الخيانة والتآمر ضد الوطن: بين الخائن والمعارض

ماريا الزاكي

الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو كيان حيّ يشكّل هوية شعبه وكرامته، والانتماء إليه مسؤولية لا تقبل المساومة. غير أن بعض الأفراد، مدفوعين بمصالح شخصية أو طموحات مريضة، يختارون طريق الخيانة، فيتآمرون مع جهات معادية، مثلما فعل سعيد البارصا مع المخابرات الجزائرية، طمعًا في مكاسب مؤقتة. لكنّ التاريخ لا يرحم، وكما هو معلوم، فإن من يخون وطنه لا يجد وفاءً حتى ممن خانه لأجلهم، فيُرمى كما تُرمى النفايات بعد استنفاد قيمته، ليجد نفسه يبحث عن صفة جديدة، يحاول بها تبرير سقوطه، فيدّعي المعارضة بدلًا من مواجهة حقيقة كونه خائنًا.

الخيانة ليست وجهة نظر، بل هي انحراف أخلاقي وقيمي، يتجلى في التعاون مع الأعداء ضد مصلحة الوطن. والخائن، بطبيعته، يبرر فعلته بالادعاء أنه يسعى “للتغيير”، لكنه في الحقيقة لا يسعى إلا لتحقيق مصالحه الشخصية، ولو كان الثمن هو وحدة البلاد وسيادتها. هذا النوع من الأفراد غالبًا ما ينتهي به المطاف إلى العزلة أو الاستغلال، حيث يستخدمه الأعداء كأداة مرحلية، ثم يتخلون عنه بمجرد انتهاء دوره.

والتاريخ مليء بالأمثلة عن خونة باعوا أوطانهم، فوجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مجرد أوراق محروقة كسعيد البارصا. الخائن لا يحظى باحترام أحد، لا من مواطنيه ولا حتى من الجهة التي خان من أجلها، لأنه ببساطة أظهر استعداده للتخلي عن مبادئه، مما يجعله غير موثوق به من أي طرف.

المعارضة: موقف مبدئي داخل حدود الوطن

على النقيض من الخائن، تأتي المعارضة الوطنية، التي تُعتبر عنصرًا أساسيًا في أي نظام ديمقراطي صحي. المعارض الحقيقي لا يعمل ضد وطنه، بل يسعى للإصلاح من داخله، مستخدمًا الوسائل السلمية والقانونية. المعارض ينتقد السياسات لكنه لا يستقوي بالأعداء، ولا يسعى لإضعاف بلاده أو المسّ بوحدتها الترابية.

الفرق الجوهري بين المعارض والخائن يكمن في النوايا والوسائل. الأول يعمل من أجل المصلحة العامة، حتى لو اختلف مع السلطة، أما الثاني فيبيع الوطن لمصلحته الخاصة. المعارضة بناء، والخيانة هدم.

الخائن حين يلبس قناع “المعارض”

حين يُكتشف الخائن، ويدرك أنه أصبح بلا قيمة لدى من خان لصالحهم، يبدأ بالبحث عن غطاء جديد، وغالبًا ما يلجأ إلى التمويه بصفة “المعارض”، محاولًا استغلال هامش الحرية المتاح لتبييض صورته. لكنه يظل مفضوحًا، لأن من خان مرة، سيبقى دائمًا موضع شك، ولأن أفعاله السابقة تشهد عليه.

لكن الأخطر من ذلك هم المتواطئون مع الخيانة في الخفاء، أولئك الذين يدافعون عن الخونة ويحاولون تبرير أفعالهم، ظانين أنهم قادرون على خداع الناس. غير أن الحقيقة واضحة: كل من يدافع عن الخائن، فهو خائن أيضًا، الأول جهراً والآخر سراً. فالموقف من الوطن لا يقبل المنطقة الرمادية؛ إما أن تكون مع وطنك، أو أن تكون ضده. والدفاع عن الخيانة ليس إلا صورة أخرى من صور التآمر، وإن اختلفت الأساليب والذرائع.

الخيانة ليست وجهة نظر، بل خيانة. والوطن ليس سلعة تُباع لمن يدفع أكثر، بل هو كرامة وهوية. من يسقط في وحل الخيانة لا يعود منه نظيفًا، ومهما حاول تغيير اسمه أو صفته، سيظل ماضيه شاهدًا عليه. أما المعارضة الحقيقية، فتبقى نبيلة لأنها تعمل لصالح الوطن وليس ضده. والفرق بينهما واضح: الخائن يهدم وطنه، والمعارض الحقيقي يبنيه، أما من يدافع عن الخائن، فهو مجرد خائن آخر، وإن ادعى غير ذلك.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: