google.com, pub-4622360082312857, DIRECT, f08c47fec0942fa0

برلمانيون مغاربة يطالبون بمنع تزويج الفتيات دون 18 سنة

أيت لكتاوي

ما زال زواج القاصرات في المغرب يثير قلقا بالغا لدى العديد من الهيئات السياسية والحقوقية والأهلية التي تطالب بإلغائه، إذ تشير الأرقام إلى أن المحاكم المغربية تلقت نحو 20 ألف طلب تزويج عام 2020. وإذا كان قانون الأسرة يحدد الأهلية الزوجية في 18 سنة، فقد صدر أكثر من 13000 تنازل في العام نفسه. ولا يشمل هذا المعطى الزيجات المختومة بقراءة سورة الفاتحة من القرآن الكريم، وهي الصيغة التي لا يعترف بها القانون.

وتقدم النائب البرلماني رشيد حموني، رئيس فريق «التقدم والاشتراكية» المعارض في المغرب، بمقترح قانون يقضي بنَسخ وتعديل المواد 20 و21 و22 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، الأمر الذي سيترتب عنه منع تزويج المغربيات القاصرات، مع التنصيص صراحة على أن أهلية الزواج هي 18 سنة كاملة وإلغاء الاستثناء.
ويرى فريق «التّقدم والاشتراكية» أن استمرار هذا المقتضى القانوني الذي يُمكِّن من تزويج الفتيات يشكل مدخلا لممارسة العنف باسم القانون وشرعنته، ويعتبر شكلا من أشكال اغتصاب الطفولة، معتبرا أن تحميل الضحايا مسؤولية تدبير أسرة في عز طفولتهن، يحولُ دون تمكُّنهن من حقوقهن الإنسانية الأساسية، على قدم المُساواة مع باقي الأطفال، وعلى رأسها حقهن في التعليم والترفيه، ناهيك عن حرمانهن من فُرص تحقيق الرَّفاه الاجتماعي في المستقبل.

قوانين للنَّسخ!

نصَّت مدونة الأسرة في المغرب، في مادتها 13 على أنه من بين الشروط الواجب توفُّرها في عقد الزواج «أهلية الزوج والزوجة» وتأكيد المادة 19 على أن أهلية الزواج تكتمل بإتمام الفتى والفتاة المتمتعين بقواهما العقلية، ثمان عشرة سنة شمسية. بالإضافة إلى ما نصت عليه المادة 4 باعتبار أن الزواج هو میثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة، والمادتين 10 و11 بتنصيصهما على ضرورة توفر الإيجاب والقبول بين الطرفين.
في المقابل، نجد أن المادة 20 من مدونة الأسرة تنص على أن: «لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي» و «مقرر الاستجابة لطلب الإذن بزواج القاصر غير قابل لأي طعن» وهو الاستثناء الذي يخول لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية، وعدم التقيد بشرط الأهلية المنصوص عليها في المادة 19.
إلى ذلك، تنص المادة 21 على أن «زواج القاصر مُتوقِّف على موافقة نائبه الشرعي وتتم موافقة النائب الشرعي بتوقيعه مع القاصر على طلب الإذن بالزواج وحضوره إبرام العقد» و«إذا امتنع النائب الشرعي للقاصر عن الموافقة بتَّ قاضي الأسرة المكلف بالزواج في الموضوع». كما تنص المادة 22 على أنه: «يكتسب المتزوجان طبقا للمادة 20 أعلاه، الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق والتزامات» و«يمكن للمحكمة بطلب أحد الزوجين أو نائبه الشرعي، أن تحدد التكاليف المالية للزوج المعني وطريقة أدائها».

أرقام مخيفة

الضمانات المسطرية المحيطة بزواج القاصر في مدونة الأسرة تعكس رغبة المشرع في تكريس الطابع الاستثنائي لهذا الزواج، وجعله في حدوده الدنيا، بحيث تجيب عن بعض حالات خاصة واستثنائية، إلا أن الإحصائيات المسجلة في هذا الصدد، تكشف واقعا مغايرا ومخالفا.
وكشفت دراسة تشخيصية أنجزتها رئاسة النيابة العامة المغربية، أن نسبة زواج القاصر مقارنة بمجموع عقود الزواج المبرمة منذ سنة 2004 وهي سنة دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ، إلى سنة 2019 تتراوح بين 11.99 في المئة كأعلى نسبة من المجموع العام لرسوم الزواج، وأن 7.53 في المئة كأقل نسبة.
وحسب نفس الإحصائيات، فإن نسبة 99 في المئة من طلبات الزواج خلال الفترة ما بين 2004 و2019 تتعلق بالفتيات، ما يؤكد أن الظاهرة تهم الإناث أساسا، لأن نسبة الذكور لا تتجاوز الواحد في المئة.
إلى ذلك، أجمعت الإحصائيات المُستقاة من عدد من التقارير والدراسات المنجزة خلال العقود الأخيرة، لهيئات دولية ووطنية وجمعيات، على خطورة الظاهرة، وانعكاساتها السلبية، لكونها تُشكل عائقا حقيقيا يحول دون تحقيق التنمية، بسبب تقليصه لحظوظ الفتيات في تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، خاصة وأن حوالي 99 في المئة من اللواتي تم تزويجهن تتراوح أعمارهن ما بين 15 و17 سنة وفق رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2019 حول موضوع تزويج الفتيات، علما أن القضاء على تزويج الفتيات يفرض نفسه باعتباره هدفا من أهداف التنمية المستدامة بحلول سنة 2030.
رشيد حموني، رئيس فريق «التقدم والاشتراكية» أبرز أن هذه المبادرة التشريعية لفريق «التقدم والاشتراكية» يأتي انسجاما مع «هويتنا ومرجعتينا التقدمية الحداثية وحرصنا الشديد على إعمال روح ومنطوق دستور 2011 الذي ينص في ديباجته على التشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، باعتبارها منظومة متكاملة غير قابلة للتجزيء، تضع المصلحة الفضلى للطفل في صلب السياسات العمومية».
وأبرز النائب البرلماني أن الفريق يسعى نحو «تحقيق الانسجام مع مكونات المنظومة القانونية للمغرب في ارتباط مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، والاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة وبروتوكولها الاختياري الذي عززه الإعلان الدولي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة، خاصة وأن مسألة وضع حد لتزويج الفتيات يظل موضوع توصيات العديد من الآليات الدولية بمناسبة تقديم المغرب لتقاريره الوطنية حول مدى تقدم الوضع الحقوقي بالمملكة».
وكشف مسؤول قضائي مغربي أنه صدر عام 2020 ما مجموعه 13 ألفا و335 إذناً بالموافقة على الزواج من طفلة قاصر، ما يجعل الظاهرة مقلقة وتتجاوز الاستثناء في القانون الذي يسمح بتزويج من لم تبلغ السن القانوني 18 عاما.
في سياق متصل، أوضحت دراسة أشرفت على إنجازها رئاسة النيابة العامة في المغرب، أن نسبة مهمة من القاصرات ضحايا الزواج المبكر ينتهي بهن المطاف مطلقات، أو مهجورات؛ وأن نسبة منهن فقدن الروابط الأسرية مع أزواجهن بالطلاق، أو الهجر حتى قبل أن تصل سن الرشد القانوني، وبعضهن مرفقات بأطفال؛ كما أن النسبة الأهم من القاصرات يبدين ندمهن على هذا الزواج بعد أن تتكشف أمامهن الحقيقة، فيصبحن مناصرات لمنعه.
وأفادت معطيات الدراسة نفسها أن القاصرات المتزوجات يعانين من أصناف مختلفة من العنف حيث إن 13.30 في المئة من القاصرات المتزوجات كنّ ضحية عنف معنوي مس أحد حقوقهن، أو حقوق أولادهن الناتجة عن الزواج، كالحق في الاستقرار الأسري، واستمرار العلاقة الزوجية في وئام، والحق في نسب الأولاد، والحق في أن تكون لهم هوية أبيهم، فاضطررن إلى الالتجاء إلى القضاء لاستیفاء حقهن عن طريق دعوى انحلال ميثاق الزوجية، أو ثبوت النسب، أو ثبوت الزوجية، والحالة المدنية، وغيرها.
ولاحظت الدراسة أن القاصرات المتزوجات يعانين هن الأخريات – رغم حداثة زواجهن – من عنف معنوي آخر هو خطر تعدد الزوجات، حيث إن 4.39 في المئة منهن إما تعدد أزواجهن فعلا، أو يتعرضن لضغوط لقبول بذلك، و1.17 في المئة منهن كن ضحية للخيانة الزوجية.
واستنتجت الدراسة أن عددا من القاصرات يتعرضن لعنف آخر أشد خطورة، يتمثل في حرمانهن من أولادهن من طرف الزوج أو عائلته، في محاولة للضغط على القاصر أو ابتزازها، أو أنها تضطر إلى التخلي عنهم بـ «إرادتها» بسبب عدم قدرتها على الاعتناء بهم.
وأضافت أن 22.30 في المئة من القاصرات تعرضن للأنواع التقليدية من العنف (العنف النفسي، والجسدي، والجنسي، والاقتصادي) وأن 10.48 في المئة من القاصرات تعرضن للطرد من بيت الزوجية.

المنظمات غير الحكومية

وإذا كان قانون الأسرة المغربي، المعتمد في 2004 يحدد الأهلية الزوجية في 18 سنة، فإن المادة 20 من القانون نفسه تمنح قضاة محكمة الأسرة الحق في إجازة زواج القاصرين. وهو إجراء تشريعي تشجبه المنظمات غير الحكومية النسوية وحتى المؤسسات الرسمية مثل «المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي» الذي يدعو إلى إلغائه.
سميرة موحيا، رئيسة «فيدرالية رابطة حقوق النساء بالمغرب» قالت إن الخطوة التي قام بها حزب «التقدم والاشتراكية» تمثل مطلبا من مطالب الحركة النسائية في البلاد، وواحدا من المطالب الأساسية المسطّرة في مذكرة الرابطة المطلبية.
وثمَّنت المتحدثة ضمن حديثها لـ «القدس العربي» مقترح القانون، موضحة أن السير العادي لأي تغيير داخل المجتمع يمر عبر تبنِّي الأحزاب لمطالب الجمعيات الحقوقية وأخذها على محمل الجد. وأبرزت موحيا أن المكان الطبيعي للقاصرات هو المدرسة، مؤكدة أنهن بحاجة للرعاية والاهتمام، وأن الفتيات لسنَ حلاُّ للمشاكل التنموية في القرى والبوادي، حيث يتم تسخيرها للعمل المنزلي أو تزويجها من أجل الإنقاص من مصاريف البيت، لتعود لاحقا رفقة طفلين أو أكثر ما يتسبب في إنتاج مضاعف للهشاشة على جميع المستويات.
وشددت الناشطة المغربية في مجال حقوق النساء، أن الغاية الأسمى في مغرب 2022 هي المطالبة بتغيير شامل لمدونة الأسرة، بعيدا عن سد الثغرات أو الحلول الترقيعية، بل تبنِّي مبادرات أكثر شمولية وثقلا تُعيد للمرأة اعتبارها وتصون كرامتها داخل الأسرة والمجتمع.
وختمت كلامها بالقول: «نريد تعديلات حقيقية تعتبر المرأة شريكا، ولها إرادة كاملة في تسيير شؤون أبنائها».
ومنذ بضعة أشهر، أنجزت وكالة الأنباء الفرنسية تحقيقا عن الموضوع، حيث قدمت نماذج من الظاهرة المقلقة. «عشت في الجحيم. لكن الكابوس صار الآن خلفي» تتذكر نادية بصوت مرتجف قصة زواجها وهي في السادسة عشرة من عمرها، ولكنها استطاعت استرجاع توازنها النفسي والحياتي، في قرية نائية في البلاد، حيث ما تزال ظاهرة زواج القاصرات مستمرة.
نادية التي تبلغ من العمر الآن 20 عامًا، تقول «كنت متزوجة من رجل في سن والدي». بعد عام من زواجها، تمكنت المراهقة من تطليق زوجها العنيف. وهي تتابع حاليًا برنامجًا لمحو الأمية. وتؤكد «حلمي هو أن أكون مستقلة، أشجّع فتيات القرية على القيام بالعمل نفسه».
نجاة إخيش، الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، ترأس جمعية «يطو» التي تعنى بالنضال من أجل الحد من زواج القاصرات منذ أكثر من عشر سنوات. تقول «هذه المأساة لها أبعاد كبيرة في المناطق النائية وغير الساحلية والمهمشة، ما دفعنا إلى تنظيم قافلة التوعية السنوية في الأرياف لا سيما في منطقة سوس ماسة الناطقة باللغة الأمازيغية».
وتستعد حاليا لتنظيم «قافلة» جديدة في 15 تموز/يوليو، بمشاركة عدد من المتطوعين، من أجل توعية السكان بالمشكلات القانونية والطبية والاجتماعية والنفسية التي تطرحها ظاهرة الزواج القسري بالقاصرات. ويشمل برنامج القافلة إقامة لقاءات توعية وتوزيع التبرعات على الفئات الأكثر حرماناً.
وتشرح الناشطة إخيش أن عمل منظمتها شديد الدقة، لأن الموضوع من «التابوهات» ومن الضروري كسب ثقة محاورينا، وقبل كل شيء الاستماع إليهم، وفق قولها.
كما توضح كريمة الركراكي، منسقة مؤسسة «يطو» في جنوب البلاد، أن تثقيف المرأة وتطوير استقلاليتها هما ركيزتان أساسيتان في مكافحة زواج القاصرات. وهذه الخمسينية لم تطأ المدرسة، وتزوجت في الرابعة عشرة من عمرها، كان عليها أن تقاتل للخروج من «الظلام». تقول: «لقد خرجت منه من خلال المشاركة في النشاط التطوعي، إذ قررت أن أكرس حياتي لمساعدة فتيات المنطقة».

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: