الجزائر: تصدع في هرم السلطة تحت ضغط الاحتجاجات

يتساءل الملاحظون عما ستؤول إليه الأوضاع في الجزائر بعد مرور أكثر من خمسة أشهر عن اندلاع أقوى ثورة ضد النظام السياسي الجزائري منذ الاستقلال.

وإن بدا ما تبقى من النظام موحدا ومتماسكا في بداية الثورة بقيادة قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، ومنسجما مع وجه العسكر المدني المتمثل في الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح، فبإجهاض الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة يوم 4 يوليو الماضي ودخول البلد في فراغ دستوري بالتمديد لرئيس دولة استهلك كل شرعيته الدستورية بعد فوات كل الآجال الدستورية والقانونية، وخاصة بعد فشل مسرحية الحوار التي كان قايد صالح ينوي الضحك عبرها على الذين يتحدونه كل أسبوع، بدأت تظهر بعض التصدعات داخل الجماعة الحاكمة وأهمها التناقض الذي حصل بين رئيس الأركان ورئيس الدولة المؤقت.

عبدالقادر بن صالح رحب بفكرة الحوار التي يرددها رئيس الأركان في خطاباته منذ مدة، ولكن الكلمة لم تكن تحمل نفس المعنى لدى كل منهما.

فإن كان الأول يقصد بها الحوار من أجل تنظيم الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت ممكن، فبن صالح ذهب بعيدا حينما وعد من استقبلهم في لجنة الوساطة بطرح كل القضايا ومن بينها إطلاق سراح المعتقلين ورفع الحصار عن العاصمة يوم الجمعة وفتح المجال السياسي والإعلامي إلخ، وهو ما أثار غضب رئيس الأركان الذي رفض بشدة في خطابه ما جاء على لسان الرئيس نافيا إجراءات التهدئة التي وعد بها بن صالح من كانوا مستعدين للتفاوض من أجل إيجاد مخرج للأزمة.

فما الذي يحصل؟ وهل بدأ الشقاق بين قيادة الأركان ورئاسة الجمهورية؟ كأن رئيس الدولة المؤقت بن صالح بعد زيارته لمصر ومشاركة الفريق الوطني والجزائريين فرحتهم بالفوز بكأس أفريقيا لكرة القدم، وتمثيله للجزائر في مراسم تشييع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، قد شعر بأنه المسؤول الأول في الدولة الجزائرية، ومن هنا استعاد بعض هيبته.

فهل أن إقالته لوزير العدل واستبداله متجاوزا الدستور وصلاحياته هي رسالة لرئيس الأركان قايد صالح بوصفه نائب وزير الدفاع من جهة أخرى في الحكم يتكئ عليها بن صالح تقول له إنه هو أيضا قابل للتنحية؟

يبدو واضحا الآن على الأقل على مستوى خطاب الرجلين أن بن صالح أو الجهة التي تدعمه مع التهدئة، وقايد صالح مع المواجهة. ويمكن أن نتحدث اليوم عن وجود صقور وحمائم على هرم السلطة الفعلية في الجزائر. وأن ليس هناك سلطة بل أشخاص يسيطرون على مناصب. وأن من ورثوا السلطة بعد الإطاحة بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لم يكن لهم لا مشروع ولا خطة وكان منتظرا أن يختلفوا بعد استمرار المظاهرات.

ويبدو أن جناحا في السلطة قد أدرك أن من مصلحته أن يكون الحل عن طريق التفاوض من أجل إنجاز التغيير السلمي. وإن ما هو غير رسمي اليوم سيخرج إلى العلن رسميا في الأيام القادمة.

بكلمة أخرى يوجد اليوم اتجاه في المؤسسة العسكرية ينظر إلى أحمد قايد صالح على أنه حليف غير مباشر للثورة الشعبية، إذ أن موقفه المتشدد سيجذرها أكثر فأكثر، ويؤجج الغضب وهذا ليس في صالح القيادة العسكرية. ويذهب الكثير من المحللين إلى أن قائد الأركان قد أصبح يمثل ثقلا على القيادة العسكرية. فقائد الأركان ضد كل حل تفاوضي يفضي إلى نظام جديد ديمقراطي، ولم يهضم بعد أن الشعب يريد تغيير النظام الفاسد كليا. وهو على عكس ما يدعي لا يريد إجراء انتخابات قد تأتي برئيس لا علاقة له بالنظام السابق، خارج عن طاعته، وقد لا يتردد في محاسبة الجميع بعد تنصيبه بمن فيهم رئيس الأركان ذاته.

فهل تتولد عن هذا التصدع في أعلى هرم السلطة مرحلة انتقالية تضمن تغييرا ديمقراطيا سلميا أم هو بداية لمرحلة معقدة قد تؤدي بالبلد إلى الفوضى، وهو ما ينتظره الإسلاميون منذ أن أوقف الجيش الجزائري مشروعهم الجهنمي في بداية التسعينات من القرن الماضي؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: