اعتراف بريطانيا بسيادة المغرب على صحرائه يساوي شراكة متينة

ماموني

ليس من الصعب تقدير مدى تغير العالم في السنوات الفاصلة سياسيا واقتصاديا ومناخيا وأمنيا، الكل يرى أنه يجب على بريطانيا أن ترسم مسارًا جديدا في علاقتها مع المغرب ومن خلاله بأفريقيا، كل هذا دفع 30 نائبا بريطانيا من حزبي العمال والمحافظين معا إلى رفع رسالة إلى ديفيد كاميرون، وزير الخارجية، تطالب من المملكة المتحدة الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، والمُضي قدما في تقديم دعم استباقي لمخطط الحكم الذاتي المغربي في الصحراء وهو ما يمثل فرصة حاسمة للتأثير الإيجابي والمنفعة المتبادلة.

النظرة الواقعية وغير المترددة والاستشرافية لطيف واسع من المسؤولين والإستراتيجيين البريطانيين، ترى أن المغرب يحتل مكانة بارزة بين هذه الدول الشريكة، فهو حليف إستراتيجي كبير في شمال أفريقيا، وله قيم ووجهات نظر مشتركة حاسمة لكلا البلدين، وهم لا ينظرون إلى العلاقات مع المملكة المغربية في إطارها الضيق المجتزأ من السياقات الدولية، فهؤلاء إلى جانب النواب يعرفون أن المغرب منخرط بفعالية وجدية ويقظة في الاستقرار وتقويض خطط الجماعات الإرهابية والمنظمات التي تتاجر بالبشر والمخدرات وغيرها، ولهذا أشارت الرسالة إلى انتشار الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط والساحل والصحراء بشكل مكثف، ما أتاح الفرصة للميليشيات المعادية لتوسيع نطاق نفوذها الأيديولوجي، ونفوذها خارج حدودها.

◄ منذ العام 2012 دعا العاهل المغربي، إلى الاهتمام بنموذج تنموي جهوي مندمج ومضبوط، يطبق على أوسع نطاق وبشكل خاص بالأقاليم الجنوبية، لرفع مختلف التحديات التي تواجهها المنطقة

النواب لهم مكانتهم ووزنهم داخل هياكل الدولة ورسالتهم الموجهة إلى رئيس الحكومة بمثابة توصية سياسية مستعجلة، هم نواب بخلفيات واهتمامات متعددة كالبرلماني المحافظ، هوغو سوير، وزير الدولة في الخارجية ما بين 2012 و2016 والسير ليام فوكس، وزير الدولة الأسبق المكلف بالدفاع، ينتميان معا لحزب المحافظين الحاكم، والسير براندون لويس، الذي كان وزيرا مكلفا بالعدل وبشؤون أيرلندا الشمالية وللهجرة، وكاتبا للدولة مكلفا بشؤون الأمن، وكان كذلك المسؤول الحكومي عن مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، خلال الفترة ما بين يوليو 2019 وفبراير 2020، ووكيل وزارة الخارجية السابق المكلف بأميركا الشمالية والسياسات القنصلية، رحمان شيشتي.

هؤلاء المسؤولون عن صنع السياسة في بلدهم، مطلعون جيدا على توجه المغرب الإستراتيجي الذي ربط تحالفاته مع الأصدقاء وغيرهم بمدى احترامهم لسيادته غير القابلة للمساومة على أرضه وجغرافيته، من طنجة شمالا إلى الكويرة جنوبا، من البحر إلى البر وما فوقهما من جو مسائل غير قابلة للتفاوض، باعتبارها محددة لسياسة المملكة الخارجية، ومعيارا محددا للعلاقات وتطوير الفرص الاقتصادية والاستثمارية الكبرى معها.

بريطانيا الآن في مرحلة تقييم لموقفها وما الرسالة إلا تعبير عن نضج القرار، ويحتاج فقط إلى توقيت مناسب بعد تسطير خطوط حمراء لا يتجاوزها هؤلاء البرلمانيون، الذين لم يستوعبوا بعد أن الصحراء مغربية، وأن إصرارهم على الوقوف إلى جانب انفصاليي بوليساريو ومن يدعمهم، هو وقوف خارج عتبة التاريخ وعدم مواكبة حركته التي لا تنتظر المترددين، وليكن الموقفان الأميركي والإسباني نبراسا لهؤلاء. والمغرب وضع خطوطه الحمراء، بعد خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب، بتاريخ 20 أغسطس 2022، عندما قال إن “ملف الصحراء هو النظّارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”.

يبدو أن صناع السياسات داخل هياكل الدولة البريطانية استوعبوا ما يعنيه المغرب، لهذا اعترف البرلمانيون أن لديهم الفرصة اليوم لتبني نهج واقعي وعملي، ومن الضروري أن تدرك قيادتهم أن اتباع النموذج الذي رسمه حلفاؤهم الرئيسيون هو بالفعل مسار العمل الصحيح، كما أن البقاء على الحياد ومحاولة التوصل إلى حلول بديلة لن يؤديا إلّا إلى إدامة الوضع الراهن الضار الذي يعرض أمن المنطقة للخطر.

تتمتع منطقة الصحراء بالقدرة على تعزيز فرص الطاقة بشكل كبير، وتأمين سلاسل التوريد، وتمكين الوصول إلى أسواق جديدة. واليوم يسلط تطوير البنية التحتية الإستراتيجية، مثل ميناء الداخلة المثير للإعجاب، الضوء على الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للمنطقة. ولا تُظهر هذه التطورات التقدم المستدام فحسب، بل تجعل أيضًا من المنطقة مركزا للابتكار والتعاون الدولي في أفريقيا. ولتحقيق هذه الإمكانية بشكل كامل يتطلب الأمر دعمًا ماليا. وذلك وفق ما ورد في الرسالة.

◄ النظرة الواقعية وغير المترددة والاستشرافية لطيف واسع من المسؤولين والإستراتيجيين البريطانيين، ترى أن المغرب يحتل مكانة بارزة بين هذه الدول الشريكة، فهو حليف إستراتيجي كبير في شمال أفريقيا،

النواب البريطانيون لم يطالبوا بدعم مطلبهم من فراغ بل عن سابق معرفة بالمنطقة وأهلها وتاريخها وتشابكاتها الدينية والاجتماعية والثقافية وغيرها، فهم يقولون إننا اكتسبنا منظورا متعدد الأوجه حول تحديات المنطقة وآفاقها؛ وبذلك فقد تعزز الاقتناع بأن المملكة المتحدة يجب أن تقدم دعما استباقيا لخطة الحكم الذاتي المغربية، إذ أن مثل هذا الدعم يتماشى مع المبادئ والالتزامات الدولية، ولن يؤثر على الموقف في بريطانيا، وأقاليم ما وراء البحار، ويمكن أن يساهم في نهاية المطاف في إحلال السلام في هذه المنطقة الحيوية.

معلوم أن الصحراء هي بوابة أفريقيا والذهاب في طريق دعم سيادة المغرب على تلك المنطقة، يفتح الطريق اقتصاديا أمام المملكة المتحدة للاستفادة من ديناميكية الاقتصادات الأفريقية، والابتكارات التكنولوجية، وتحدي تغير المناخ، من خلال المشاركة الإستراتيجية الأقوى مع المغرب وأفريقيا والتي تشكل ضرورة أساسية للندن، الآن أكثر من أي وقت مضى، وهو ما جعل النواب البريطانيين يذكرون قيادة بلدهم، أنه بدعم واسع النطاق من الحلفاء الغربيين وأكثر من 80 دولة في مختلف أنحاء العالم، تمت الإشادة بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها المسار الأكثر عملية وواقعية نحو الاستقرار، مع الذهاب في اتجاه تعزيز انخراط المغرب الاستباقي في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

البريطانيون يعلمون ما تشكله الأقاليم الجنوبية للملكة كفضاء اقتصادي يزخر بمؤهلات كبيرة للنمو، فمنذ العام 2012 دعا العاهل المغربي، إلى الاهتمام بنموذج تنموي جهوي مندمج ومضبوط، يطبق على أوسع نطاق وبشكل خاص بالأقاليم الجنوبية، لرفع مختلف التحديات التي تواجهها المنطقة، وإقامة منظومة اقتصادية محفزة للنمو وخلق الثروات، وفرص العمل، فأضحت تلك الأقاليم من بين الجهات الأكثر تجهيزا وتمتلك بنية تحتية متطورة ومؤشرات اجتماعية مرتفعة.

قريبا يتوجه الناخبون في المملكة المتحدة إلى صناديق الاقتراع لاختيار الحزب الذي سيقود المرحلة، والجميع يدرك أن التوجه الاقتصادي والسياسي للمملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي ليس مقتصرا على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأن طموحها يجب أن يتعدى ذلك ويهدف إلى توسيع علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدول الأفريقية، لهذا تحتاج إلى حسم موقفها والتحلي بالمرونة السياسية في علاقاتها مع المملكة المغربية، والانتقال إلى خطوة استباقية في اتجاه الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: