المغرب مفتاح لسياسة الجوار الأوروبية

La rédaction

أثبت المغرب طوال سنوات، ورغم التوترات التي تحدث من حين إلى آخر، أنه المفتاح الرئيسي لسياسة الجوار التي يتبعها الاتحاد الأوروبي بهدف التقارب مع أفريقيا، حيث تملك المملكة قدرات اقتصادية وسياسية وموقعا جيوستراتيجيا يمنحها القدرة على أن تكون أفضل رابط بين الطرفين.

استقبلت المملكة المغربية منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل قبل أسابيع قليلة. وهي تفتح أبوابها مجددا أمام المفوض الأوروبي المكلف بسياسة الجوار والتوسع أوليفر فارهيلي الذي التقى خلال زيارته بوزير الخارجية ناصر بوريطة بالرباط.

وكانت زيارة فارهيلي الأحدث في سلسلة من الاجتماعات الثنائية الهادفة إلى ترسيخ مكانة المغرب بصفته شريكا إستراتيجيا للاتحاد الأوروبي.

وجاءت الزيارة بعد توتر في العلاقات بين الطرفين، وتجاوزات من الاتحاد الأوروبي وتدخل في السياسة الداخلية للمملكة دفعت برلمان المغرب في الثالث والعشرين يناير الماضي إلى تقرير ضرورة إعادة النظر في علاقاته مع نظيره الأوروبي، كرد فعل على تبني الأخير قرارا ينتقد أوضاع حرية الصحافة والتعبير في المملكة.

 

فرانس تيمرمانس: المغرب طرف لا غنى عنه في سياسة أوروبا الخارجية
فرانس تيمرمانس: المغرب طرف لا غنى عنه في سياسة أوروبا الخارجية

 

وتُوّجت زيارة فارهيلي إلى المغرب بالتوقيع على خمس اتفاقيات تعاون تبلغ قيمتها الإجمالية حوالي 530 مليون دولار وتتعلق بمجالات عدة من بينها الحماية الاجتماعية والزراعة وتدبير المياه والهجرة.

كما أعلن المسؤول الأوروبي عن “تعبئة استثمارات بحوالي 1.27 مليار دولار” في المغرب.

من جهته، تحدّث بوريطة عن “تطوير الشراكة في مجالي الأمن والهجرة بشكل أكبر انطلاقاً من هذه السنة”.

وتشغل المملكة التي يبلغ عدد سكانها 37 مليون نسمة مكانة مميزة في أجندة المسؤولين الأوروبيين السياسية.

وترتبط الرباط وبروكسل منذ العام 1996 باتفاق شراكة واسعة تشمل أساسا علاقات اقتصادية متينة، خصوصا في ميداني الزراعة والصيد البحري.

وخلال 10 أعوام، تضاعف التبادل التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي ثلاث مرات، وفي 2021 تجاوز حجمه 45 مليار يورو (47.7 مليار دولار).

ويستفيد المغرب من صفة “الوضع المتقدم” مع الاتحاد الأوروبي منذ أكتوبر 2008، ومن عدة اتفاقيات وتمويلات أوروبية.

ويعد الاتحاد الأوروبي أول شريك تجاري للمغرب بنسبة مبادلات تجارية تفوق 60 في المئة من إجمالي المبادلات.

وفي سياسة مزيد من التقارب بين الطرفين، يدرس المغرب وإسبانيا منذ سنوات مشروع الربط القاري عن طريق نفق بحري يربط بين البلدين عند تقاطع المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.

وتكمن أهمية هذا المشروع في إمكانية أن يكون نفقا خاصا بالنقل متعدد الاختصاصات، كتنقل المسافرين ووسائل النقل، ونقل الغاز عبر أنابيب، إضافة إلى نقل الكهرباء وخطوط الإنترنت والبضائع، وغيرها من الخدمات التي قد تساهم في التقارب بين قارتي أفريقيا وأوروبا.

ويرى موقع “إن أي غلوبال” في تقرير له أن المغرب يتميّز أيضا بكونه من أفضل المحاورين في غرب المتوسط. ويتمتع بقدرة على تعزيز “سياسة الجوار” التي وضعتها بروكسل لدعم علاقات الاتحاد الأوروبي بجيرانه في الشرق والجنوب سياسيا واقتصاديا.

وحددت المفاوضات الدبلوماسية الثنائية بين كبار المسؤولين في الرباط ومسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل أهدافا سامية للجانبين، وتلت عددا غير عادي من الزيارات رفيعة المستوى، بما فيها زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الرباط.

وساهمت الزيارات في تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، مع دعم تعميق فريد للتعاون الثنائي.

 

المغرب تفتح أبوابها مجددا أمام المفوض الأوروبي
المغرب تفتح أبوابها مجددا أمام المفوض الأوروبي

 

وسعت المفوضية الأوروبية لتعزيز روابطها مع دول جنوب حوض المتوسط خلال السنوات الأخيرة​​، بما في ذلك المغرب. وكان ذلك لدعم مصالح كتلة الاتحاد الأوروبي. واكتسبت أحداث القمة الأوروبية – الأفريقية أهمية إستراتيجية أكبر لانتشار عدم الاستقرار عبر المغرب العربي منذ ثورات الربيع العربي التي هزت المنطقة منذ عقد.

وقدّم المغرب نفسه وجهة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في جزء من العالم حيث تبقى مثل هذه المزايا نادرة. وكانت هذه حقيقة لم يغفل عنها السياسيون في أوروبا.

وتشكلت أسس علاقات الرباط مع أوروبا بسياسات الطاقة والهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب والمناخ والتعليم. وتبلغ قيمة تجارة الاتحاد الأوروبي مع المغرب حوالي 44 مليار يورو دون احتساب صفقات الوقود الأحفوري.

كما أن “الشراكة الخضراء” بين الرباط وبروكسل تبقى الأولى من نوعها مع دولة لا تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي. وأطلقت إستراتيجيات التكيف مع المناخ وانتقال الطاقة الخضراء في المغرب موجة من نشاط المستثمرين الأوروبيين المتسابقين للاستفادة الكاملة من الفرص الاقتصادية الجديدة التي تشمل تطوير الهيدروجين.

وفي تقرير له، أكد مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد في تقرير حمل عنوان “سوق الهيدروجين الأخضر: المعادلة الصناعية لانتقال الطاقة”، أن المغرب يتمتع بمزايا تنافسية لتزويد أوروبا بالهيدروجين الأخضر ومشتقاته.

ومنح ذلك المغرب موقعا مثاليا للاستفادة الكاملة من ثورة الطاقة الخضراء، حيث تعدّ تكاليف إنتاجها من بين أدنى المعدلات في العالم.

ويرى مسؤولون ومستثمرون أوروبيون أن المغرب من البلدان الأفريقية الهامة التي تقدم بنية تحتية قوية للمستثمرين المهتمين بالوفرة في المجال بتطوير مشاريع متجددة نموذجية بالإضافة إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر واسعة النطاق.

زيارة فارهيلي هي الأحدث في سلسلة من الاجتماعات الهادفة إلى ترسيخ مكانة المغرب بصفته شريكا إستراتيجيا للاتحاد الأوروبي

ويشدد نائب الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية ومفوضها لشؤون حماية المناخ فرانس تيمرمانس على أن الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي منطلق تطور من شأنه أن يربط أوروبا وأفريقيا ككل.

يُذكر أن المغرب أصبح منذ عودته إلى الاتحاد الأفريقي في 2017 حلقة وصل جغرافية وسياسية واقتصادية أساسية بين شمال البحر المتوسط وجنوبه.

وتكشف تصريحات تيمرمانس عن مبدأ بسيط في الشؤون الخارجية يجب أن تتبعه بروكسل: يجب اعتبار المغرب طرفا لا غنى عنه في سياسة الجوار التي يتّبعها التكتل.

من جانبه، يرى الخبير السياسي المغربي الشرقاوي الروداني أن المغرب يظل ركيزة في تطوير العلاقات جنوب – جنوب وشمال – جنوب، وبالتالي همزة وصل بين أفريقيا وأوروبا، معتبرا أنه نموذج يطمح المغرب لبنائه من خلال سياسة ملكية نشطة ومتبصرة، تتأسس على إقامة تعاون معزز بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وهو ما تجسد في خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس بمناسبة انعقاد قمة العالم العربي – الاتحاد الأوربي سنة 2019.

وقال الخبير في تصريحات لوكالة الأنباء المغربية إنه “في عالم يمر بتحولات عميقة، تمكن المغرب والاتحاد الأوروبي من توطيد شراكتهما الإستراتيجية ومتعددة الأبعاد، وتأطيرها بتصميم إستراتيجي”.

وأشار الروداني إلى أن تطوير هذه العلاقة لم يكن ظرفيا، بل كان ثمرة مسلسل متعدد الأشكال، منسق وطموح.

وأضاف أنه أمام التحديات والرهانات الجيوسياسية للمتوسط الذي أصبح فضاء توتر حيث يسود عدم اليقين، تمكن المغرب والاتحاد الأوروبي من مواجهة العديد من التحديات في مجال الأمن والتنمية المشتركة وتعزيز التعددية بالمتوسط، مذكرا بأن الرباط تضطلع بدور رئيسي في السلام والأمن في العديد من مناطق التأثير الإستراتيجية للفضاء الأوروبي.

وبحسب الخبير المغربي، فإنه في عالم يسوده الاضطراب، تشكل هذه المؤهلات الجيوإستراتيجية للمغرب في الفضاء المتوسطي رافعة للتنمية والسلام والأمن لأوروبا، مسجلا أن هذه الحيوية في العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي ظلت هدفا “للمكائد وتحركات بعض الأطراف المستاءة”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: