اشتداد القبضة بين السلطة والحراك يضع الجزائر على حافة المجهول

أعلنت لجنة الحوار والوساطة في الجزائر، الأحد، “استحداث لجنة حكماء تتكون من الشخصيات والخبراء الذين وافقوا على الانضمام إلى الفريق”، ولجنة استشارية يستعين بها الفريق ولجانه المختلفة خلال أداء المهام. كما أكدت اللجنة “الشروع الفوري في تنظيم جولات الحوار مع كافة فعاليات المجتمع السياسية والمدنية والشخصيات الوطنية”.

وأكدت استعدادها التام لاستقبال مختلف فعاليات الحراك الشعبي على مستوى كل ولاية من ولايات الوطن.

وأشادت اللجنة بـ“مبادرات الحوار بمختلف توجهاتها وتركيباتها، والتي سبقت إنشاء الهيئة وكل ما انبثق عنها من أرضيات ومقترحات لحل الأزمة التي تعيشها البلاد”. وأكدت أن “كل تلك الأرضيات والمقترحات ستكون ورقة عمل أساسية سوف تسترشد بها الهيئة في إعداد وصياغة المسودة التي ستعكف على إعدادها بعد الاستماع لكل فعاليات المجتمع المدني في الأيام القادمة”.

وتسير الأوضاع السياسية في الجزائر نحو المزيد من الغموض والتعقيد في ظل حالة الانسداد السائدة في البلاد، لاسيما بعد قطع الرجل القوي في المؤسسة العسكرية الطريق أمام دعاة تهدئة الأجواء وإضفاء مناخ الثقة قبل الذهاب إلى حوار سياسي يفضي إلى انتخابات رئاسية في القريب العاجل.

ودعا المحتجون في الجمعة الأخيرة من عمر الحراك الشعبي، إلى تصعيد اللهجة ضد سلطة الأمر الواقع، والذهاب إلى عصيان مدني واضرابات شاملة، من أجل الضغط أكثر إلى غاية تحقيق المطالب السياسية المرفوعة منذ سبعة أشهر، وهو ما يعني أن المسيرات الاحتجاجية الأسبوعية لم تعد تجدي نفعا أمام تصميم السلطة على تنفيذ أجندتها. ووجه متظاهرون وناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي دعوات إلى تنظيم عصيان مدني مفتوح واضرابات شاملة في مختلف القطاعات الحساسة، إلى غاية إذعان السلطة للأمر الواقع، والإقرار بالذهاب إلى مفاوضات تفضي إلى التنحي عن السلطة تلبية للمطالب المرفوعة منذ عدة أشهر.

Thumbnail

وتوقع متابعون للشأن الجزائري سير البلاد نحو الانزلاق مع بداية الدخول الاجتماعي القادم، لمّا تنقضي فترة الإجازات السنوية وعودة طلبة الجامعات وتلاميذ المدارس إلى مقاعدهم، وتجدد نشاط النقابات، بشكل يعيد زخم وتأثير الحراك الشعبي على الشأن العام، بعدما دخل في فترة رمزية خلال أشهر الصيف، نظرا لعوامل مختلفة.

ورغم بدء عملية شيطنة العصيان المدني المفتوح من طرف الدوائر الموالية للسلطة والأذرع الإعلامية وجيشها الإلكتروني مباشرة بعد إعلان المحتجين في العاصمة وعدد من مدن ومحافظات البلاد التوجه نحو العصيان المدني، إلا أن الحراك الشعبي لا يزال قادرا على إدارة لعبة القبضة الحديدية مع السلطة والاستعداد لمزيد تشديدها خلال الأسابيع القادمة. ووجه المتظاهرون انتقادات شديدة ورسائل قوية للرجل القوي في المؤسسة العسكرية الجنرال أحمد قايد صالح بعد الانقلاب على مواقفه السابقة وتشدده تجاه مطالب التهدئة، رغم تعبير رئيس الدولة المؤقت عبدالقادر بن صالح عن استعداده لتنفيذها تلبية لمطالب لجنة الحوار والوساطة.

وكان الجنرال أحمد قايد صالح قد اعتبر، في تصريحه الأخير، أن “إطلاق سراح سجناء الرأي هو إحدى أفكار العصابة” في إشارة إلى رموز نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، المسجونة في الحراش والبليدة. كما قال قائد أركان الجيش إن “الحوار يجب أن يتم من دون شروط مسبقة وينصب على ملف واحد هو الانتخابات الرئاسية”.

وشكل موقف قايد صالح انتكاسة للمتفائلين بحلحلة الأزمة السياسية في البلاد، حيث لم يتأخر عضو اللجنة والخبير الاقتصادي إسماعيل لالماس عن تقديم استقالته احتجاجا على نكوص السلطة عن التزاماتها. وأعقبت استقالة لالماس استقالة أخرى من قبل الناشط عزالدين بن عيسى، ما أفقد اللجنة مصداقيتها قبل مباشرة عملها.

وكان منسق اللجنة كريم يونس قد هدد بتقديم استقالته هو الآخر إذا لم تلتزم السلطة بالتعهدات التي أطلقها رئيس الدولة المؤقت، لكنه تراجع في آخر المطاف بعد “إقناع بقية الأعضاء له بالبقاء في منصبه”.

لكن مصادر مطلعة أكدت أن يونس الذي كان في السابق رئيسا للبرلمان الجزائري يدخل شخصيا في مخطط لتأهيل أحد الخيارات المطروحة لدى سلطة الأمر الواقع لتقديمه في الاستحقاق الرئاسي ليكون مرشحه، وهو رئيس حزب طلائع الحريات علي بن فليس على اعتبار أن يونس كان يمثل الذراع اليمنى لبن فليس في الصراع الذي خاضه في العام 2004 ضد الرئيس السابق بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية.

Thumbnail

وكان يونس قد قدم استقالته من منصبه في رئاسة البرلمان عام 2004 ومن عضوية حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم آنذاك وبرر موقفه حينها بأنه “لا يستطيع العمل مع شخص نافسه في الانتخابات (والمقصود بوتفليقة)، ولا البقاء في حزب افتك من جناح مرشحه بن فليس، في إطار ما عرف آنذاك بـ”عدالة الليل” التي أعطت شرعية قيادة الحزب للجناح الموالي لبوتفليقة وسحبتها من بن فليس.

وتتخوف الحكومة من خيار العصيان المدني نظرا لتأثيره على أداء الخزينة العمومية المتأثرة بتقلص عائدات النفط، حيث اضطرت إلى تمديد مهلة أداء البعض من المعاملات الضريبية على المواطنين والمؤسسات إلى أسابيع وأشهر أخرى.

ولاحظت تقارير حكومية داخلية عزوفا على دفع الضريبة السنوية على المركبات وعدم التزام المؤسسات الخاصة بإسداء ضرائبها السنوية، وحتى الاحجام عن دفع مستحقات الكهرباء والماء في بعض المناطق.

وعرفت بداية الحراك الشعبي في البلاد نوعا من العصيان المدني مع إضرابات قطاعات حساسة كالنفط والإدارات والخدمات البنكية، وتسببت في ارباك أداء الحكومة آنذاك.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: