المغرب أول بلد أفريقي يحتضن المنتدى العالمي لتحالف الحضارات

يوسف الفرج

يزخر المغرب بإرث تاريخي عريق في إعلاء قيم التعاون والتعايش والحوار، واعتبارا لمكانته الثقافية والروحية تحتضن مدينة فاس المغربية، على امتداد يومين، فعاليات المنتدى العالمي التاسع لمنظمة الأمم المتحدة لتحالف الحضارات، الذي بات مطلبا أمميا اليوم في ظل عالم ينازع للحفاظ على التنوع الثقافي. وفي ما يلي حوار مع الأكاديمي المغربي عبدالكريم القلالي حول قضايا حضارية مختلفة.

يونس أقجوج

يستضيف المغرب المنتدى العالمي التاسع لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، والذي تحضره شخصيات دولية رفيعة المستوى، يومي الثاني والعشرين والثالث والعشرين من نوفمبر الجاري بمدينة فاس.

وتعتبر فاس العاصمة الروحية والعلمية للمملكة، واختيارها لاحتضان المنتدى العالمي لم يكن وليد الصدفة، وإنما هو اعتراف بعراقتها ورمزيتها الروحية، وإيمان بأهمية التواصل والتعارف الحضاري، كما أن لاستضافة المغرب للحدث رمزية هامة كما يبين الأكاديمي عبدالكريم القلالي، الأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس، والفائز بجائزة دولة قطر العالمية لحوار الحضارات في نسختها الثالثة (2022).

بداية حول أهمية الدور الذي اضطلع به المغرب عبر التاريخ في تعزيز حوار الحضارات، يقول القلالي “للمملكة المغربية إرث تاريخي عريق في التعاون والتعايش والحوار، انطلاقا من مرجعيتها وهويتها الإسلامية التي تقر هذا المبدأ وترغب فيه، وما يزال ذلك في تطور مستمر من خلال التشجيع على الحوار الحضاري واستضافة مختلف الفعاليات العالمية التي تعنى بتشجيع الحوار والتنظير له”.

ويلاحظ انخراط مختلف المؤسسات العلمية والمجتمعية في مبادرات الحوار والتعريف بأهمية التواصل الحضاري، منها ما هو معتمد على الصعيد الدولي، كما هو الأمر على سبيل المثال بالنسبة إلى خطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، التي ضمت حوالي 54 خبيرا لهم انتماءات وخلفيات متنوعة، وهي من أهم الإستراتيجيات المعتمدة دوليا كمرجعية في التصدي لخطاب الكراهية، كما أنها ثمرة تقييم شامل ونقاش موسع لتطبيق التشريعات والسوابق القضائية والسياسات العامة في ما يتعلق بمناهضة الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.

رمزية التنظيم

 

عبدالكريم القلالي: للمغرب إرث تاريخي عريق في التعاون والتعايش والحوار
عبدالكريم القلالي: للمغرب إرث تاريخي عريق في التعاون والتعايش والحوار

 

ويبين أن الملتقيات التي تعقد لتعزيز مبادرات الحوار كثيرة في المغرب، ونظرا لما يتمتع به من مكانة روحية ودينية خصوصا بين الدول الأفريقية، فإن له جهودا رائدة في تسوية الخلافات وتعزيز السلم وتقريب وجهات النظر في مختلف النزاعات، ويؤكد ذلك انخراطه في مختلف المبادرات الأممية ذات البعد الحضاري.

وحول دلالة تنظيم هذا المنتدى العالمي على أرض المملكة في ظل الظروف والصراعات التي يشهدها العالم، يقول القلالي “يعتبر تنظيم المنتدى العالمي التاسع لتحالف الأمم المتحدة للحضارات من مظاهر رعاية المغرب وعنايته بالتحالف الحضاري الذي أفضل التعبير عنه بـ‘التعارف الحضاري‘ لما يحمله المصطلح من دلالة عميقة مستوعبة للتعايش والتسامح والحوار وكل أنماط التواصل الحضاري. وتنظيم هذا المنتدى يحمل دلالات متعددة”.

ويتابع معددا دلالات تنظيم هذا الحدث “نجد الدلالة الزمانية، وتتجلى في الظروف الراهنة والأجواء المتوترة التي يعيش فيها العالم على وقع نزاع مستعر بين روسيا وأوكرانيا، ألقت بظلالها على مختلف مناحي الحياة، ويحتاج العالم إلى حكماء ينزعون نحو السلم ويوجهون خطابا رشيدا لإعمال المنطق والحكمة”.

ويضيف “كما نجد الدلالة المكانية، خصوصا وأنه هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها دولة أفريقية اجتماع المنتدى العالمي لتحالف الحضارات. واختيار المغرب يرتكز على جملة من الأسس أهمها دوره في مجال التواصل الحضاري وما استطاع أن يحققه من استقرار مجتمعي وما ينعم به من أمن وسلام وتسامح، ويضاف إلى ذلك اختيار مدينة فاس تحديدا؛ لما لها ما تاريخ علمي حضاري عريق بلغ الآفاق، وهي محضن جامعة القرويين ذات الإشعاع العلمي والتواصلي الغني عن التعريف، والتي استطاعت أن تمد المغرب والعالم بفكر وسطي معتدل ومستنير يدعو إلى التعاون والتواصل وينبذ الإقصاء ودعوات العنف والبغضاء”.

بالحديث عن أهمية العلاقات السلمية والحوار في تحقيق التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب وتعزيز التنمية المشتركة، يقول الأكاديمي المغربي “إن التعايش ضرورة من ضرورات الحياة والاستقرار المجتمعي والأممي، ولم يعد اليوم ترفا ولا نافلة من القول، بل يجب أن يكون عقيدة لدى مختلف الشعوب، بحيث يعتبر أولوية في مختلف المناهج والبرامج”.

ويضيف “إذا كان المستثمرون يعتبرون الاستقرار والسلم في أي بلد أولى الأولويات في التخطيط، فإني أرى أن علاقات السلم في المجتمع هي الدعامة الأولى لتحقيق التنمية المستدامة، وطبيعي أن تكون هناك اختلافات في الرؤى وفي مختلف القضايا ليس بين الأمم والشعوب فحسب، بل بين أبناء الشعب الواحد أيضا، غير أنه خلاف لا بد من تدبيره بالحوار الوطني الذي يجب أن يكون مؤسسا لحوار إقليمي ومن ثم حوار عالمي تسود فيه لغة السلم والسلام، وتخبو فيه لغة التهديد والوعيد، التي تمس بحق الإنسان وكرامته وحرياته”.

 ثقل روحي وثقافي

أفيش

ويشدد القلالي على أنه لا مجال اليوم للاستبعاد أو الاستعباد والإقصاء، بل لا مناص من الحوار والسلم المؤسس للتواصل البناء الذي يعمر فيه العالم بما فيه الصلاح ويتصدى لدعوات الهدم والتخريب التي تتصاعد لغتها اليوم في ما هو قائم من الحروب. ويعتقد أن التجربة المغربية يمكن أن تكون ملهمة ومثالا في مجال الحوار لما لهذا البلد من خصوصيات وثقل روحي وثقافي عميق في التاريخ.

نسأل القلالي كيف أصل الإسلام للحوار وتحقيق التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب المختلفة؟ ليجيبنا بأن “المنظور الإسلامي إلى التواصل أو التعارف الحضاري منظور قائم على الرؤية العامة لوظيفة الإنسان في هذا الكون التي هي عمارة الأرض وإصلاحها، والتعاون بين الإنسانية في ما فيه الخير في معاشها ومعادها، وفي القرآن الكريم نصوص كثيرة تدعو إلى الحوار وإلى التعاون بل وإلى التعارف الذي يعتبر مرتبة متقدمة في سياق التواصل الحضاري”.

◙ التجربة المغربية يمكن أن تكون ملهمة ومثالا في مجال الحوار لما لهذا البلد من خصوصيات وثقل روحي وثقافي عميق في التاريخ

ويبيّن أن القرآن الكريم اعتبر التعددية في الخلق واختلاف الشعوب والأمم باعثا لتحقيق التعارف الذي من مكوناته التعايش والتسامح والتواصل والتعاون، وبالنظر في السيرة النبوية نلاحظ أمثلة كثيرة تجسد فيها الأمر عمليا.

ويتابع “منطلق رؤية الحضارة الإسلامية للتعاون مع مختلف الحضارات أنه متى ألفينا لدى أي حضارة معنى من المعاني الجميلة وقيمة من قيم الخير فإنها تكون سندا للتعاون والإشادة، بل وسببا للمبادرة إلى إحياء التعارف بالمعروف، وحتى لو وجدت بعض الخلافات فإنه لا ينبغي أن تكون مانعا من التواصل أو الإنصاف، ومن التعاون على المعاني الإنسانية النبيلة. فالتعاون على معاني الخير منطلق أصيل في الحضارة الإسلامية الساعية للتواصل والتعاون وتحقيق المنافع ودرء المضار”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: