درة السلع تضرب مصداقية الحكومة الجزائرية

حنان الفاتحي

عندما كان أعضاء في مجلس النواب يصفقون لرئيس الوزراء وهو يقدم أرقاما تلخص جهود الحكومة الجزائرية لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين على العديد من المحاور، كان عدد من المواطنين لا يزالون يسيرون في رحلة البحث عن اقتناء بعض المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع. فوضعية الندرة غذت حالة الاستغراب والتساؤل في نفس الوقت في أوساط المجتمع عن هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.

ويتذكر الجزائريون جيدا ثورة الزيت والسكر في زخم ثورات الربيع العربي عام 2011، مثلما يتذكرون أحداث الخامس من أكتوبر 1988، التي كانت سببا في التنقل بالبلاد إلى التعددية السياسية والإعلامية وفتح المجال الاقتصادي للقطاع الخاص بعد ربع قرن من الاستقلال عن فرنسا، والقاسم المشترك بينهما كان الانتفاضة الشعبية ضد الأوضاع المعيشية المتردية.

واختفاء مواد أساسية من على مائدة الجزائريين كالحليب والزيت والطحين، وغلاء الخضار واللحوم بأنواعها خاصة في المناسبات الدينية بات مشهدا يتكرر باستمرار، بالرغم من سعي الحكومة لضبط السوق من خلال إغراقه بالسلع الاستهلاكية بكميات تكفي لتغطية الطلب الوطني، لكن النتيجة في النهاية واحدة..”مكانش” ( غير موجود)، وإذا توفر الموجود فهو بأسعار غبر معقولة إطلاقا.

وفي الساعات الأولى التي تلت التهديدات “المستنسخة” التي أطلقها رئيس الوزراء أيمن بن عبدالرحمن ووزير العدل عبدالرشيد طبي، ومفادها بأن الدولة “ستضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه اللعب بقوت الجزائريين”، قفزت أسعار العديد من منتجات الخضار إلى الضعف، فيما بقيت تلك الخاصة باللحوم الحمراء والبيضاء في مستويات قياسية، وتزامن ذلك مع احتفالية المولد النبوي الشريف.

ويبرر حكيم، وهو بائع الخضار في أحد الأحياء الشعبية بأعالي العاصمة الجزائرية، ارتفاع الأسعار مع كل مناسبة دينية، بالخطة التي يضعها “المضاربون” التي تتمثل في احتكار المنتجات الأكثر طلبا ثم فرض السعر الذي يريدونه على بائعي التجزئة الصغار ومن ثم بقية المستهلكين.

المعارضة الراديكالية الغائبة عن المشهد، إلا من خلال تصريحات إعلامية، تعتقد أن أسباب الانفجار الاجتماعي قائمة

ويؤكد حكيم، أنه بعد مرور 24 ساعة على المناسبة الدينية ستعاود هذه الأسعار الانخفاض 100 في المئة، لافتا إلى أن هذا الوضع بات مألوفا لدى الجميع في غياب آليات لردع المضاربين وضبط استقرار السوق الذي يقوم على مبدأ العرض والطلب.

وليت الأمر توقف عند ارتفاع الأسعار، بل امتد إلى اختفاء العديد من المواد الاستهلاكية الرئيسة الأخرى كالحليب والزيت، وهو أمر عجزت الحكومة عن تفسيره رغم الأرقام الهائلة المعلنة من قبل السلطات للنهوض بالاقتصاد ودفع المنتوج الوطني إلى الواجهة وضبط الواردات وليس كبحها.

وقبل أشهر قام مجلس الأمة بتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في ندرة المواد ذات الاستهلاك الواسع، لكن حتى اليوم لا نتائجها عرفت للعلن، ولا المشكل حل من جذوره.

وتدافع الحكومة عن نفسها فتقول على لسان رئيس الوزراء أيمن بن عبدالرحمن، في جلسة عامة أمام مجلس النواب، بأن كل المواد ذات الاستهلاك الواسع متوفرة وبشكل كاف مع وجود مخزون إستراتيجي مهم لكل المواد، داعيا إلى عدم فسح المجال للمغرضين للتسويد المقصود للوضع.

وصحيح أن ارتفاع الأسعار ليس خاصا بالجزائر بل هو ظاهرة مست معظم دول العالم، حيث ارتفعت معدلات التضخم في العديد من الاقتصادات المتطورة نتيجة ارتفاع تكاليف إنتاج السلع والخدمات خاصة عمليات الشحن. ومن حق حكومة الجزائر أن تباشر إصلاحات اقتصادية بعيدة عن “الاستيراد الوحشي”.

لكن ياسين، خريج إحدى الجامعات الجزائرية، يرى أن افتقاد الحكومة لرؤية اقتصادية نهضوية واضحة تستهدف خلق الثروة وزيادة معدل النمو، أثر على القدرة الشرائية للمواطنين، بالرغم من الأموال التي تضخ لإنعاش هذا الاقتصاد الذي يسبح في مشاكل لا تنتهي.

ويعتقد ياسين أن الأرقام “المهولة” التي عرضها رئيس الوزراء أمام نواب لا تهم الشعب في شيء إذا لم يشهد الملموس على أرض الواقع، لافتا أن الكرة لا زالت في ملعب الحكومة التي يتعين عليها أن تصحح مسار البوصلة سريعا إذا ما أرادت تفادي تفاقم الوضع.

كما رجح أن يكون للإشاعة دور في تغير النمط الاستهلاكي للجزائريين بشكل أدى إلى تهافت كبير على السلع، وفي نفس الوقت زيادة أسعارها، وهو ما سيخدم في النهاية مصالح أولئك الذين يبحثون عن الربح السريع أو من يسمون بـ”المضاربين”.

Thumbnail

وبرأي ياسين، فإن سلوكيات المواطنين ساهمت بطريقة ما في إضعاف القدرة الشرائية لهم في ظل عجز مختلف السلطات عن كبح جماح الأسعار وفرض استقرار السوق.

ودخل القضاء الجزائري على الخط فيما يبدو أنه محاولة لتقديم الدعم للسلطة السياسية لإنقاذها من مخالب المضاربين الذين صنفوا ضمن خانة “الجماعات المنظمة التي تسعى لزعزعة استقرار المجتمع ومؤسسات الدولة من خلال زرع اليأس في نفوس المواطنين عبر ضرب قدرتهم الشرائية بصورة مباشرة”.

وطلبت نيابة الجمهورية إيفاءها بالقضايا المتعلقة بالمضاربة في السلع والرفع غير المبرر للأسعار، لمعالجتها على مستوى قسم مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، مؤكدة أنها ستقدم التماسات بتسليط عقوبات مشددة ضد كل الأشخاص المتورطين وفقا للقانون.

وبحسب وزير العدل عبدالرشيد طبي في حديثه للتلفزيون الحكومي فإن المضاربة “انتقلت حاليا إلى مرحلة أخرى تتعدى رفع الأسعار، وهو ما يؤكده وجود قرائن ودلائل تدفع إلى الاعتقاد بأنها أضحت أفعالا منظمة تهدف إلى ضرب استقرار الدولة مباشرة”.

وتساءل الوزير عن السبب الذي يجعل مواد تدعمها الدولة ومحمية بأطر قانونية مفقودة في الجزائر ومتوفرة في دول الجوار وحتى في فرنسا، واصفا ما يحدث بـ”أفعال تخريبية خطيرة جدا تضرر منها المواطن”.

وتعتقد المعارضة الراديكالية الغائبة عن المشهد، إلا من خلال تصريحات إعلامية، أن أسباب الانفجار الاجتماعي قائمة وليس الاعتذار الذي قدمه رئيس الوزراء على المباشر لكل رب بيت وربة بيت وجدا صعوبة في الحصول على بعض المواد واسعة الاستهلاك، هو الذي سينقذ الحكومة من الانتقاد حتى وإن حصلت على ثقة مجلسي النواب والأمة على السواء.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: