الجزائر والصحراء: عُقمُ السياسة من عُقم العقول

الصراف

العقيم في “معجم المعاني” هو ما لا يلد ولا ينفع ولا يغني صاحبه شيئا. ويقال عَقَمَتِ الْمَرْأَةُ أو الرجل أي كَانَا لا يلدان. وعَقَّمَ الْمُتَحَدِّثَ أي أَسْكَتَهُ. وعَقَّمَ الشيءَ أي أَباد ما فيه من الجراثيم الضارة كي لا تتوالَدَ فيه وتتَكاَثر. وعَقُمَ: فعل. والجمع: عُقَمَاءُ، وعِقامٌ. وجمع عقيمٌ: عقائمُ، وعُقُمٌ. وريحٌ عقيم، أي لم تأتِ بمطر. ويومٌ عقيمٌ أي لا هواءَ فيه. وعَقْلٌ عقِيم أي لا خَير فيه ولا ثمرةَ منه. وخلافات عقيمة أي لا نفع من ورائها ولا من أمامها ولا من جوانبها الأربعة الباقية، يمينا ويسارا، وفوق وتحت.

وهذا ما قصدته إسبانيا عندما قالت إنها “لا تريد تأجيج خلافات عقيمة” مع الجزائر. إذ لا بد أنها نظرت إلى الخلف، فقالت تركنا الاستعمار ولا نريده أن يبقى يُلاحقنا. ونظرت إلى الأمام، فلم تجد إلا الضرر من أزمة إذا طالت. ونظرت يسارا فلم تجد أخلاقيات في بقاء مشكلة تتقد نيرانها بجدل عقيم. ونظرت يمينا فلم تجد ما يبرر الانشغال بقضية سقيم. ونظرت تحت، فقالت نعالج مشاكلنا أولا. ونظرت فوق، فلم تجد أفقا جديرا بالتعلق به في قضيةٍ أهلُها أولى بحلها.

وبينما الاستمرار في تصدير الغاز إلى إسبانيا هو شيء مفيد، وذو دلالة عندما يُقارن بوقف التصدير إلى جار وشقيق، فإن الجدل الجزائري المتعلق بموقف إسبانيا لصالح خطة الحكم الذاتي للصحراء المغربية، لا طائل من ورائه. وهو مما وضعه وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بجملة وحيدة قالت إن “إسبانيا اتخذت قرارًا سياديًا في إطار القانون الدولي وليس هناك شيء آخر يمكن إضافته”.

والأزمة المفتعلة بشأن مستقبل الصحراء واحدة من آخر عقائم الأشياء منذ أن استعاد المغرب سيادته على أرضه المحتلة مباشرة بعد زوال الاستعمار. ولو جاز لكل قبيلة أن تتحدى سيادة دولها لكي تقيم “جمهورية” خاصة بها، لأصبحت الجزائر نفسها أربع أو خمس جمهوريات تخوض مع بعضها البعض نزاعا عقيما.

العقول العقيمة هي التي لا تنتج أفكارا جديدة. والعاقمُ العَقوم، على وزن فاعل فعول، هو الذي يعقم سواه، لينقل ضرره إليه

ولقد أثبتت العقود الخمسة الماضية أن النزاع في الصحراء لم يثمر شيئا من جهة دعم الجزائر لجبهة بوليساريو، بينما أثبتت نماء ورخاء من جهة المغرب لسكّان هذا الجزء من البلاد، لأن الرباط لم تتبن حيالهم سياسة عقيمة. وما يزال بالإمكان أن تندفع مشاريع التطوير والاستثمار لتجعل من الصحراء نموذجا حيا للعمران الاقتصادي والاجتماعي الذي يورث أهله الرفاه والغنى.

والعقمُ ظاهرٌ في المقارنة بين مدن الصحراء المغربية، وبين جمهورية تندوف الجزائرية التي ظلت قرية لا تُنجب إلا الدوران في الفراغ، وتعجز عن أن تلد مخرجا من الحيرة بين “كفاح مسلح” لا نفع فيه، وبين المطالبة باستقلال لا يدعمه إلا الذين عقمت عقولهم عن النظر إلى الجانب العملي والمفيد في العلاقة بين بلدين شقيقين.

والحركات السياسية تكون عقيمة عندما تبقى في مواضع أفكارها المسبقة، بينما الواقع يميد من تحت أقدامها وتتغير موازينه، فيلد أوضاعا جديدة تتطلب تفكيرا جديدا ونظرة لا تتجمد على موقف “ثابت”. وكل ما يثبت يُصبح عقيما ويموت عندما لا يأخذ بما يتغير من حوله، فيجوز تشييعه.

ومن ظاهر الأمور وباطنها أن داعما عقيما حيال قضاياه ومصائره، لا يمكنه أن يكون غير ذلك حيال قضايا ومصائر الآخرين.

والكل يفهم أن جيلا من العقم السياسي في الجزائر هو الذي عقم نفسه على خيار عقيم، تارة لاعتبارات توسعية وأطماع في أراضي الغير، وتارة لأسباب داخلية لكي تُبرز صراعات وهمية تدور من حولها “المواقف المبدئية”، وتارة ثالثة لأغراض شخصية أو نسيج ارتباطات ومصالح شديدة الضيق.

وهذا الخيار لم يثبت أنه أثمر شيئا مفيدا للجزائر، ولا للعلاقات مع المغرب، ولا لشعب جمهورية تندوف.

إسبانيا نظرت إلى مصالحها مع المغرب. وهذا هو الشيء الطبيعي في العلاقات مع الدول. لأنه رحم ولُود لمنافع متبادلة وعلاقات تعاون واستثمارات ومشاغل تمضي يوما بيوم مع مشاغل الحياة وتطوراتها.

بينما لم تخرج الجزائر مما تسميه “موقفا أخلاقيا” وحولته إلى حجر عثرة لمصالحها ولمصائر اللاجئين في مخيمات تندوف، الذين لا أقامت لهم وطنا ولا سمحت لهم بالعودة إلى وطنهم. أو بما يعني “لا أرحمك، ولا أدع رحمة ربنا تنزل عليك”.

لم ينجح عُقماء السياسة في الجزائر في أن يخرجوا من هذه الأزمة المفتعلة، لكي لا يخرجوا من دوامة الفشل المؤسسي الداخلي الذي لم يراع مصالح شعبهم

والعقمُ في هذا الموقف ظاهرٌ في أنه لم يحقق تقدما في السياسة ولا التنازع العسكري، ولا في إيجاد حل لأزمة اللجوء. ليكشف عن نفسه أنه عقمٌ غير أخلاقي، من الأساس.

وتتعثر الجزائر بالعقم عندما تقرن علاقاتها الخارجية بأمر عقيم. لا هي نظرت إلى مصالحها الخاصة، ولا هي حررت إرادتها من القيد به. إذ ما كان من المناسب أن يقترن تصدير الغاز إلى إسبانيا، وهو مصلحة مشتركة، بأي إشارة تتعلق بالصحراء. على الأقل يمكن للعاقل أن يقول: هذا شيء وذاك شيء آخر. هذا يتعلق بمنافع، وذاك يتعلق بما لا نفع فيه.

والأمر نفسه ينطبق على التجارة مع المغرب. فلا منطق في أن يستمر وصول الغاز إلى إسبانيا، لاعتبارات مصالح، بينما يتوقف عن المغرب لاعتبارات أخرى. هذه فوضى ذهنية على الأقل، وغير أخلاقية لأنها تكيل للغريب بمكيال وتكيل بغيره للشقيق.

ولم ينجح عُقماء السياسة في الجزائر في أن يخرجوا من هذه الأزمة المفتعلة، لكي لا يخرجوا من دوامة الفشل المؤسسي الداخلي الذي لم يراع مصالح شعبهم، وشبابهم على وجه الخصوص، ولم يأخذ بحلول مقبولة للأزمات التي ظلت تتراكم حتى انفجر الناس مطالبين بالتغيير.

ولكن الناس أنفسهم لم يلاحظوا أن “التغيير” لو كان من طبائع العقماء ما كان ليبقى عقيما، حيث انتهى بتبادل الكراسي، داخل الدائرة العقيمة نفسها.

ولقد كان يوما عقيما طويلا عندما بقيت الأزمة تمتد بين بلدين جارين لكي تتحول إلى إعاقة مصطنعة، أو كمن يطلق النار على رجليه لكي يشكو من عجزه عن المشي على مدى زاد عن خمسين عاما. ولم تحمل الريح العقيم مطرا لا للجزائر ولا لجمهورية تندوف الاشتراكية الديمقراطية الشعبية. وظلت العقائم تعقم بعضها بعضا بموقف تتوارثه أجيال عقمت قدرتها على الخروج من الصندوق الخشبي الذي وجدت نفسها فيه. فلم تلاحظ أن العقم نظيرٌ ليس لانقطاع النسل وحده، وإنما لانقطاع العلاقة مع الحياة. وما الصندوق الخشبي إلا تابوت لأي قضية يسوسها الذين اختاروا العقم لكي يمنعوا التغيير.

وكل ما ينقطع، فهو عقيم. والعقول العقيمة هي التي لا تنتج أفكارا جديدة. والعاقمُ العَقوم، على وزن فاعل فعول، هو الذي يعقم سواه، لينقل ضرره إليه.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: