ما الذي أخر حل الأزمة المغربية الإسبانية؟

بولحية

ما الذي جعلها وعلى عكس كل التوقعات والتقديرات تستمر؟ وما الذي حال حتى الآن دون أن تعود المياه بين الرباط ومدريد إلى مجاريها؟ لعل جزءا من الجواب يتحدد بسؤال آخر وهو، ما الذي جعل الأزمة بين البلدين تظهر في الأصل؟ ألم يكن موقف مدريد من الصحراء، خصوصا بعد الاعتراف الأمريكي بمغربيتها أواخر العام قبل الماضي، هو الذي جعل العلاقات المغربية الإسبانية تنحدر إلى أدنى مستوياتها، وتوشك على الوصول بهما إلى شفا القطيعة؟ فهل تغير ذلك الموقف لتصبح تلك العودة ممكنة؟
وإن كانت الأسباب تزول بزوال مسبباتها، فكيف يمكن أن يغلق قوس أزمة ما زال فتيلها مشتعلا؟ ربما كان من المنطقي جدا أن يقال ذلك في وقت تصرف فيه الألمان، ولو في سياق مغاير، مع أزمتهم مع المغرب بكثير من البراغماتية، وأوقفوا ببيان واحد أصدرته خارجيتهم كرة الثلج التي بدأت بالتدحرج، وتوسيع ما وصف لاحقا في برلين بسوء الفهم بينهم وبين الدولة المغاربية، فهل عجز الإسبان عن أن يفعلوا مثلهم؟ لا تبدو الأمور بتلك البساطة، فالخلاف بين العاصمتين لا ينحصر في ذلك الملف وحده، أي ملف الصحراء، على ما يمثله من حساسية شديدة، بل يتعداه إلى مسائل أخرى ربما تترك الآن في الظل.

الهاجس الذي يحرك الإسبان هو خوفهم من أن يتحول المغرب إلى قوة إقليمية تشكل تهديدا لهم، لذا يرغبون بأن لا تتوقف الخلافات بين المغرب والجزائر

وما لفت انتباه كثيرين، أنه رغم الأنباء التي تحدثت طوال الشهور الأخيرة عن قرب عودة كريمة بنيعيش إلى مقر عملها في إسبانيا، ووصلت أحيانا حد التأكيد على أن رجوعها إلى هناك بات مسألة أيام لا غير، إلا أن السفيرة المغربية المعتمدة في مدريد، بقيت في الرباط منذ مايو الماضي، تاريخ استدعائها من الخارجية المغربية «للتشاور» في أعقاب تعبير السلطات الإيبيرية عن «الاستياء» والرفض للتطورات التي حصلت حينها في جيب سبتة المحتل. وليس ذلك وحده هو ما قد يبعث اليوم على التساؤل عن مصير العلاقة بين البلدين، أو عن التقدم الذي تردد أنه قد تم في التطبيع بينهما، بعد الهزة الشديدة التي حصلت بينهما ربيع العام الماضي، بفعل التداعيات التي خلفها استقبال السلطات الإسبانية، وبشكل سري لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي على الأراضي الإيبيرية. والواقع أن حدثين وقعا مؤخرا وجعلا ذلك السؤال يبدو أكثر إلحاحا. ففي أواخر نوفمبر الماضي، نقلت صحيفة «الباييس» عن مصادر دبلوماسية قولها، إن وزارة الخارجية الإسبانية سلّمت القائم بالأعمال في السفارة المغربية في مدريد، مذكرة احتجاج على قيام المغاربة بإنشاء مزرعة أسماك بالقرب من الجزر الجعفرية، التي تحتلها إسبانيا، معتبرة ذلك الإجراء انتهاكا غير مقبول لمياهها الإقليمية، وأنه يمكن أن يشكل خطرا على سلامة الملاحة، وقد يعرض البيئة البحرية للتهديد. ولم يعرف رد الرباط على ذلك، أو ما إذا أمكن تطويق الإشكال نهائيا أم لا؟ غير أنه لم يكد يمضي شهر واحد على ذلك الاحتجاج، حتى ظهر على الجهة المقابلة آخر، حين أصدرت وزارة الصحة المغربية بيانا وجهت فيه الاتهام لإسبانيا بضعف مراقبتها لاختبارات رصد كورونا، معتبرة «هذه الوضعية للسفر من إسبانيا إلى المغرب تشكل خطرا على صحة المواطنات والمواطنين المغاربة، وضرباً للمكتسبات الصحية التي حققتها بلادنا» مثلما جاء في نص البيان، ما أدى إلى قيام الخارجية الإسبانية باستدعاء القائم بالأعمال المغربي في مدريد، لإبلاغه مذكرة احتجاج شفوية على بيان وزارة الصحة المغربية. والسؤال هنا ما الذي يعنيه ذلك؟ لا شك بأن ظهور بعض الخلافات مجددا على السطح، يدل بوضوح على أن البلدين قد فشلا في التوصل لتفاهم على شروط اتفاق جديد يسمح لهما بطي صفحة وفتح أخرى في علاقتهما. لكن ما الحاجز الذي منعهما من الوصول لتلك الغاية؟ ألم تكن كل الدلالات تشير منتصف أغسطس الماضي، إلى أن طريق التطبيع بينهما بات مفتوحا وسالكا، خصوصا بعد أن قال العاهل المغربي في خطابه في ذكرى ثورة الملك والشعب «إننا نتطلع بكل صدق وتفاؤل لمواصلة العمل مع الحكومة الإسبانية ورئيسها بيدرو سانشيز، من أجل تدشين مرحلة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين البلدين، على أساس الثقة والشفافية والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات»؟ ثم بعد أن رد عليه الأخير بعدها بأيام قليلة في لقاء صحافي بالتأكيد على أنه «مع كل أزمة تتولد فرصة» وأن «خطاب العاهل المغربي يشكل فرصة سانحة لإعادة تحديد العلاقات بين البلدين والركائز التي تقوم عليها» وإنه «على الثقة والاحترام والتعاون الحاضر والمستقبلي، يمكننا بناء علاقات أقوى من تلك التي تجمعنا حاليا؟».
من المؤكد أن عدة مؤشرات إيجابية ظهرت الصيف الماضي، فلماذا توقفت عند ذلك الحد؟ وما الذي اشترطه كل طرف على الآخر حتى تفتح في علاقتهما ما وصفها العاهل المغربي بـ»المرحلة الجديدة وغير المسبوقة»؟ إن مفاهيم الثقة والشفافية والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات، التي أشار إليها الملك محمد السادس، ترتبط بمعطى آخر، عبّر عنه في فقرة لاحقة من الخطاب نفسه قال فيها، إن هدف الرباط «لم يكن الخروج من هذه الأزمة فقط، وإنما أن نجعل منها فرصة لإعادة النظر في الأسس والمحددات التي تحكم هذه العلاقات» وإن المغرب «تغير فعلا، لكن ليس كما يريدون، لأنه لا يقبل أن يتم المس بمصالحه العليا، وفي الوقت نفسه يحرص على إقامة علاقات قوية بناءة ومتوازنة، خاصة مع دول الجوار» وإن هذا المنطق هو الذي يحكم «توجهنا اليوم في علاقتنا بجارتنا إسبانيا» على حد تعبيره، ما يدل على أن الرباط لم تعد تقبل بما فرضته موازين القوى في السابق، بل صارت تتطلع لأكثر من مجرد مطالبة مدريد بالتخلي عن سياسة الغموض التي تنتهجها في الملف الصحراوي، وهو أن تتعامل معها بقدر من الندية ومن الاحترام لمصالحها العليا، التي لا يشك أحد في أن جزءا منها يكمن في استكمال سيادتها على باقي أراضيها، بما فيها تلك التي لا يزال يحتلها الإسبان. ومن الواضح أن ذلك لم يغب أبدا عن بال المسؤولين الإيبيريين.
غير أن السؤال هو، هل إنهم فهموا دعوة العاهل المغربي الصيف الماضي لفتح صفحة جديدة بشكل خاطئ؟ أم أنهم أرادوا اختبار عزم المغاربة وإصرارهم على فرض معادلة أخرى في علاقتهم بهم؟ إن الهاجس الذي لا يزال يحركهم هو خوفهم من أن تتحول جارتهم إلى قوة إقليمية قد تشكل تهديدا لهم، ولأجل ذلك فهم يرغبون بأن لا تتوقف الخلافات بين المغرب والجزائر، حتى لا يهتم المغاربة بالأراضي والجزر التي تحتلها مدريد. وليس من العبث أن تشدد «الاستراتيجية الأمنية الجديدة للأمن القومي» التي صادقت عليها الحكومة الإسبانية أواخر العام الماضي على أن «علاقة إسبانيا بالمغرب والجزائر هي علاقة صداقة، من منطلق التعاون المخلص واحترام الحدود الثنائية». أما هل يعني ذلك أن الأزمة ستستمر لأمد طويل ومفتوح، فمن الواضح أن الطبخة التي ترضي الطرفين باتت بحاجة لوقت إضافي.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: