ماهي نقط التفاوت والتقاطع بين الشرطة والصحافة؟وإلى أي حد يجوز الحديث عن علاقة بين الطرفين؟

لم يعد الأمن في المجتمع المعاصر قاصراً على ما تبذله الشرطة من جهود وإجراءات، بل باتت الحاجة ماسة إلى تضافر جهود مختلف هيئاتالمجتمع لترسيخ القاعدة الأمنية من خلال منع الجريمة وضبط الخارجين على القانون. وبذات الوقت، كانت ثورة الاتصالات في العالم قدأعطت قوة وتأثيراً عظيمين لأجهزة الإعلام التي قرّبت المسافات ودخلت كل بيت وحولت العالم إلى قرية صغيرة، وأصبحت وسائل الإعلام بمختلف أنواعها تمارس أدواراً خطيرة في قيادة المجتمع وتوجيهه وتثقيفه. وقد تعدَّدَت البحوث والدراسات عن دور وسائل الإعلام في توجيه النشء وتعزيز القيم الإيجابية بين أبناء المجتمع، وكان لموضوع الصلة بين الإعلام وأجهزة الشرطة، وتأثير تناول الإعلام لموضوعات الجريمة والانحراف، سَبَقُ الدراسة والاهتمام مع التطور الحاصل في مجال تناول الإعلام لأخبار الجريمة والمجرمين وازدياد المساحات المخصصة لأخبار الجريمة والشرطة في مختلف وسائل الإعلام، نظراً لما تتميَّز به تلك الأخبار من عناصر إثارة وتشويق، وأظهرت دراسات عديدة أن أنباء الجريمة تتقدم الموضوعات التي يهتم الجمهور بقراءتها ومتابعتها.

اختلاف في الفلسفة والرؤى

لقد أدّى اختلاف فلسفة ورؤى كل من جهتي الإعلام والشرطة في النظر إلى أنباء الجريمة وأسلوب وكيفية معالجتها إعلامياً، في كثير منالمواقف إلى النزاع بينهما، كما أدى في بعض المواقف الأخرى إلى التأثير السلبي على سير الإجراءات القضائية. ومع الإقرار بما تقدم،فإن الخدمات الجليلة التي تؤديها وسائل الإعلام، بمختلف أنواعها، والصحافة بصورة خاصة، في مجالات تعزيز الأمن وسيادة القانون تحتم على رجال الشرطة ضرورة التوصل إلى صيغ مناسبة لما يجب أن تكون عليه العلاقة الحميمة الطيبة بين الإعلام والشرطة في تناول موضوع الجريمة والقضايا التي تخص الشرطة إعلامياً. ولا شك في أنَّ علاقة الشرطة بوسائل الإعلام ينبغي أن تقوم على عدد من المبادئ التي تتضمن المزيد من مجالات وفرص الفهم المشترك والتعاون الوثيق بين الطرفين من أجل خلق رأي عام مستنير، وواع، بصدد نشاطالشرطة ودورها في المجتمع من ناحية، وتعزيز الجهود الرامية لمكافحة الجريمة وإقرار الأمن والنظام من جهة أخرى. ورغم ان تاريخ العلاقة بين الصحافة و الشرطة قديم قدم الصحافة نفسها، لكن الحقائق التاريخية تؤكد أن الشرطة هي أقدم من الصحافة. فمن المعلوم أن جزءاًمهماً من اهتمامات الصحافة في شتى أنحاء العالم هو معرفة ما يجري داخل المجتمع، والحوادث التي تقع، والإجراءات المتخذة لكشفها. وفي المقابل، فإن أجهزة الشرطة والعدالة الجنائية إعتبرت ذلك تدخلاً في واجباتها وعرقلة لمهماتها، لذلك سعت إلى تضييق نطاق تدخلالصحافة ووسائل الإعلام في مهامها الروتينية وحجب المعلومات عنها، إلا بالقدر الذي ترتأيه الشرطة لا يضّر بإجراءات التحقيق، مما جعلالصحافة، وهي تعتبر نفسها ممثلة للرأي العام، تُعارض هذه السياسات التي تتناقض من وجهة نظرها من حق مكتسب للجمهور هو الحقفي معرفة مايجري Peoples’ right to know ، فبقيت العلاقة متوترة بين الصحافة والشرطة وخاصة في الدول الأوربية والأمريكية حيثنشأت الصحافة، فقد برز تنازع في الأهداف والغايات فالصحافة تسعى لكشف الحقائق ومعرفة ما يجري وأعلام الجمهور في إطار السبقالصحفي والتنافس الإعلامي، في حين أن الشرطة اعتبرت ذلك تدخلاً في إجراءاتها وإفساداً لخططها. وتبرز على الدوام جدليتان الأولىحاجة الشرطة للإعلام كجسر للتواصل مع الجمهور في كسب تعاونهم للتصدي إلى الجريمة وكسب تعاونهم في مكافحة الجريمة، والأخرىهي حاجة الشرطة إلى تحسين صورتها أمام الجمهور وكسب ثقة المواطنين ومحبتهم.

حاجة الإعلام إلى الشرطة

أما من طرف وسائل الإعلام، والصحافة خاصة، فقدت وجدت نفسها بحاجة أكيدة وماسة إلى الشرطة، لأن القضايا التي تتعامل بها الشرطة تهم أوسع شرائح المجتمع، مما يجعل المادة الصحفية ذات الصلة بالشرطة هي الأكثر إثارة وتشويقاً وشداً للقارئ إلى الصحيفة. حيثيتهافت الناس في كل العالم على قراءة أخبار الحوادث نظراً لما تتميز به من إثارة وتشويق.. لذا، فمع تطور الزمن، وجدت المؤسستان الشرطةوالصحافة إن اهتماماتهما وأسلوب الطرح والعرض يثير صراعاً، لكنهما مع ذلك وجدا مجالات للتعاون مع اختلاف الغايات والمقاصد لكلمنهما، هذا الاختلاف أدى إلى اختلاف في الرؤى والمبررات وأسلوب العرض والتوقيت.

نواحي القصور من طرف الشرطة

في التعامل مع الإعلام

أظهرت دراسات عديدة ذات صلة بالعلاقة بين الشرطة والإعلام أن هناك بعض نواحي القصور من طرف الشرطة في تعاملها مع الإعلاممنها

1 ــ إن العديد من رجال الشرطة أساساً غير مدربين تدريباً كافياً على الاتصال الجيد بالصحافة ووسائل الإعلام و يجهلون قانون الصحافة و من هو الصحفي المهني و من هو المنتحل للصفة .

2 ــ إن بعض رجال الشرطة تنقصهم دورات تدريبية للتعامل مع الصحفي المهني و الوعي برسالة وسائل الإعلام والصحافة وطبيعة عملها وأسبقياتها.

3 ــ يميل بعض رجال الشرطة إلى فرض رقابة على الصحفيين المهنيين و التعامل مع المنتحلين للصفة و أصحاب الصفحات الفايسبوكية الذين يطبلون ليل نهار للأمن متناسين حق الجمهور في معرفة الحقائق.

4 ــ رجال الشرطة غالباً ما يضيقون ذرعاً بالنقد ولديهم حساسية تجاهه، ولا يطيقون تناول الصحافة ووسائل الإعلام لنواحي القصور والخلل المنسوب إليهم.

5 أغلبية رجال الشرطة يجهلون الوثائق الضرورية التي يجب على الصحافي المهني أن يتوفر عليها لممارسة عمله و عدم التضييق عليه وضياع وقته .

6 ـ تقتنع الشرطة أحياناً ببعض الصحف الموالية وتميل لتزويدها بالأخبار بينما تحجبها عن أخرى. إن اختلاف فلسفة ورؤية كل من رجل الإعلام ورجل الشرطة في النظر إلى موضوع أخبار الجريمة وأسلوب معالجتها إعلامياً، قد أدى في كثير من المواقف إلى أنواع من الصراع وسوء الفهم وأحياناً أدى إلى الإساءة لسير التحقيقات الجارية. حق الجمهور في الإطلاع على المعلومات The right of public to know

إن أهم مهمات الإعلام هي إطلاع الجمهور على الحقائق والمعلومات من خلال الأخبار ، وهذه الأخبار تتضمن فعاليات ونشاطات وحوادث مختلفة، منها أخبار عن الجريمة و حوادث المرور و الكوارث و الحوادث المهمة وغيرها، وكذلك أخبار ونشاطات الشرطة، لذلك فإن الشرطة تشكل مصدراً خبرياً مهماً للإعلام مما يجعلها موضع اهتمام الإعلام فالصحافيون ورجال الإعلام يرغبون الحصول على المعلومات مباشرةمن مواقعها أو من الشهود أو الضحايا ولا يكتفون بالبيانات الصحفية التي تدلي بها أجهزة إعلام الشرطة أو دوائر العلاقات العامة، وإنهذه الرغبة الصحفية الإعلامية تتعرض أو تلقى التحفظ والاعتراض من لدن الشرطة لأن هذا يسبب فضح Disclosure ويسبب مشكلاتومصاعب عديدة لعمل الشرطة، ويسيء إلى سير الإجراءات القضائية.كما أن ثمة موضوع آخر يهم الصحافة ألا وهو القيمة الخبرية للحدثNewsworthiness أو ما يطلق عليه السبق الصحفي، فالصحافة تميل إلى الخبر المثير الذي يستحق أسبقية النشر ولذلك فهي غير معنية من وجهة النظر المحترفة بعلاقة الإدارة بالمواطنين والصحافة تجد نفسها في التزام معنوي أمام المواطنين أن لا تنحاز إلى جهاز الشرطة لكيلا تفقد مصداقيتها أمام الناس انطلاقاً من كونها بحاجة إلى كسب القراء والحصول على أكبر قدر من الانتشار، في حين أن الشرطة تعارض بشدة أسلوب الفضائح والتشهير عكس الصحافة.

ثمة نقطة أخرى للخلاف بين الشرطة ومندوبي الإعلام هي موضوع ضغط السقف الزمني Pressure of deadlines حيث أن الصحفي ملتزم بسقف زمني محدد من الصحيفة لدفع المادة إلى المطبعة ولا يحتمل ذلك التأجيل لحين الحصول على التصريح من الشرطة.

أسلوب تعامل الصحافة مع أخبار سلوك وأخطاء الشرطة  مثل أي مؤسسة أخرى في المجتمع، فيها الصحيح وفيها الخطأ، وفيها من هوموظف مثالي مخلص، وقد يكون فيها من هو غير ذلك، وتناول الصحافة لأخبار سوء سلوك بعض عناصر الشرطة يثير تحفظ أجهزة الشرطة لأنه يسيء إلى سمعتها ويعرقل من السعي لتوثيق صلتها بالجمهور. كما إن هذه الأخبار تشكل مادة صحفية دسمة تستحق الإبراز والنشرمن وجهة نظر الإعلام. ويحاول بعض الإعلاميين أن يدافع عن وجهة نظر الإعلام في تناول أخبار الإساءات التي تحصل داخل الشرطة بأن هذا النشر او الفضح يسهم في الإصلاح والتقويم ويجعل الرأي العام يتفهم أن الشرطة هي جهاز مثل سائر الأجهزة الأخرى، وإنها مثل أي ماكنة تحتاج إلى الإدامة الدورية Periodic overhaul أي باختصار أن النشر يمكن أن يكون إيجابياً في التأثير.

فطالما أن الأهداف مشتركة فإن تعاون الطرفين وتحالفهما وتعاضدهما أمر ضروري لحماية أمن المجتمع، وإن الخطوات التالية مفيدة لتدعيم هذا التعاون والتعاضد

1 ــ أن تعمل الإدارة العامة للأمن الوطني على تكوين رجال الأمن على قانون الصحافة و الوثائق اللازمة لمزاولة الصحافي المهني لعمله مماسيسهل على الصحافي مأموريته و مضيعة الوقت في إنتظار الأوامر من الإستعلامات العامة

2- أن تُنمي الشرطة جوانب الثقة بينها وبين وسائل الإعلام من خلال المعلومات التي تقدمها.

3ــ أن تكون المعلومات التي تقدمها الشرطة وتتناولها وسائل الإعلام معلومات صادقة ومؤسسة على الحقائق الثابتة، ومن واقع البياناتالرسمية والسجلات.

4ــ توفير السبل الكفيلة بتمكين وسائل الإعلام من الاتصال الفوري المباشر بالشرطة في كل الأوقات.

5 ــ أن تحرص الشرطة على تكون المعلومات واضحة ومحددة وليست غامضة أو مبهمة.

5 ــ أن تلتزم الشرطة الحياد في التعامل مع كافة وسائل الإعلام دون تأثير واحدة على أخرى.

6 ــ أن تغادر الشرطة أسلوب لا تعليق لأن هذا التصريح يجمد جهود وسائل الإعلام.

وفي عالم متسارع الخطى في مجالات التقدم العلمي والتكنولوجي كان ميدان الاتصالات والإعلام أبرزها وأخطرها، لم يعد ممكناً أن تستمر حالة الافتراق والشك تسود وتحكم علاقة الشرطة بالإعلام.. بل لابد أن يسود الفهم المشترك لطبيعة عمل كل من المرفقين، فإذا أدركت الشرطة دور الإعلام في المجتمع وما تتطلبه العملية الإعلامية من أسبقيات ومتطلبات وشروط، وإذا ما أدركت وسائل الإعلام حقيقة عملالشرطة ومقتضيات المهنة وحدود المسموح قانوناً، فإن هذا الإدراك المشترك كفيل بتحويل الافتراق إلى اتفاق وتعاضد يخدم المجتمع وأمنالمجتمع.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: