الجزائر تتخوف من عزلها بسبب مشروع ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي

قدّمت المخابرات الجزائرية إلى هيئة الأركان العامة للجيش الجزائري وإلى مجلس الرئاسة  تقريرا أمنيا طويلا حول السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة الدبلوماسية والسياسية التي تواجهها الجزائر في مالي منذ ديسمبر الماضي، وسط تحذيرات للقادة الجزائريين من تداعيات التقارب بين مالي والمغرب.

حذّر تقرير مخابراتي جزائري من تأثير التقارب بين مالي والمغرب، وفق ما جاء في صحيفة “مغرب أنتلجنس”، مؤكدا أن مشروع ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر الصحراء المغربية الذي تم عرضه مؤخرا على بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد، يشكل تهديدا كبيرا لمصالح الجزائر وعاملا قاتلا سوف يزيد من عزلة الجزائر في منطقة الساحل.

وإذا تمّ تنفيذ هذا المشروع، والذي اعتبره التقرير الجزائري ممكنا، فإن المغرب سيأخذ السبق وسيضع نفسه بشكل نهائي كلاعب مؤثر أساسي في مالي كما هو الحال في النيجر، البلدين الحدوديين مع الجزائر.

وتم التوقيع على اتفاق بين دول الساحل والمغرب، بتاريخ 23 ديسمبر الماضي في مؤتمر مراكش، كخطوة أولية نحو تحقيق المبادرة، حيث أكد ‏الوزراء الممثلون لبوركينا فاسو، مالي، النيجر، وتشاد، التزامهم بالمبادرة الملكية التي أطلقها الملك محمد السادس لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، فيما شدد ‏وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في كلمة له، على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الساحل، مشيرًا إلى الرابطة العميقة بين المغرب ودول الساحل بالاستشهاد بمقولة مونين: “لأنه أنتم نحن ونحن أنتم”، مؤكدًا أن التحديات التي تواجه الساحل هي تحديات للمغرب أيضا.

 

محمد الطيار:المغرب يعمل على استتباب الأمن والاستقرار على عدة واجهات

ومن المنتظر أن تقلل المبادرة الملكية من أجل الفضاء الأطلسي، التي أعلن عنها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء في نوفمبر الماضي، من تكلفة النقل البحري، وهو عامل حاسم لتحسين التنافسية الاقتصادية لبلدان المنطقة، كما سيعزز الوصول إلى الأسواق الدولية نمو الدول الأربع المجاورة التي ليس لها منفذ على البحر، للولوج إلى البنيات التحتية، من طرقات وموانئ للمملكة، وتحسين سوق الشغل في هذه الدول.

ويعتقد محمد الطيار، خبير وباحث في الدّراسات الإستراتيجية والأمنية، أن “الجزائر تعارض أي تقارب بين المملكة ودول الساحل والصحراء خصوصا مالي لأسباب عدائية، كما أنها لا تلامس حقيقة المشروع المغربي الذي يخدم دول المنطقة ككل، وتعالج اقتصاديا وتنمويا واجتماعيا المعضلة الأمنية في دول الساحل الأفريقي التي تعيش على إيقاع تهديدات متنوعة عابرة للحدود، والمرتبطة أساسا بالجريمة المنظمة والإرهاب، وهو عامل إضافي لعزلة هذا النظام نتيجة سياسته العدائية وغير المتوازنة”.

وأكد أن “المغرب يعمل على استتباب الأمن والسّلم والاستقرار على عدة واجهات، حيث زار الملك محمد السّادس في 2013 مالي وألقى خطابا بمناسبة تنصيب رئيس جديد للبلاد، وفي عام 2014 زار العاهل المغربي تلك المناطق بغرب أفريقيا، إيمانا من المغرب بأهمية أمن المنطقة، لأن من مصلحة المغرب بناء هذا الاستقرار والسّلم في المنطقة، عكس النظام الجزائري الذي أشرف طيلة عقود على مبادرات السلم والمصالحة بين الحكومة المالية والمجموعات الأزوادية، دون أن تكون له نتيجة تذكر على استقرار المنطقة”.

ولفت الطيار إلى أن “هذه التخوفات التي جاءت في التقرير تعكس موقف جزائري عام من أي مبادرة لا تخدم مصالحها المعارضة بالضرورة لوحدة واستقرار المملكة”، موضّحا أنه “سبق لها عدم الترحيب بإنشاء مجموعة الدول الخمس، وقامت الجزائر سنة 2016 بتعليق تعاونها العسكري مع نواكشوط، كما امتنعت عن المشاركة في قمة باريس التي انعقدت خلال شهر ديسمبر من سنة 2017 حول منطقة الساحل”.

وارتباطا برؤية الملك محمد السادس طويلة المدى من أجل قارة مزدهرة تتمتع بالاستقرار والتنمية المشتركة، اعتبر الطّيار، أن “ما لم تستوعبه الجزائر وتخشاه بجدية هو أن هذه المبادرة تعتبر من بين الإجراءات التي يقوم بها المغرب ذات الطابع الإستراتيجي والتي تخدم الجانب الأمني والديني، في علاقته بجميع الطوارق والإثنيات المتواجدة في المنطقة، حيث يقوم المغرب بدور كبير في الشقّ الاقتصادي عبر تشجيع الاستثمارات، ضمن مجهودات مهمّة في هذه المناطق بدول السّاحل، إلى جانب تأسيس لجن للتقلبات المناخية، بحكم أن منطقة السّاحل التي تعرف وضعية طبيعية صعبة نتيجة الجفاف والتصحر”.

وذكر التقرير، أن المخابرات الجزائرية تشدد على ضرورة إيجاد حلول سريعة وفعالة لمعالجة التوترات التي تقوض علاقات الجزائر مع مالي على وجه الخصوص، وأيضا مع النيجر في إطار سياق آخر، معتبرة أن “تعزيز نفوذ المغرب في مالي والنيجر أو وجود لوبي مغربي قوي في منطقة الساحل سيسبب ضررا كبيرا للجزائر”.

وبعيدًا عن المقاربة العسكرية والأمنية تم تعزيز العلاقات بين المغرب ودول الساحل بدأت منذ تولي الملك محمد السادس الحكم، إذ قام بزيارات رسمية إلى دول المنطقة، وأشرف على توقيع العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي والتقني.

وأكد الملك محمد السادس في خطاب المسيرة الأخير، على أن “المشاكل والصعوبات، التي تواجه دول منطقة الساحل الشقيقة، لن يتم حلها بالأبعاد الأمنية والعسكرية فقط؛ بل باعتماد مقاربة تقوم على التعاون والتنمية المشتركة، كما شدد العاهل المغربي على أن نجاح هذه المبادرة يبقى مرتبطا بتأهيل البنية التحتية لدول الساحل، والعمل على ربطها بشبكات النقل والتواصل بمحيطها الإقليمي.

وبالعودة إلى ما ذكرته صحيفة “مغرب أنتلجنس”، فقد أكد التقرير أن “الجزائر ستجد نفسها مضطرة إلى إدارة وتحمل مسؤولية السيطرة على الجماعات المسلحة الطوارق المتمردة التي لن تكون قادرة على التنافس عسكريًا مع دول مالي والنيجر بفضل الدخل الاقتصادي المحتمل الذي سيتم الحصول عليه من خلال التعاون الاقتصادي مع المغرب”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: