية التي يتخوف منها الجزائريون أي قضايا الانفصال سواء بالنسبة إلى سكان القبائل أو سكان الجنوب الذين يتهمون السلطات بالاستئثار بنفطهم وغازهم في مقابل تهميشهم.

ولفتت هذه المصادر إلى أن الجزائر تستخدم البوليساريو لتحقيق هدفها أي الإطلالة على المحيط الأطلسي، وهو ما يفسر استمرارها في تمويل حرب خاسرة منذ انطلاقتها وتحمّل أعبائها الثقيلة على اقتصاد يعاني من الأزمات، وعلى شارع لا يتوقف عن الاحتجاج ويطالب بتحويل ما ينفق على الحرب لخدمته.

وقال بيان لوزارة الخارجية الجزائرية ردا على تصريحات هلال إن “الجزائر تدين بشدة هذا الانجراف الخطير، بما في ذلك على للمملكة المغربية نفسها داخل حدودها المعترف بها دوليا”، معتبرة تصرف المغرب “يندرج ضمن حملة معادية للجزائر”.

رضا فلاح: تصريحات عمر هلال وضعت الجزائر أمام تناقضات مواقفها

وأكد رضا الفلاح أستاذ القانون الدولي في الجامعة المغربية أن تصريح السفير المغربي لدى الأمم المتحدة بث موجة من الفزع الشديد داخل أركان النظام الجزائري وأنه قد وضع الجارة الشرقية أمام التناقضات التي تلف جميع خطاباتها.

وأشار الفلاح في تصريح لـه إلى أنه ينبغي قراءة تصريح عمر هلال انطلاقا من دلالة المصطلحات المستعملة والأثر المراد إحداثه، وليس باعتباره تصريحا يعبّر عن موقف الدبلوماسية المغربية، لأن التوجه الرسمي والراسخ للمملكة المغربية هو مع دعم الوحدة الترابية للدول.

وكان هلال قال في تعليق على كلام وزير الخارجية الجزائري القديم الجديد رمطان لعمامرة إنه “يقف كمدافع قويّ عن حق تقرير المصير، وينكر هذا الحق نفسه على شعب القبائل، أحد أقدم الشعوب في أفريقيا، والذي يعاني من أطول احتلال أجنبي”، مضيفا أن تقرير المصير “ليس مبدأً مزاجيا. ولهذا السبب يستحق شعب القبائل الشجاع، أكثر من أي شعب آخر، التمتع الكامل بحق تقرير المصير”.

وشدد الفلاح على أنه عندما يتعلق الأمر بالتهديدات التي تمس الوحدة الترابية للدول فإن السياسة الخارجية المغربية تشبثت دوما بالوضوح والانسجام ولم تدعم أبدا الأطروحات الانفصالية حتى في الجزائر التي تسخّر إمكانيات وموارد ضخمة سعيا لضرب الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

وقال مراقبون جزائريون إن تركيز السلطة والإعلام الحليف لها والأحزاب التي تدور في فلكها على التصريح المغربي بشأن انفصال القبائل يهدف إلى التغطية على الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد في الفترة الأخيرة والتي تهدد بعودة الحراك الشعبي بأكثر قوة.

وأشار هؤلاء إلى أن النظام في الجزائر سيجد في ما يعتبره تحريضا مغربيا فرصة للضغط على سكان منطقة القبائل واتهامهم بالعمالة للخارج وتهديد وحدة الدولة للتغطية على حقيقة أن الانفصال مطلب شعبي في المنطقة، وقد تحول إلى مشروع عملي بميلاد حركة “استقلال القبائل” المعروفة بـ”ماك” في العام 2007 بمحافظة تيزي وزو من طرف عناصر بربرية راديكالية يتزعمهم فرحات مهني.

وإذ ظلت السلطة تتجاهل حركة “ماك” إلا أن نشاطها في المنطقة صار محل قلق رسمي في البلاد، خاصة منذ اندلاع احتجاجات الحراك الشعبي في 2019 فأدرجتها كحركة إرهابية.

وإن تأخر ميلاد “ماك” إلى غاية العام 2007، إلا أن بوادر الفكر الانفصالي لدى راديكاليين بربر بدأت تطفو إلى السطح مع مطلع الألفية الجديدة، خاصة بعد أحداث الربيع الأسود 2001، الذي راح ضحيته 121 مواطنا في المنطقة إلى جانب العشرات من المصابين بسبب المواجهات التي اندلعت حينها بين السكان وعناصر الأمن.

وتفرعت الحركة عن “الحركة الثقافية البربرية” التي رفعت مطالب ثقافية ولغوية في ثمانينات القرن الماضي، ونظمت مظاهرات واحتجاجات مناوئة للسلطة، ومع تراجع بريق الأخيرة بعد التنازلات التي قدمتها السلطة للقضية الأمازيغية من خلال الاعتراف برأس السنة الأمازيغية كيوم وطني، فإن “ماك” نزعت نحو المزيد من التطرف والراديكالية.

ويعتبر المؤسس فرحات مهني واحدا من الرعيل البربري الذي ناضل من أجل القضية الأمازيغية، وقد بحث لها عن الاعتراف الخارجي.

ورغم القلق من صعود الدعوات إلى الانفصال إلا أن السلطات تعتبر أنه مشروع ميت ويفتقد لأدنى مقومات ميلاد دولة أو إقليم مستقل، لاعتبارات استراتيجية وجغرافية وبشرية، لأن المحافظات التي يعينها في مشروعه (تيزي وزو، بجاية، البويرة، بومرداس) تقع في نطاق بري ضيق محاصر بالمحافظات الأخرى.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: