بين المغرب والجزائر… متى تطوى صفحة التناحر؟

بولحية

هذا العام وخلافا لما حصل في سنوات سابقة عيّد المغاربة والجزائريون في يوم واحد. وهذا الأمر قد يبدو وسط التجاذبات والانقسامات الحادة التي تعرفها علاقة الجارين، ولو على الصعيد الرمزي، علامة إيجابية، لكن حتى إن كانت ذاكرة البعض منهم قصيرة فلن يكون بمقدور المغاربة والجزائريين أن ينسوا أن تعاونهم وتضامنهم وتآزرهم هو الذي عجل قبل أكثر من ستين عاما من الآن باندحار الفرنسيين من الشمال الافريقي عسكريا على الأقل. غير أن شركاء النضال في الماضي ضد المستعمر ضيعوا، وللأسف، سنوات طويلة ومريرة من العبث والتناحر العقيم، وفوتوا على أنفسهم وعلى باقي شعوب المنطقة المغاربية فرصا ثمينة ومهمة كان يمكن أن تغير كثيرا من الوضعيات، لمجرد أن كل واحد منهما تمسك بالسعي الحثيث، وأحيانا بشتى الطرق لإظهار تفوقه وتميزه واختلافه الجذري عن الآخر.
والمؤلم حقا أنه وفي آخر حلقات وفصول ذلك المسلسل الطويل والمرّ، وضع المغاربة أيديهم بأيدي الإسبان للتعاون معا على سد حاجاتهم من الطاقة، في ما ظلوا عاجزين عن فعل ذلك مع جيرانهم الأقربين، أي الجزائريين، ولعله سيكون بمقدور خبراء الطاقة هنا، أن يتحققوا جيدا ويعرفوا إن كانت إسبانيا لم ترسل بالفعل أي متر مكعب من الغاز الجزائري الذي اشترته إلى الرباط، مثلما أكدت ذلك حكومة مدريد، بعد أن تلقت الأربعاء الماضي تحذيرا شديد اللهجة من وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية من أن» أي كمية من الغاز الجزائري المصدرة إلى إسبانيا تكون وجهتها غير تلك المنصوص عليها في العقود، ستعتبر إخلالا بالالتزامات التعاقدية، وقد تفضي بالتالي إلى فسخ العقد الذي يربط سونطراك، أي شركة الغاز والبترول الجزائرية بزبائنا الإسبان»، حسبما جاء في بيان الوزارة الجزائرية.

الأمل الوحيد للتقارب بين البلدين ربما هو في أن تصحو النخب في المغرب والجزائر وتدفع بقوة نحو مسار المصالحة العاجلة بينهما

لكن من سيكون باستطاعته أن يحصل على يقين تام من أن دماء قسم كبير من الجزائريين لم تختلط بدماء المغاربة، أو أن يثبت أيضا أن دماء قسم كبير من هؤلاء لم تتمازج بدورها مع دماء الجزائريين؟ وهنا قد يقول قائل، وما علاقة هذه بتلك؟ أليس تصرف الجزائريين في ملف الغاز على ذلك النحو هو أمر سيادي لا خضوع فيه للغة العواطف والمشاعر، بقدر أن المحدد الأساسي والوحيد له هو تقدير المصالح والخيارات؟ لكن من قال إن الأمرين يتعارضان أو يتناقضان بالضرورة مع بعضهما بعضا؟ أليست الروابط الأخوية هي أقصر طريق لتحقيق وتأمين المصالح وضمان تواصلها واستدامتها؟ لقد سبق للرئيس الجزائري أن قال في حواره التلفزيوني الأخير مع صحافيين محليين إنه «يطمئن الشعب الإسباني فالجزائر لن تتخلى عن تعهداتها بخصوص تزويد إسبانيا بالغاز مهما كانت الظروف». فما الذي كان سيحصل مثلا لو أنه قال أيضا، وفي عز الأزمة مع المغرب، وبعد إعلان القطيعة الدبلوماسية معها، إنه يطمئن الشعب المغربي بأنه لن يكون هناك أي تأثير لذلك القرار السياسي على الروابط والعلاقات الأخوية الوثيقة بينه وبين شعب الجزائر؟ إن أهم ما كان سيؤدي إليه مثل ذلك الإعلان هو أنه كان سيسمح بإبقاء الخلاف بين العاصمتين المغاربيتين في حدوده الدنيا، أي كمجرد تعارض في وجهات النظر وفي التصورات والمواقف والرؤى السياسية بين قطرين شقيقين، بدلا من أن يأخذ حجما أكبر وأوسع من ذلك بكثير. والسؤال الأهم هو، ما الذي جعل الأمور تنحدر بسرعة قياسية، ربما إلى الحد الذي باتت فيه مظاهر العداء الواضح والصريح هي السمة الأبرز اليوم في علاقة البلدين المغاربيين؟ لا شك في أن الإجابة عن ذلك ليست بالسهولة التي قد يتصورها البعض، فهي عادة ما تفتح الباب واسعا للطرفين لتبادل الاتهامات بين بعضهما بعضا، وإلقاء كل واحد منهما المسؤولية على الوضع الذي وصلته، على الآخر. ولعله كان من اللافت أن العاهل المغربي سعى قبل نحو عام من الآن، وفي الكلمة التي ألقاها في ذكرى جلوسه على العرش، إلى إحداث اختراق في حالة الجمود التي كانت قائمة بين البلدين، حين جدد «الدعوة الصادقة إلى أشقائنا في الجزائر للعمل معاً دون شروط، من أجل بناء علاقات ثنائية أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار، ذلك لأن الوضع الحالي لهذه العلاقات لا يرضينا وليس في مصلحة شعبينا وغير مقبول من طرف العديد من الدول» مثلما جاء في نص خطابه، وأكد أنه لا يريد أن يعاتب أحدا، أو أن يعطي دروسا لأحد وإنما «نحن أخوة فرّق بيننا جسم دخيل لا مكان له بيننا» على حد وصفه. وقد أثبت عدم تحمس الجزائريين للمبادرة المغربية، رغم أنها لم تكن مشروطة، ولم تقتصر على البحث في ملف دون آخر، أن المعضلة الكبرى هي غياب الثقة وعدم اطمئنان الطرفين لبعضهما بعضا. وهذا ما يطرح السؤال عن السبب الأصلي الذي يمكن أن يقف وراء ذلك، وعما إذا كان هناك دور ما لطرف ثالث، سبق أن وصفه العاهل المغربي بالجسم الدخيل، وهو الذي قد يكون سعى إلى تسميم تلك العلاقة واستمر في الوقوف حتى اليوم أمام أي تقارب أو مصالحة بين الجارين؟ ولعل جزءا من الجواب عن ذلك قد يظهر من خلال التفاعل الإقليمي والعربي بالخصوص مع الخلافات الجزائرية المغربية التي كادت في أكثر من مناسبة أن تصل بالبلدين إلى حافة الحرب، وتضع المنطقة بأسرها أمام مخاطر وتحديات بالغة الخطورة. فالسبات العربي هنا يبدو مريبا جدا وغير مبرر أو مفهوم بالمرة، ففيما ارسلت الجامعة العربية مثلا، وقبل أسابيع، وفدا وزاريا إلى موسكو «لإجراء مباحثات مع الجانب الروسي حول سبل التوصل إلى حل للازمة الأوكرانية التي يشهد العالم حاليا تداعياتها الخطيرة، خاصة على الصعيد الإنساني»، لم يخطر ببال مسؤوليها حتى الآن أن يرسلوا ولو بالمثل وفدا وزاريا إلى أكبر بلدين عربيين في الشمال الافريقي لا تزال الحدود بينهما مغلقة منذ أكثر من عقدين، وعلاقتهما الدبلوماسية مقطوعة منذ الصيف الماضي، فيما توشك الخلافات المستمرة بينهما على أن تقطع حتى أواصر القربى والأخوة والجوار بين شعبيهما. ومن الواضح أنه كانت هناك وبلا شك محاولات من بعض الدول، غير أنها بقيت ضيقة جدا ومحدودة، وكأن هناك ما يشبه الفيتو الدولي أمام أي مسعى عربي أو إقليمي جماعي لدفع الجزائريين والمغاربة إلى الجلوس معا إلى طاولة الحوار والتفاوض لحل كل الملفات العالقة بينهما.
وأمام ذلك ما الذي بات بالإمكان فعله إذن؟ إن الأمل الوحيد ربما هو في أن تصحو النخب في المغرب والجزائر وتدفع بقوة نحو مسار المصالحة العاجلة بين البلدين، فحتى إن تواصلت القطيعة الدبلوماسية واستمر إغلاق الحدود، وانسدت قنوات التواصل بين المسؤولين وتعطل الحوار بينهما، فإنه ينبغي أن لا يحول ذلك دون أن يتواصل المثقفون والإعلاميون ورجال الفكر والعلم والرأي في ما بينهم، ولعل تبادل التهاني الصادقة بالعيد الذي احتفل به المغاربة والجزائريون هذا العام في يوم واحد قد يكون اليوم مدخلا مناسبا لذلك.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: