الخدمات الصحية وتمويل القطاع… تقرير يكشف واقع الصحة بالمغرب!

بوشعيب البازي

Healthcare workers prepare the COVID-19 vaccines, during a national coronavirus vaccination campaign, in Sale, Morocco January 29, 2021. REUTERS/Shereen Talaat

من أهمّ التوصيات التي يقدّمها هذا التقرير، هي أن يتمّ إرساء آليات للتشاور العمومي في مجال الصحة، تضمن إعمال الحق في مشاركة السكان والمجتمع المدني ومختلف الفاعلين في إعداد السياسات ووضع البرامج والخطط وتتبعها وتقييمها ومراقبتها.

في إطار استراتيجيته بشأن استدامة تتبع وتقييم السياسات العمومية الاجتماعية خلال 2018-2023، أعد الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان تقريره حول رصد وتقييم السياسة الصحية بالمغرب خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين 2012-2016، و2017-2021.

في هذا المقال، نقدم بعضاً من مخلصات التقرير الذي توصلت أخبارنا الجالية بنسخة منه، والذي اعتمد على مختلف المؤشرات المرتبطة بحقوق الإنسان كإطار تحليلي، وذلك لإعمال الحق في الصحة فيما يتعلق بإمكانية الوصول إلى العلاج، ومدى إتاحته، ودرجة مقبوليته، ومستوى جودته.

شذرات عن الخدمات الصحيّة 

يشدد التقرير بأنه، بخصوص توفر الخدمات الصحية والمتخصصة، وباعتماد مؤشر البنية التحتية الصحية، يلاحظ أنه تتوفر ثمان جهات على مستشفى واحد لكل جهة؛ في حين تتوفر جهتان على مستشفيين لكل جهة منهما، وجهتان على ثلاثة مستشفيات لكل جهة، وهو ما يعكس تفاوتا مجاليا بين الجهات في عدد الوحدات الاستشفائية الجهوية.

كما يذهب التقرير إلى أنّ الجهات التي تتوفر على أكثر من مستشفى جهوي هي جهات مستحدثة بعد 2011، حيث تم دمج جهتين على الأقل في جهة واحدة (جهتي طنجة -الحسيمة وفاس -مكناس)، مما ترتب عنه توفير البنيات التحتية للمناطق التي أصبحت جزءا منهما. غير أن جهة مثل الرباط –سلا- القنيطرة لا تتوفر سوى على مستشفى جهوي واحد رغم إدماج جهتي الغرب – شراردة – بني احسن وجهة الرباط – سلا – القنيطرة، مع الإشارة إلى أن المستشفى الجهوي بالقنيطرة يوجد في طور الإنجاز.

رغم التفاوت المجالي في البنيات الصحية الناتج عن التقسيم الإداري الجديد، فإن التقرير يرى أنه لم يتم العمل على تدارك ذلك، بجعل العرض الصحي يساير هذه المتغيرات الإدارية التي يواكبها، أيضا، تغير في البنية الديمغرافية للجهات.

أما فيما يتعلّق بمؤشّر التأطير الطبي وشبه الطبي ومؤشر التوزيع بالنسبة لكل 10000 مواطن، فإن المعطيات الواردة في التقرير تفيد أن وضعيّة توزيع الأطباء بين الجهات تفصح عن سمتين بارزتين: أولها سمة التباين واللاعدالة المجالية، إذ لا يتعلق الأمر بالتفاوت الكبير بين الجهات من حيث عدد السكان، بل يبقى الفرق قائمًا حتى بين جهات تتساوى من الناحية الديمغرافية. السمة الثانية تتعلق بالتركيز، إذ يتمركز أكثر من ثلث الأطباء في جهتي الدار البيضاء سطات والرباط سلا القنيطرة. وبإضافة جهتي مراكش أسفي وفاس مكناس، فإن أربع جهات بالمملكة تستحوذ على 7601 طبيب، أي بنسبة 67,86 ٪ من العدد الإجمالي.

فيما يوضح مؤشر عدد الأسرة بالنسبة لكل 10.000 شخص، أن هذا المؤشر يعرف تباينا ترابيا في نطاق يتراوح بين أدنى معدل 2,61 سرير لكل 10.000 مواطن(ة)، وهو المعدلؤالمسجل بجهة الرباط سلا القنيطرة، وأعلى معدل مسجل بجهة العيون الساقية الحمراء 13,6 سرير لكل 10.000 شخص؛ في حين لا يتعدى هذا المؤشر وطنيا معدل 4,35 سرير لكل 10.000 شخص، بينما يصل المعدل العالمي إلى 28،9 سرير لكل 10.000 مواطن.

حسب هذا المؤشر، فجهة الدار البيضاء سطات تتوفر على الطاقة الإيوائية الأعلى على مستوى الأسرة، حيث يعادل مجموع الأسِرّة 2546 سرير، أي بنسبة 16,36 ٪، تليها جهة فاس مكناس بنسبة 14,73 ٪، بسعة تصل إلى 2254 سرير، وتتوفر باقي الجهات على سعة سريرية تراوح بين 2000 و1000سرير، لتنخفض السعة إلى ما يعد ببضع مئات بجهتي العيون الساقية الحمراء وكلميم واد نون، بينما لا تتوفر جهة الداخلة واد الذهب سوى على 80 سريرا كأدنى سعة، وبنسبة لا تمثل سوى 0,52 ٪.

الخدمة الصحية الاستعجالية

من جهته، يبين مؤشر الخدمات الطبية الاستعجالية أنّ هذا العرض يتحدد، على مستوى المستعجلات الطبية للقرب، وطنيا، في 89 وحدة؛ وعلى مستوى مستعجلات ما قبل الاستشفاء في 1079 سيارة للإسعاف الأساسي، و86 سيارة للإسعاف الطبي الاستعجالي، و4 مروحيات للنقل الطبي الاستعجالي. أما على مستوى المستعجلات الطبية الاستشفائية، فهناك 138 وحدة بسعة سريرية تصل إلى 992 سريرا للمستعجلات و557 سريرا للإنعاش.

كما يوضح التقرير أن هذه البنية تتوزع ترابيا بشكل متباين بين الجهات، مما يكرس وضعية اللاعدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الطبية الاستعجالية، على الرغم من أن هذا النوع من الخدمات يشكل الوجهة الصحية الأولى للمريض.

لذلك، يؤكد التقرير أنّ عرض العلاجات الاستعجالية يتّسم بالضعف، وهو أمر تؤكده وزارة الصحة نفسها؛ إذ سلمت بأن عرض العلاجات الطبية الاستعجالية يعاني من نقاط ضعف كثيرة، منها النقص في الموارد البشرية في مختلف أصناف الخدمات الاستعجالية، وبأن العديد من وحدات المستعجلات الطبية للقرب التي تم إحداثها وتجهيزها بالمعدات الضرورية للتكفل بالحالات المستعجلة، لم يتم تشغيلها بسبب نقص في الموارد البشرية.

بالنسبة للنقل الطبي الاستعجالي عبر المروحيات وسيارات الإسعاف، وإن كان يشكل عاملا حاسما في منحى تحسين الخدمات الطبية الاستعجالية، فإنه يصطدم بضعف الميزانية وبضعف الموارد البشرية، وبندرة مقدمي الخدمات بالنسبة للمروحيات، فضلا عن بعض المعايير التقنية المرتبطة بالتنقل الجوي. وهي كلها أمور تزيد من صعوبات الولوج إلى الخدمات الطبية الاستعجالية.

تمويل قطاع الصحة

فيما يتعلق بتمويل قطاع الصحة، و”من خلال المعطيات التي توفرها قوانين المالية للفترة المحددة بين 2017 و2021 حول الميزانية العامة والميزانية المخصصة لوزارة الصحة، نلاحظ أن ميزانية الصحة انتقلت من 14.294.72.000 درهم سنة 2017 إلى 19.774.145.000 درهم سنة 2021، وهو ما يشكل متوسط معدل تغير سنوي بنسبة ارتفاع بلغت 7,66 ٪”.

يضيف تقرير الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسانأنه، رغم ما يلاحظ من تطور على هذا المستوى، فإن ميزانية الصحة لم تتجاوز ما يناهز 5,89 ٪، من الميزانية العامة، حيت لا يتعدى نصيب الفرد من إجمالي نفقات وزارة الصحة 561 درهما. كما لم تتجاوز النفقات الصحية من إجمالي نفقات الميزانية العامة للدولة 6,5 ٪. بينما المعدل المحدد من قبل منظمة الصحة العالمية هو 10 ٪ على الأقل.

أما بخصوص نسب نفقات التسيير ونفقات الاستثمار من الميزانية العامة لوزارة الصحة، فتحليل بنية النفقات الصحية يكشف أن الاعتمادات المفتوحة الخاصة بميزانية التسيير سجلت ارتفاعا من 11.894.752.000 درهم سنة 2017، إلى 15.574.145.000 درهم سنة 2021، بمتوسط معدل نمو سنوي يساوي 6,19.

أما الاعتمادات المفتوحة الخاصة بميزانية الاستثمار، فقد ارتفعت إلى 4.200.000.000 درهم، بعد أن كانت سنة 2017 تبلغ 2.400.000.000 درهم، بمتوسط معدل نمو سنوي يساوي 15 ٪. وبينما تحتكر نفقات التسيير حوالي 79 ٪ من إجمالي نفقات ميزانية وزارة الصحة، فإن حوالي 67 ٪ من ميزانية التسيير تعود للنفقات الخاصة بأجور الموظفين والأعوان؛ وهو ما يؤشر على المفارقة بين ارتفاع نفقات الموارد البشرية على مستوى الميزانية وما يصاحبه من نقص في التأطير الطبي وشبه الطبي على مستوى الممارسة الصحية

كما يؤشر ارتفاع نفقات التسيير، أيضا، على وضعية ركود في فعالية الإنفاق الصحي؛ حيث لا تتجاوز ميزانية الاستثمار 21٪، بما يعنيه ذلك من ضعف الأداء الاستثماري لوزارة الصحة، وما ينتج عن ذلك من بطء في التعاطي مع مشاكل القطاع على مستوى توفير الخدمات الصحية وتجويدها.

توصيات

في الأخير، وبناء على مختلف المعطيات والإحصائيات الواردة فيه خلال رصد وتشخيص وضعية الخدمات الصحية، أوصى التقرير بضرورة تدارك التفاوت المجالي المسجل على مستوى البنيات الاستشفائية جهويا وإقليميا، من خلال إعمال الخريطة الصحية؛ وذلك بإعداد التصاميم الجهوية للعلاجات، انطلاقا من تقييم الطلب الصحي على أساس المعطيات الديمغرافية لكل مجال ترابي، والالتزام بالمعيار الوطني الذي يفترض وجود ساكنة لا يقل عددها على 200.000 نسمة لإنشاء الوحدات الصحية الإقليمية.

كما أوصى التقرير بتأهيل البنيات التحتية والتجهيزات الصحية القائمة وتحديثها، وتعزيز خدمات الصحة الأولية، وإنشاء مراكز صحية نموذجية لتطوير طب الأسرة؛ فضلاً عن تدارك الخصاص في البنيات التحتية الصحية الأولية بالوسط الحضري، في أفق الاقتراب من المعيار الدولي القاضي بتوفير مؤسسة صحية لكل 10.000 مواطن؛ واتخاذ التدابير اللازمة والمستعجلة لتدارك النقص الحاصل في الموارد البشرية الطبية وشبه الطبية على أساس معيار التغطية والكفاية بالنسبة للفرد، بهدف الاقتراب من المعدل العالمي القاضي بتخصيص 1,57 طبيبا و3,82 ممرضة وممرضا لكل 1000 شخص.

إلى جانب هذه التوصيات، رجح التقرير حتمية تدارك التفاوت المسجل بشأن توزيع الأطباء والممرضات والممرضين بين المجالات الترابية، بما يحد من وضعية اللاعدالة المجالية؛ إضافة إلى تسريع وضع نظام لتدبير وضعية التفاوت المجالي في توزيع وانتشار مهنيي الصحة يقوم على التحفيز الإيجابي وعلى إجبارية الخدمة بالمناطق النائية؛ وتحيين وتفعيل الدليل المرجعي للتدبير التوقعي للوظائف والكفاءات، وإطلاق برامج التكوين المستمر وتأهيل الموارد البشرية.

هذا، إضافة إلى توصيته بالارتقاء بالحالة الاجتماعية لمهنيي الصحة، وإرساء نظام للحوافز يقوم على أساس تقييم الأداء والمردودية المهنية؛ والعمل على تدارك الخصاص في البنية السريرية الاستشفائية في أفق الاقتراب من المعدل العالمي الذي يصل إلى 2,89 سريرا لكل 1000 شخص.

من أهمّ التوصيات التي قدّمها التقرير، هي أن يتمّ إرساء آليات للتشاور العمومي في مجال الصحة، تضمن إعمال الحق في مشاركة السكان والمجتمع المدني ومختلف الفاعلين في إعداد السياسات ووضع البرامج والخطط وتتبعها وتقييمها ومراقبتها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: