تطبيع العلاقات بين المغرب وإيران.. إعادة تعريف العدو

ماموني

هناك من يتكهن أن التقارب السعودي – الإيراني الحالي مقدمة منطقية لاستعادة العلاقات بين طهران والرباط، اعتبارا للتضامن الدبلوماسي والسياسي والإنساني بين المملكتين وقياسا لدواع جيواستراتيجية. لكن هناك نقطة أساسية لا بد من الانتباه إليها وهي أن توتر العلاقات بين إيران والمغرب ليس سياسيا أو استخباريا وأمنيا فقط، بل إن التوتر متجذر وذلك لأسباب دينية مذهبية بالدرجة الأولى تعود إلى سبعينات القرن الماضي، وهذا ما يجعلنا نستبعد أن يحذو المغرب حذو المملكة العربية السعودية في القرار السيادي المتعلق بعلاقاته مع طهران.

لا تنبغي الاستهانة بتأثير العامل الديني في حالة الرباط وطهران، فهذه الأخيرة أسست مشروعها التوسعي على فكرة دينية وجعلته نقطة انطلاقها وتمددها نحو عدد من الدول ومنها داخل القارة الأفريقية، حيث أرادت من خلال المذهب الشيعي التأثير في الحضور الديني المغربي الممتد عبر قرون طويلة والمعتمد على الإسلام السني المعتدل، وذلك لتحقيق أهداف جيوسياسية بعيدة المدى، وهي لن تتمكن من ذلك إلا بشرط إبعاد الحضور الديني والدبلوماسي والاقتصادي للمملكة وحجبها أيضا عن التأثير في منطقة الشرق الأوسط والخليج.

TapTap Send


المغرب قطع علاقاته مع طهران في عام 2018، بشكل حاسم، بعد أن تأكد للمسؤولين المغاربة قيام إيران بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لجبهة بوليساريو الانفصالية، وهو ما يمثل اعتداء على سيادة التراب المغربي ووحدته من خلال تزويدها جبهة بوليساريو بصواريخ وطائرات مسيّرة عبر حليفها حزب الله وبمساعدة الجزائر، وهذا ما يؤكد طبيعة السلوك الإيراني العدواني ضد مصالح المغرب ويساهم في تخفيض مستوى تطبيع العلاقات بين الطرفين.

◙ المغرب فاعل أساسي في المنطقة وأفريقيا وهو متمسك بموقعه الجيوسياسي ويعمل بكل قوته لكبح جماح إيران التي دأبت على استخدام الجماعات المسلحة بالوكالة في لبنان وغرب أفريقيا واليمن

المغرب كقوة إقليمية مستهدف بشكل مباشر ومهدد بسلامة وحدة أراضيه من قبل تحالف دولتين هما إيران والجزائر، والكشف مؤخرا عن شبكة تهريب وغسيل أموال تحول إلى جبهة بوليساريو بدعم من حزب الله وإيران والجزائر هو علامة مقلقة تثبت أن صلات الجبهة الانفصالية التي تمت إدانتها بالإرهاب وممارسة أشكال أخرى من الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، تهدد ليس فقط المغرب، بل السلام برمته وتزعزع الاستقرار في المنطقة.

لا بد من التذكير هنا أن إيران سبق أن طالبت في اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي في مدينة فاس عام 1986 بطرد المغرب من منظمة المؤتمر الإسلامي، بذريعة استقبال الملك الراحل الحسن الثاني رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز. وقد رفعت منسوب العداء بعد تطور العلاقات بين المملكة وإسرائيل إلى مستويات متقدمة، ما يعني أن نفس الأسباب التي تستوجب الحذر الشديد من الجانب الإيراني لازالت قائمة، ومستمرة إلى أن يأتي ما يخالف ذلك ويثبت أن إيران لم تعد ساعية إلى التمدد والتوسع على حساب مصالح المغرب ووحدة ترابه.

الكف عن الاعتداء على وحدة المغرب بجميع الأشكال هو الشرط المغربي لتطبيع علاقاته مع أيّ دولة ومنها إيران.

ولطالما اعتبر المغرب أن أيّ اعتداء على التراب الخليجي هو اعتداء مباشر على الحدود المغربية يقتضي مواجهة المعتدي، وهذا ما أكده العاهل المغربي الملك محمد السادس في قمة الرياض في العام 2016. ولهذا السبب قطع المغرب علاقته الدبلوماسية مع إيران عندما تدخلت في الشأن البحريني.

ستستمر إيران في الاتفاق التطبيعي الذي رعته الصين، وهو اتفاق تكتيكي وذلك لأخذ فسحة تلتقط فيها أنفاسها وتسيطر على أزماتها الاجتماعية والاقتصادية، وأيضا لفتح خطوط تواصل سياسي ودبلوماسي مع الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة. أما المغرب فسيتابع العمل وفق نهج يخدم مصالحه الحيوية وموازنة علاقاته مع شركائه غربا وشرقا بما لا يؤثر سلبا على أمنه القومي وسيادته على أراضيه.

ازدواجية مواقف أصحاب القرار الإيراني ثابتة في علاقاتهم مع دول المنطقة بشكل خاص، ففي الوقت الذي كانت المفاوضات جارية تمهيدا لتوقيع الاتفاق مع الرياض، خرج وزير الاستخبارات والأمن الوطني الإيراني إسماعيل الخطيب محذرا من أنه “إذا قررت إيران الانتقام والمعاقبة، فسوف تنهار القصور الزجاجية ولن تشهد هذه الدول الاستقرار بعد الآن”، ما يعني أن عوامل الاحتكاك أقرب من شروط الاستقرار في العلاقات مع إيران، وهذا ما تنبه له المغرب في عملية تقييمه السياسي لسلوك هذه الدولة.

وبالنظر إلى السياق الأوسع للمتغيرات الدولية واختلاف الظروف لن نقيس تطبيع العلاقات الإيرانية – المغربية وفق المصالحة الإيرانية – السعودية بوساطة صينية، فخطر الأعمال العدائية ضد المغرب بقي مستمرا لعقود طويلة لم تتوقف خلالها طهران عن الإساءة إلى الرباط. ومعلوم أن المغرب قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في العام 2009 وتمت إعادتها في العام 2014، وبعدها بأربع سنوات قررت الرباط وقف تلك العلاقات لأسباب تتعلق بسيادة المغرب على أرضه بعدما ثبت دعم طهران لأعمال عدائية ضد المغرب تهدد استقراره.

◙ لا تنبغي الاستهانة بتأثير العامل الديني في حالة الرباط وطهران فهذه الأخيرة أسست مشروعها التوسعي على فكرة دينية وجعلته نقطة انطلاقها وتمددها نحو عدد من الدول ومنها داخل القارة الأفريقية

ليست هناك ضمانات بأن تتخلى إيران الشيعية عن دعم بوليساريو التي تعتبرها قنطرة موضوعية وجسر مجانيا نحو السيطرة على دول الساحل والصحراء، وزيادة تغلغلها في دول غرب أفريقيا، العمق الإستراتيجي الأفريقي للمغرب السني. الجزائر الداعم الرسمي للجبهة الانفصالية والتي تعتبر المغرب عدوا رقم واحد، ذهبت بعيدا في تمتين علاقاتها مع إيران العدو الأيديولوجي والسياسي والأمني للمغرب، وهما يجتمعان على هدف واحد هو تقويض الوحدة الترابية للمملكة.

تنويع الشركاء السياسيين والاقتصاديين والأمنيين للمغرب عقيدة راسخة للدفاع عن مصالحه الحيوية، ونعلم أن طهران لا تتردد في ضرب تلك المصالح بقوة طالما أنها مستمرة في دعمها للانفصاليين وأعداء وحدته الترابية. وهي كما تغلغلت في اليمن ولبنان تتغلغل في شمال أفريقيا وغربها بدعمها المتزايدة للإرهاب في منطقة الساحل والصحراء وتدفقات الهجرة غير النظامية والمنظمات التي تتاجر بالبشر والمخدرات وغسيل الأموال داخل أفريقيا.

المغرب فاعل أساسي في المنطقة وأفريقيا وهو متمسك بموقعه الجيوسياسي ويعمل بكل قوته لكبح جماح إيران التي دأبت على استخدام الجماعات المسلحة بالوكالة مثل حزب الله في لبنان وغرب أفريقيا وجماعة الحوثي في اليمن، وجعلت من الجزائر وبوليساريو ذراعا وجسرا للوصول إلى أبواب المملكة وتهديد مصالحها ووحدتها الترابية باعتبارها عدوا للجمهورية الإسلامية، والهدف الأبعد لها هو تحقيق سياسية تفاوضية للضغط على الدول الغربية وواشنطن وإسرائيل.

اختبر المغرب المصالحة مع جمهورية الملالي ولكن في كل مرة كان يتم فسخ العقد والعودة إلى نقطة البداية. فما هي الضمانات التي سيقدمها حلفاء إيران الجدد والقدامى هذه المرة؟ هل هناك ما يكفل عدم تدخل إيران في الشأن المغربي والامتناع عن تهديد مصالحه الحيوية سواء في المنطقة أو داخل أفريقيا التي تضعها طهران ضمن مخططها التوسعي وتعمل على الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الصحراء المغربية؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: