تبون يثبّت أركان حكمه بتعزيز صلاحيات المحيطين به في قصر المرادية

أعلنت الرئاسة الجزائرية عن تعديل جديد تعلق بالتعداد البشري والمهام في فريق المستشارين، حيث تم عزل البعض وتثبيت آخرين بمهام وصلاحيات موسّعة، تؤشر إلى أن الرئيس عبدالمجيد تبون بصدد تثبيت أركان حكمه، حتى ولو أثار ذلك شكوكا حول عودة القوة غير الدستورية التي هيمنت على السلطة خلال الحقبة الماضية، خاصة وأن دستور البلاد لا يقر بهيئات من هذا النوع.

وقام الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون بتنصيب فريق من المستشارين في مناصبهم، بينما تم الاستغناء عن آخرين، وهي خطوة تمهد إلى مرحلة جديدة من توزيع ومأسسة الدولة، خاصة وأن المسألة ظلت تسير في الظل خلال حقب الرؤساء السابقين، في حين أخذت طابعا صريحا وعلنيا بإصدار مرسوم وبيانات رسمية تحت غطاء تنظيم مصالح رئاسة الجمهورية.

ويبدو أن الرئيس تبون بصدد تعزيز وتثبيت رجالات الثقة داخل قصر الرئاسة، فضلا عن توسيع مهامهم وصلاحياتهم، حتى ولو كان على حساب المؤسسات التقليدية، فيما يتعلق بأدوار التنفيذ والرقابة، خاصة وأن علاقة هؤلاء يبدو أنها ستتوسع وتمتد لتشمل قنوات خارج مؤسسة الرئاسة، بعدما جرى التقليد خلال الحقب الماضية ألا تتعدى أسوارها.

واستحوذ رجل الظل الجديد في قصر المرادية بوعلام بوعلام على أدوار ومهام جديدة تتمثل في العلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والتأهيلات، وهي المهام التي كانت تقع ضمن صلاحيات المؤسسات الأمنية والاستعلامات، حيث صار من يوصف بـ”الرجل الثاني في قصر الرئاسة” صاحب القرار المخوّل بالحسم في قضايا التحقيق والتأهيل.

ومنذ التحاقه بقصر المرادية كمستشار للرئيس تبون، الذي تربطه به علاقات شخصية ومناطقية منذ سنوات، شغل بوعلام بوعلام، منصب المستشار القانوني والقضائي، واستطاع في ظرف وجيز أن يفرض وزنه داخل المؤسسة ويقدم دعما قويا للرئيس تبون، مستفيدا في ذلك من خبرته السابقة في إدارة شؤون مصلحة التصنت الواقعة تحت وصاية الرئاسة، والتي حاز عليها خلال حقبة الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، حين انتزع المؤسسة من جهاز الاستخبارات ووضعها تحت سلطة القضاء.

ويسود الاعتقاد لدى الدوائر السياسية بالجزائر أن خطوة الرئيس تبون، خاصة فيما يتصل بدور ومهام رجل ثقته الأول بوعلام بوعلام، هو تحييد مسألة التحقيقات القضائية والأمنية عن التجاذبات وتصفية الحسابات السياسية التي استهدفت في بعض الأحيان مؤسسة الرئاسة نفسها، حيث كانت التقارير النهائية تخضع للأمزجة ولمصالح ضيقة وتصفية الحسابات بين الأجنحة المتصارعة.

 

رجل الظل الجديد في قصر المرادية بوعلام بوعلام يستحوذ على أدوار ومهام تتمثل في العلاقات مع المؤسسات

ومع تثبيت الرئيس تبون لتسعة مستشارين في الرئاسة، أغلبهم كانوا ضمن الفريق العامل منذ انتخابه رئيسا للبلاد نهاية العام 2019، فإنه استغنى عن خمسة آخرين، بعضهم لم يكن ذا أهمية في صناعة وتوجيه القرار الرئاسي، فإن اللافت هو إعادة توزيع المهام والصلاحيات بين رجالات الثقة لديه.

وظلت مؤسسة الرئاسة خلال حقب الرؤساء السابقين للجزائر تشتغل بعيدا عن الأضواء وينحصر دورها داخل أروقة المؤسسة، فحتى الرجل القوي في حقبة الرئيس بوتفليقة، سعيد بوتفليقة، ظل متخفيا عن الأنظار والأضواء الإعلامية، ولم يحظ بأيّ مرسوم رئاسي خاص به، رغم أنه ظل يعتبر صاحب القرار الفعلي في قصر المرادية، خاصة منذ المتاعب الصحية التي ألمت بالرئيس المنتخب منذ العام 2013.

ومع ذلك تصاعدت أصوات سياسية ناقدة خلال تلك المرحلة، بدأها آنذاك حزب طلائع الحريات الذي انتقد بشدة ما وصفه بـ”اختطاف السلطة من طرف القوى غير الدستورية “، وهو السيناريو الوارد مع التدابير الجديدة تحت عنوان تنظيم مصالح الرئاسة، وظهور بوادر لتغول الفريق المقرب من الرئيس المنتخب.

وكلف الرئيس تبون المستشار شفيق مصباح، المحسوب على ما يعرف بالدولة العميقة، كونه عقيدا متقاعدا من جهاز الاستخبارات السابق، بمهام مدنية جديدة تتعلق بالعلاقات مع الشباب والمجتمع المدني والأحزاب السياسية، وهي مهام غريبة عن الرجل، قياسا بتكوينه الأكاديمي وخبرته المهنية، فقد ظل محسوبا على النخبة البعيدة عن الشأن الشعبي والسياسي ولم يعرف له حضور في الأوساط الجماهيرية.

ويعد مصباح من بين الكوادر الاستخباراتية التي تفرغت إلى التأليف والبحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية بعد التقاعد مطلع تسعينات القرن الماضي، وكان معارضا لبوتفليقة، قبل أن يتم تعيينه العام 2020 مستشارا للشؤون الشخصية دون أن يتم تحديدها، عكس التوقعات التي سادت بأن الرجل سيضطلع بالمهام المتصلة بتخصصه.

وكلف تبون الجنرال بومدين بن عتو بشؤون الأمن والدفاع، ومحمد بوخاري بشؤون المالية والبنوك والميزانية واحتياطي الصرف والصفقات العمومية والمخالصات الدولية، أما أمين معزوزي فقد كلف بمهام الطاقة والمناجم والبيئة، وجدد ثقته في الوزير السابق للتجارة وترقية الصادرات كمال رزيق في مهام التجارة والتموين والمراقبة والاستيراد والتصدير، ومحمد الصغير سعداوي كلف بشؤون التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والثقافة والشؤون الدينية والزوايا، في حين أبقي حميد لوناوسي في شؤون المنظمات غير الحكومية وحقوق الإنسان، ونفس الشيء بالنسبة إلى كمال سيدي سعيد، الذي أبقي في المديرية العامة للاتصال.

واللافت في لائحة رجال ثقة الرئيس تبون أن غالبيتهم عُهد لهم بمهام الاستشارة منذ العام 2020، وقد تم تأكيد مناصبهم وتدويرها بينهم أو توسيعها لصلاحيات أخرى، كما هو الشأن بالنسبة إلى كمال رزيق المنفذ للسياسة الاقتصادية والتجارية سواء كان في الحكومة أو الرئاسة، ويعوّل عليه في استتباب أوضاع السوق وإدارة تقلباتها باعتبارها أحد عوامل الاستقرار الاجتماعي في البلاد.

واستغنى الرئيس الجزائري عن عدد من مستشاريه رغم أن دورهم كان غير مؤثر في صناعة أو توجيه القرار الرئاسي، على غرار وزير الدولة والمستشار عبدالعزيز خلف، وياسين ولد موسى الذي كان مكلفا بالشؤون الاقتصادية، وعبدالمجيد شيخي الذي كان مكلفا بملف الذاكرة الوطنية، والذي ظهر إلى الواجهة بمناسبة إثارة التسوية التاريخية بين الجزائر وفرنسا، قبل أن تدخل علاقات البلدين في أزمة صامتة.

كما أنهى مهام نورالدين غوالي بصفته مستشارا لدى رئيس الجمهورية مكلفا بشؤون التربية الوطنية والتعليم العالي، وأحمد راشدي بصفته مستشارا لدى رئيس الجمهورية مكلفا بالثقافة والسمعي البصري.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: