المغرب يعول على التزام الرئيس الفرنسي بتطوير الشراكة

ماموني

بعد طي صفحة الفتور الدبلوماسي بين البلدين، يبدو أن العلاقات الثنائية الفرنسية – المغربية تذهب في اتجاه تعزيزها بما يناسب المصالح المشتركة، حيث أكد العاهل المغربي الملك محمد السادس في برقية تهنئة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني لبلده، “إنني أدرك تماما أنه يمكنني أن أعول على التزامكم الشخصي من أجل أن تأخذ هذه الشراكة بعين الاعتبار المصالح المهمة لبلدينا”.

بعث العاهل المغربي الملك محمد السادس برقية تهنئة لإيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، وذلك بمناسبة احتفال بلاده بعيدها الوطني، مثمنا التعويل على التزامه الشخصي من أجل أن تأخذ هذه الشراكة بعين الاعتبار المصالح المهمة للبلدين. وأعرب الملك محمد السادس، في هذه البرقية، عن أحر التهاني للرئيس إيمانويل ماكرون، مقرونة بتمنياته الصادقة للشعب الفرنسي بدوام السعادة والرخاء.

وقال العاهل المغربي في البرقية، “وإني لعلى يقين أن المغرب وفرنسا، وبفضل ما يحدونا من حرص مشترك، سيمضيان قدما في إثراء روابط الصداقة العريقة التي تجمعهما، بروح من الحوار والثقة والتقدير المتبادل، وسيكونان قادرين على استيعاب أهمية الآفاق الواعدة التي تتيحها العلاقات الثنائية، وبناء شراكة مرجعية في القادم من السنوات”.

وفي خطوة تشير إلى استمرار تصفية أجواء العلاقات بعد ثلاث سنوات من الأزمة بين البلدين، حضر 5 وزراء مغاربة احتفالات فرنسا بعيدها الوطني في مقر سفارتها بالرباط، وهم شكيب بنموسى، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ورياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، وفتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، وعواطف حيار، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، وذلك بعد زيارة العديد من الوزراء الفرنسيين إلى المغرب على رأسهم وزير الخارجية ستيفان سيجورني.

وقالت سفارة فرنسا بالرباط إنها نظمت الجمعة حفل استقبال بمقر إقامة فرنسا بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، وتابعت أن نسخة 2024، التي تم الاحتفال بها مسبقا، شهدت حضور أكثر من 2000 ضيف، ناشرة بالأساس صورا لأعضاء الحكومة المغربية إلى جانب السفير الفرنسي بالمملكة كريستوف لوكورتيي، مؤكدة أنها “تشرفت” بحضور شكيب بنموسى، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، كممثل للحكومة المغربية في الحفل، والذي كان سفيرا للمغرب بفرنسا.

 

محمد بودن: على فرنسا أن تحقق تقدما جديدا في رؤيتها لمصالح المملكة

واعتبر محمد بودن، الخبير في الشؤون الدولية المعاصرة، أن “رعاية الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفصل جديد من العلاقات المغربية – الفرنسية ستمكن من تجديد حيوية الصداقة المتفردة بين البلدين، والأمر يتطلب تحقيق تقدم جديد في الرؤية الفرنسية للمصالح العليا للمملكة المغربية وتعزيز الثقة المتبادلة وتوسيع آفاق الشراكة والتعاون في الميادين ذات الاهتمام المشترك في المسائل الأمنية والاقتصادية والثقافية علاوة على التشاور السياسي بشأن قضايا إقليمية ودولية”.

وأضاف في تصريح لـه أن “العلاقات المغربية – الفرنسية محاطة بتطلعات ضرورية وأي تفاعل بناء يمثل علامة على تطور قادم إذا ما كان مسنودا بالالتزامات المطلوبة وخدمة المصالح الوطنية الحاسمة”، لافتا إلى أن “هناك عملا مكثفا تمّ خلال الفترة الأخيرة لتحييد ضباب سوء التفاهم الذي حجب نسبيا القيمة التاريخية والإستراتيجية للعلاقات المغربية – الفرنسية”.

وأكد محمد بودن أن “فرنسا تدرك أن ملف الصحراء المغربية مسألة وجودية بالنسبة للرباط، وهو المحور الأساسي لأفق أرحب في العلاقات مع المغرب، ويمثل كذلك المفتاح لتوافق مغربي – فرنسي لأبعد الحدود”، مشددا على أن “استكشاف مجالات جديدة للتعاون في ميادين الصناعة والطاقات المتجددة والشراكات الثلاثية من شأنه تعزيز الروابط الاقتصادية القوية بين البلدين”.

وشهدت العلاقات بين البلدين تحسنا ملموسا منذ الأزمة التي تولّدت سنة 2021، وكان الوزير الأول الفرنسي غابرييل أتال قد برمج زيارة إلى الرباط خلال الفترة ما بين الثالث والخامس من يوليو الجاري، للقاء رئيس الحكومة المغربي عزيز أخنوش، وحال دون ذلك قرار الرئيس ماكرون بحل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية فتم تأجيل الزيارة إلى وقت غير محدد.

وقال السفير الفرنسي بالمغرب كريستوف لوكورتييه، في تصريح لوسائل إعلام مغربية “على مدار العام الماضي، حققنا تقدما كبيرا واكتشفنا الكثير، ومع المغرب بدأنا في نسج خيوط تاريخ جديد”. وأكد السفير لوكورتييه أن فرنسا حريصة على إثبات أهمية علاقاتها مع المغرب بشكل واضح وتجديد التزامها التاريخي تجاهه، خاصة في ظل استعداد المغرب للاحتفال بعيد العرش، مشيرا إلى أن العلاقات بين الرباط وباريس شهدت تطورا كبيرا، حيث تم إحياء الكثير من الآمال وفتح آفاق جديدة في مختلف المجالات التي تجمع البلدين.

كما شدد السفير على أن تحقيق هذا التطور تم من خلال البحث في الجذور العميقة للعلاقة، مما يعكس الروابط القوية والدائمة بين فرنسا والمغرب. وأكد الدبلوماسي الفرنسي أهمية العلاقة بين المغرب وفرنسا، مشيرا إلى أن التاريخ قد فصلهما في وقت ما، لكن مصيرهما المشترك يدعوهما إلى الاتحاد. وأشاد “بحكمة وحس المسؤولية لدى الملك محمد السادس والشعب المغربي”، مؤكدا أن “المغرب ينظر إلى المستقبل بثقة”.

وكشف وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورني في فبراير الماضي عن مقترح باريس بشأن إقامة شراكة للثلاثين سنة المقبلة مع المغرب، مشددا على أن المملكة المغربية تطورت كثيرا تنمويا وعلى جميع الأصعدة في عهد الملك محمد السادس، ويجب أن نرى التحديات المقبلة بكثير من التبصر، حتى نجاري العالم الذي يتحول بسرعة.

◙ العلاقات المغربية – الفرنسية محاطة بتطلعات ضرورية وأي تفاعل بناء يمثل علامة على تطور قادم إذا ما كان مسنودا بالالتزامات المطلوبة

وهناك عدد من المسائل العالقة بين البلدين تحتاج قرارا حاسما على رأسها ملف الصحراء المغربية، حيث أعلن وزير الخارجية الفرنسي، أثناء لقائه بنظيره ناصر بوريطة، في الزيارة التي قام بها للمغرب أواخر فبراير الماضي، عن دعم بلاده لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء.

وكان العاهل المغربي قال في أغسطس 2022 “ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل”، مضيفا أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”.

وفي محاولة منهم لكسر الجليد الدبلوماسي الذي طال العلاقات الثنائية، زار المغرب وزراء فرنسيون أبرزهم جيرالد دارمنان وزير الداخلية، وبرونو لومير وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية، بعدما تم إرجاء زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون للمملكة عدة مرات وتصريح السلطات المغربية في سبتمبر 2023 بأن الزيارة “ليست على جدول الأعمال”.

وينتظر المغرب طبيعة تشكيلة الحكومة الجديدة بعد نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية السابقة لأوانها، التي لم يحصل فيها أي من التنظيمات السياسية الرئيسة على الأغلبية المطلقة، حيث حصل تحالف الجبهة الشعبية الجديدة اليساري، الذي يقوده الوزير السابق جون لوك ميلونشون، على المرتبة الأولى بـ182 مقعدا، يليه تحالف “معا من أجل الجمهورية” التابع للرئيس ماكرون بـ68 مقعدا، أما حزب التجمع الوطني المحسوب على اليمين المتطرف، رفقة حلفائه المنشقين عن حزب الجمهوريين، فحصل على 143 مقعدا في المرتبة الثالثة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: