google.com, pub-4622360082312857, DIRECT, f08c47fec0942fa0

الجزائر تتخوف من ربيع أمازيغي جديد

تطوّر جدل محتدم تعيشه الجزائر بعد رفض لجنة برلمانية نهاية نونبر الماضي إدراج تعميم تعليم الأمازيغية في قانون المالية، واتخذ النقاش منحى سياسيا بخروج احتجاجات للشارع، وهو ما أصبح أمرا مقلقا للسلطة إذ يضعها في حرج كبير. وغذى السجال الشعارات العنصرية والمتطرفة وأصبح مصدر تهديد محتمل لاستقرار الأوضاع الاجتماعية.

يختصر المشهد في محافظة البويرة الجزائرية تعقيدات الحراك الأمازيغي المتفجر في الأسبوع الأخير. ففيما أخذ المطلب الثقافي منحى سياسيا، بعدما ألمحت رسائل المحتجين إلى إحياء أصوات الانفصال والتحرر من السلطة العروبية، رفع السكان شعارات نبذ الفتنة والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد لتنطلق مواجهة جديدة بين الأمازيغ والسلطة.

وشدد الكاتب والباحث التاريخي محمد أرزقي فراد ، على أنه لا سبيل أمام الجزائريين لافتاك القضية الأمازيغية من أيدي التوظيف السياسي والأيديولوجي إلا بإرساء قيم الحريات والديمقراطية.

وقال فراد إن “الوضع المتفجر في البعض من محافظات البلاد يسير نحو التعقيد وتكرار مواجهات العام 2001، بسبب الحماقة السياسية المرتكبة في البرلمان، لجهة التعامل مع تعميم تعليم اللغة الأمازيغية كما يتم التعامل مع البضائع الاستهلاكية”.

وشكل هذا التعامل، بحسب فراد، “استفزازا لأنصار المطلب الأمازيغي ونقل الحراك إلى رفع أصوات التطرف والانفصال قياسا بالأفكار المعبر عنها في شبكات التواصل الاجتماعي”.

وتحول الجدل السياسي والأيديولوجي حول المطلب الأمازيغي إلى سجال محتدم بين أنصار وخصوم القضية، منذرا بانتقال التجاذب بين المتمسكين بالأمازيغية والسلطة إلى مستوى غير مسبوق.

وأمام تعمّد توظيف أنصار التيار الأمازيغي الانفصالي لأحداث إسقاط تمويل تعميم التعليم الأمازيغي في قانون الموازنة العامة لإحياء مطلب الانفصال عن الوطن الأم ورفع الراية البربرية في المظاهرات والمسيرات، تحول التجاذب إلى صراع بين أبناء القضية الواحدة.

ودفع ذلك إلى بروز تيار ثالث في المشهد رفع شعار ترفض العنف وانزلاق السجال إلى تلاسن عنصري بين مكونات المجتمع، ما يميط اللثام عن فصول مواجهة جديدة بين الحراك الأمازيغي والسلطة.

توقعات باحتمال وجود صلة بين الأحداث المتفجرة وأجندة سياسية خفية. فالسلطة الجزائرية مازالت مصممة على توظيف ورقة الاستقرار
ووجه فراد أصابع الاتهام إلى السلطة بسبب ”استفزاز الشارع القبائلي بعد إظهار نية في التراجع عن تعميم تعليم اللغة الأمازيغية”. كما تتهم السلطة بالتلكؤ في إطلاق الأكاديمية الأمازيغية التي نص عليها الدستور الجديد بالموازاة مع ترقيتها إلى لغة رسمية، فضلا عن فراغ منصب رئاسة المحافظة السامية للأمازيغية منذ 2004”.

وقال “في المقابل هناك أصوات متطرفة وأجندات سياسية وأيديولوجية تريد توظيف المسألة لصالح أهداف معينة تستهدف المساس بوحدة واستقرار المجتمع والبلاد والتأسيس لخطاب عنصري وعرقي، بعد تحويل القبضة الحديدية بين المناضلين الأمازيغ والسلطة إلى سجال لغوي وحضاري بين المكونات الاجتماعية”.

ويتطلع المراقبون للشأن الجزائري إلى موقف رسمي من السلطة التي تلتزم الصمت لحد الآن. وأوكلت مهمة اختراق الحراك إلى وزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي، في محاولة لتوظيف رصيده في ثمانينات القرن الماضي بـ”الحركة الثقافية البربرية”، لإقناع المتظاهرين بالتراجع عن الاحتجاج ونفي أي نية للحكومة في عدم تعميم الأمازيغية.

ولا يستبعد هؤلاء أن تكون الأحداث المتفجرة على صلة بأجندة سياسية تتعلق بالمستقبل السياسي في قصر المرادية الرئاسي. فالسلطة مازالت مصممة على توظيف ورقة الاستقرار السياسي والاجتماعي على حساب الاهتمامات والقضايا الشرعية من أجل الدفع بقبول الأطروحات التي تقدمها.

ويرى متابعون للشأن الجزائري أن السلطة لا تتوانى عن توظيف الملف حتى وإن كان من قبيل الدفع بالوضع إلى المزيد من الاحتقان، ليتخذ الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فيما بعد قرارات لصالح المحتجين لإظهاره في صورة الضامن لأمن واستقرار البلاد تمهيدا للتجديد له لولاية خامسة في 2019.

وظلت منطقة القبائل الجزائرية طيلة العقود الماضية مصدر صداع حقيقي للسلطة، فهي على أبعادها اللغوية والثقافية البربرية تعرف بنضجها السياسي وبحيوية المجتمع المدني. وعرفت المنطقة عدة محطات مواجهة بينها وبين السلطة: بداية بأحداث “الربيع الأمازيغي” في مطلع ثمانينات القرن الماضي وصولا إلى الأحداث الأخيرة، ومرورا بـ”إضراب المحفظة” في 1994 ومواجهات العام 2001 وأحداث الاحتجاج على سياسة التقشف في 2015.

واللافت أن الحراك الجديد أخذ إلى حد الآن طابعا أفقيا وظل يفتقد إلى قيادات ومناضلين بارزين، عكس المحطات السابقة التي ظهرت فيها قيادات مدنية وسياسية واحتضنتها الأحزاب المحسوبة على المنطقة. وتقع المطالب اللغوية والثقافية للأمازيغ في صلب برامج هذه الأحزاب، على غرار حزبي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية المعارضين.

ودخلت مختلف القوى السياسية الناشطة والشخصيات المستقلة من مختلف الأطياف والتوجهات، على خط التحذير من مغبّة التهاون في معالجة أسباب الحراك والأحداث التي أخذت طابعا عنيفا وفوضويا في محافظة البويرة. وفي المحافظات القبائلية الأخرى التي لازالت موجة الاحتجاجات والتظاهرات فيها تتسم بطابعها السلمي.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: