هل يعرقل رفض قيس سعيد للتوطين الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي

يواصل الرئيس التونسي قيس سعيد التمسك بموقفه الرافض للمقاربة الأمنية في معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية مع الاتحاد الأوروبي، ويؤكّد أن تونس لن تكون حرس حدود لأوروبا ولن تقبل توطين المهاجرين في البلاد، خصوصا بعد تدفق أعداد كبيرة منهم عبر المتوسط.
طرح رفض الرئيس التونسي قيس سعيد لعملية توطين مهاجرين قادمين من دول جنوب الصحراء في تونس تساؤلات بشأن تداعيات ذلك الموقف على البلاد وإمكانية عرقلته للاتفاق مع الاتحاد الأوروبي حول مسألة الهجرة غير النظامية. ويبدي الأوروبيون تحمّسا كبيرا لإبرام اتفاق مع تونس تنهض فيه بدور أكبر في مواجهة تدفقات المهاجرين عبر البلاد باتجاه أوروبا، في المقابل لا تبدي السلطات التونسية التّحمس نفسه رغم توافد كبار المسؤولين الأوروبيين عليها في الفترة الأخيرة.

وعرض الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي دعما ماليا بقيمة مليار دولار على تونس التي تواجه أزمة لتعزيز اقتصادها والحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين عبر المتوسط. وتتعرض تونس لضغوط من أوروبا لمنع أعداد كبيرة من المهاجرين مغادرة سواحلها، لكن سعيد أكد أن بلاده لن تكون حرس حدود ولن تقبل توطين المهاجرين في البلاد.

وقال سعيد إن قوات الأمن في بلاده تحمي المهاجرين غير النظاميين من أفريقيا جنوب الصحراء على “عكس ما تروج له الدوائر الاستعمارية وعملاؤها”، مشددا على أن “تونس ليست شقة مفروشة للبيع أو للإيجار”. وجاء حديث سعيد في لقاء جمعه برئيسة حكومته نجلاء بودن مساء السبت، بحسب بيان للرئاسة، في ظل انتقادات لتعامل السلطات مع اشتباكات اندلعت في الأيام الماضية بين مهاجرين أفارقة وأهالي عدد من أحياء مدينة صفاقس (جنوب)، ما أسفر عن مقتل شاب تونسي مساء الاثنين الماضي.

وشدد سعيد على أن “قوات الأمن التونسية قامت بحماية هؤلاء الذين جاؤوا إلى تونس ويريدون الاستقرار بها عكس ما يشاع.. هذه المخططات مفضوحة ومعلومة منذ وقت غير بعيد”. وتابع أن “تونس ليست شقة مفروشة للبيع أو للإيجار، وهؤلاء المهاجرون، الذين هم في الواقع مهجّرون، لم يتخذوا من تونس مقصدا لهم إلا لأنه تم تعبيد الطريق أمامهم من قبل الشبكات الإجرامية التي تستهدف الدول والبشر”.

 

المنذر ثابت: موقف سعيد سيدفع أوروبا نحو مراجعة عرضها السابق
المنذر ثابت: موقف سعيد سيدفع أوروبا نحو مراجعة عرضها السابق

 

وتسعى تونس من خلال رفض التوطين لتحسين شروط التفاوض مع الطرف الأوروبي، ومن ثمة استفادتها من دعم مالي أوروبي أكبر من العرض السابق يساعدها على تخطي الصعوبات المالية والاقتصادية، فضلا عن كسب صوت قوي وداعم لموقفها في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي قد تنعكس سلبا على وضعها الاجتماعي. وقال المحلل السياسي المنذر ثابت “من المؤكد أن ينعكس موقف الرئيس الرافض للتوطين على مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهو رفض فيه مراهنة على ما يطرحه الاتحاد الأوروبي في علاقة بحزمة المساعدات والدعم، لكن العرض المالي الأوروبي أقل من المطلوب ولا يفي بالغرض”.

وأكد أن “مراهنة سعيد على موقفه ليست مجازفة، وبكل تأكيد سيعطل الاتفاق وسيعيد المفاوضات من جديد، كما سيدفع أوروبا نحو مراجعة العرض الذي قدمته لتونس”. وتابع ثابت “أعتقد أنه ستتم مراجعة الجانب المالي وآلية ترحيل المهاجرين غير النظاميين من تونس إلى بلدانهم الأصلية، ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي أصبح مطالبا بإيجاد آلية لرفض سعيد توطين هؤلاء”.

ورحب المجلس الأوروبي في بيان له بـ”العمل المنجز بشأن حزمة شراكة شاملة متبادلة المنفعة مع تونس تستند إلى ركائز التنمية الاقتصادية والاستثمار والتجارة، وانتقال الطاقة الخضراء، والهجرة والاتصالات بين الناس، ويدعم استئناف الحوار السياسي في إطار اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتونس”. وتحدث أحمد ونيس وزير الخارجية التونسي الأسبق في تعليقه على هذه الشراكة بالقول إن الأوروبيين والتونسيين يبحثون عن صيغة من التعاون تخدم الجميع، ووصفها بالشراكة المتكاملة المتكافئة والواعدة، مشيرا إلى أن التأويلات بشأن التوطين لا تستند إلى وقائع.

ومثلت تونس جزءا من المحادثات التي جرت في يونيو الماضي بالعاصمة الفرنسية باريس بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بعد سلسلة من الأزمات بين البلدين بشأن ملف الهجرة. واستغل ماكرون فرصة لقائه بضيفته الإيطالية ليؤكد أنه يشارك روما وجهة نظرها بشأن الحاجة الماسة إلى تقديم مساعدة اقتصادية لتونس في ضوء مشاكل الديون التي تواجهها البلاد.

وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية إن “علينا التحرك بشكل عملي وجاد على مستوى الاتحاد الأوروبي لإيجاد حلول لتونس”. ولم يتم الكشف عن طبيعة التحرك العملي والجاد لإيجاد الحلول، لكن الثابت أن تونس أصبحت تستقبل العديد من زعماء ومسؤولي بعض الدول الأوروبية. وبعد الزيارة التي أدتها ميلوني إلى تونس قبل أيام عادت من جديد لتقابل سعيد رفقة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته.

◙ تونس تتعرض لضغوط من أوروبا لمنع أعداد من المهاجرين مغادرة سواحلها لكن سعيد أكد أن بلاده لن تكون حرس حدود ولن تقبل توطين المهاجرين

كما كانت لوزيرة الداخلية الألمانية نانسي فايز ووزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان زيارة إلى تونس حيث تحادثا أيضا مع الرئيس التونسي حول ملف الهجرة غير النظامية، وسط جدل محلي بشأن توطين اللاجئين المرحلين في تونس. وأفاد الكاتب والمحلل السياسي مراد علاّلة أنه “كان من المنتظر أن يتم التوقيع على الاتفاق نهاية الشهر الماضي، لكن يبدو أن مسألة التوطين أصبحت حجر عثرة أمام المساعدة الأوروبية لتونس، ونوايا شركائنا لن تكون طيبة”.

وصرّح أن “الاتحاد الأوروبي سيواصل الابتزاز، وما يطرحه سعيد شعارات جميلة لكن يجب تفعيلها، ومن الضروري أيضا أن تجيب الأجهزة الأمنية على طرق دخول المهاجرين من غرب البلاد (ولايتي القصرين وقفصة) ثم يتجهون نحو صفاقس (شرق)، وهذا أمر غير مقبول”. وأردف علالة “تونس نظريا في موقع قوة وعليها استغلال كل الأوراق المتاحة، وأمن أوروبا الآن أصبح بأيدي السلطة التونسية، لكن علينا ترتيب البيت الداخلي، ثم طرح الملف بالتنسيق مع ليبيا والجزائر”.

وتعاني صفاقس من تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين من دول أفريقيا جنوب الصحراء على أمل اجتياز البحر المتوسط باتجاه أوروبا، بحثا عن حياة أفضل في ظل أزمات سياسية واقتصادية في بلادهم. وقال سعيد خلال لقاء مع وزير الداخلية كمال الفقي وقيادات أمنية الثلاثاء إن “شبكات إجرامية” مسؤولة عن عمليات الهجرة غير النظامية إلى صفاقس. وشهدت المدينة توتراً على خلفية مواجهات بين مهاجرين وسكان بالمدينة، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر ضرب بعض السكان للمهاجرين، قبل أن تعمل السلطات التونسية على ترحيل بعضهم.

وأثار ذلك انتقادات من منظمات حقوقية، على رأسها منظمة هيومن رايتس ووتش التي طالبت السلطات التونسية الجمعة، بإنهاء عمليات الطرد الجماعي للمهاجرين الأفارقة ونقلهم إلى منطقة صحراوية نائية بالقرب من الحدود الليبية. وذكرت هيومن رايتس ووتش أن الأشخاص المطرودين هم من دول أفريقية عديدة هي ساحل العاج والكاميرون ومالي وغينيا وتشاد والسودان والسنغال، ومن بينهم 29 طفلا وثلاث نساء حوامل.

وأفادت لورين سيبرت الباحثة في حقوق اللاجئين والمهاجرين في هيومن رايتس ووتش “ليس فقط من غير المعقول الإساءة للناس والتخلي عنهم في الصحراء، ولكن الطرد الجماعي ينتهك القانون الدولي”. وقالت المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا إنه على الرغم من التحديات في الوصول إلى المنطقة، فقد تمكنت من تقديم بعض المساعدة الطبية الطارئة لبعض المهاجرين.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: