متى تعود الجزائر إلى الجزائر؟ سؤال لما بعد زيارة الملك عبدالله الثاني ولما بعد القمة

الصراف

الجزائر التي لا تعرف شرقها من غربها، وظلت لعقود تنعم بعزلتها عن العالم العربي، وتهنأ بشعاراتها الثورية، أتاحت لها رئاستها للقمة العربية أن تلتفت إلى ما فات، وأن ترى أوجاعا لم تأخذها بالاعتبار.

زيارة الدولة التي أجراها العاهل الأردني إلى الجزائر تناولت ملفا للقضية الفلسطينية من خارج دائرة الاهتمام الثوري. فوجود السلطة الفلسطينية نفسها بات مهددا. والصدامات اليومية مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في أرجاء مختلفة من الضفة الغربية تنذر بانفجار عام. ومع مجيء حكومة يمينية متطرفة، بقيادة بنيامين نتنياهو، مقيدة بحزبي “الصهيونية الدينية” و”القوة اليهودية”، فإن الانفجار المحتمل يستدعي جهدا عربيا مشتركا لا يقتصر على “المصالحة الفلسطينية”، على أهميتها، ولكنه يمتد لحماية الوجود الفلسطيني المجرد. ويتخذ التحوطات اللازمة من التداعيات التي تقع على الأردن نفسه.

العمل العربي المشترك الذي يتعين أن تقوده الجزائر، بحسب ما تمليه التطورات، يستوجب أن يتوجه بمبادرات ملموسة نحو المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى، من أجل حشد المواقف والإمكانيات لفرض استئناف عملية السلام المعطلة، وعدم الاكتفاء بانتظار رحيل حكومة إسرائيلية ومجيء أسوأ منها.

فلسطين مهمة بلا شك. إلا أن فلسطين الشعارات الثورية شيء، وفلسطين التحديات والتهديدات الواقعية شيء آخر. والمصالحة الفلسطينية لا بد وأن تمضي قدما، ولكنْ ليس على حساب الاهتمام بالخطر الماثل أمام العين، من مجيء حكومة تفرض أجندتها وأعمال عنفها اليومية على حياة الفلسطينيين.

لقد كانت القمة العربية مفتاحا أول لكي تعود الجزائر إلى الجزائر. ولعلها تأتي، فلا يبقى السؤال المُرّ مُرّا: إلى أين ذهبت طوال كل هذا الزمن؟

قضايا الواقع العربي، انطلاقا من هذا المدخل، ليست “المصالحة الفلسطينية” بمعناها الحصري، ولا “عودة بشار الأسد إلى الجامعة العربية”، ولا “تحسين العلاقات مع إيران”، مما تعتقد سلطة الرئيس عبدالمجيد تبون أنها هي القضايا المهمة. هناك واقع آخر، يجدر الانشغال به، وهو خشن إلى درجة أنه يشكل تهديدا للاستقرار الإقليمي برمته.

إيران في عين المشرق العربي ليست صديقا، ولا هي جار صالح أصلا. إنها بكل معاني الكلمة تهديد أمني وعسكري مباشر. وما يجري من استعدادات لاستئناف الحرب في اليمن، ومعها الهجمات المتوقعة على السعودية والإمارات يتطلب من رئاسة الجامعة العربية شغلا حثيثا، لوقف التهديد، لا بطالة تتقنع بقناعات لا علاقة لها بالأمر الواقع.

وزير الخارجية الجزائري ما لم يجد في نفسه الهمة لمفاتحة طهران بمشاغل أشقائه العرب، وتحديد موقف عربي مشترك مسبق مما تُعده جماعة الحوثي، بأسلحة إيران وصواريخها وطائراتها المسيرة، فإنه لن يرضي واجبه تجاه ما تعهدت به مقررات القمة. عيب عليه، ساعتها، أن يقف مشلولا أمام أول تهديد يتحول إلى اعتداء مباشر.

والأمر إنما يتعلق بسباق خطير مع الوقت. ذلك أن تحركا يأتي بعد انفجار التهديدات، ليس كالتحرك الذي يأتي قبلها فيحول دون وقوعها.

فإذا كانت لدى الجزائر علاقات حسنة مع إيران، فإنها ما لم تستغلها الآن، فلن تستغلها أبدا. ولن يكون هناك أي معنى لما التزمتْ ودعتْ غيرها إلى أن يلتزم به بحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.

لعبُ دورٍ مع إيران، للدفع باتجاه تحقيق تسوية سياسية سلمية في اليمن، يمكنه أن يقدم خدمة لتهدئة التوترات بين طهران والرياض وقد يساعدهما في تسوية القضايا العالقة التي حالت حتى الآن دون استئناف العلاقات الدبلوماسية.

ولقد سبق للوساطة الجزائرية بين العراق وإيران في العام 1975 والتي أثمرت عن اتفاقية لترسيم الحدود بين البلدين، أن كانت دلالة على عمق الكفاءةِ الدبلوماسية الجزائرية في ذلك الوقت. والحقيقة التي يعرفها مؤرخو تلك الأيام، هي أن الجزائر ساندت العراق أكثر مما ساندت أطماع إيران وتهديداتها.

وفي الواقع، فقد حققت الدبلوماسية الجزائرية، منذ تلك اللحظة، كل ما استحقته من احترام على امتداد عدة عقود تالية. وهي ما أبرز شخصية جزائرية مرموقة بين أشقائها العرب.

هذا الإرث، لم يضع، لأنه ملك من أملاك المكانة. ومن المفيد أن يُستأنف من جديد، في المسافة الحرجة بين إيران والسعودية.

لا شك أن هناك عوائق أيديولوجية تكبل يد الجزائر. ولكن دورها كرئيس للقمة العربية، إن لم يستوجب التحرر منها، فلا يستوجب أن يكبل يدها عن أداء الدور المنشود بمعناه المتعلق بالأمن العربي المشترك.

إذا كانت لدى الجزائر علاقات حسنة مع إيران، فإنها ما لم تستغلها الآن، فلن تستغلها أبدا. ولن يكون هناك أي معنى لما التزمتْ ودعتْ غيرها إلى أن يلتزم به

عودة سوريا إلى الجامعة العربية، شأن يمكن أن يتحقق بالفعل، إذا ما نهضت الجزائر بما كان يسعى الأخضر الإبراهيمي لأن ينهض به.

تعرف الخارجية الجزائرية كل تفاصيل المهمة التي كان يؤديها الإبراهيمي منذ تكليفه بمهمة المبعوث العربي لحل الأزمة في سوريا في أغسطس 2012 وحتى استقالته منها في مايو 2014.

تعرف الخارجية الجزائرية، بالضبط، وبكل التفاصيل، من هو الطرف الذي أعاق الحل وأبقى أوار الأزمة متقدا. حتى لم يعد من المناسب، ولا المتناسب، أن يجري القفز عن الخلاصات التي تركها الإبراهيمي لتصبح “عودة بشار الأسد إلى الجامعة العربية” هي القضية. سوريا هي التي يجب أن تعود. وعودتها يفترض أن تقترن بالحل الذي ترك الإبراهيمي خطوطه العريضة بين يدي خلفائه من ورثة الدبلوماسية الجزائرية.

لا تعرف ما الذي جرى لهذه الدبلوماسية لكي تنسى نفسها. ولكن مسؤولية رئاسة القمة العربية تبرر الاستذكار على الأقل، إن لم تبرر الحركة.

احتفالات الجزائريين بالتقدم الذي حققه منتخب المغرب لكرة القدم في مونديال قطر تقول إن الجزائريين والمغاربة لا يستحقون حدودا مغلقة منذ العام 1992. فرحوا وكأنهم شعب واحد. فرحوا وكأنهم لاعبو فريق واحد. وانهارت ثقافة الضغينة التي تصنعها الطغمة العسكرية لتبرر بها إنفاقها الصاروخي على التسلح.

ولئن كانت هناك مزاعم بتهديدات ومخاوف، فإن الدبلوماسية التي انتصرت بين العراق وإيران، يمكنها أن تنتصر لنفسها على الأقل في رأب الصدع مع المغرب.

شرق الجزائر العربي، مثل غربها العربي، ينتظر منها أن تلعب دورا لتنفيذ ما تعهدت به، كما ينتظر من دبلوماسيتها أن تخرج من قمقم العزلة.

لقد كانت القمة العربية مفتاحا أول لكي تعود الجزائر إلى الجزائر. ولعلها تأتي، فلا يبقى السؤال المُرّ مُرّا: إلى أين ذهبت طوال كل هذا الزمن؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: