صراع الديكة في المغرب بين وزير وبرلماني … وفرعون الجديد يبشر بسجن 5 نجوم!

الطويل

تذكّر المغاربة النعتَ الذي أطلقه العاهل الراحل الحسن الثاني على البرلمان حين وصفه بـ»السيرك»، إشارة إلى ابتعاده عن مناقشة القضايا التي تهم المواطنين والاقتصار على التنابز والسجال الكلامي بين البرلمانيين وأعضاء الحكومة.
تكرر المشهد في بداية الأسبوع الجاري، وتابعه الناس عبر شاشات التلفزيون. والذين لم يشاهدوه على الهواء مباشرة، نقلته لهم المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. وتيقّن المتحمسون للأغلبية الحكومية الحالية أنه «ليس في القنافذ أفلس»، فقضايا المواطنين أبعد عن انشغالات النخبة السياسية التي تجعل من البرلمان فرصة لتصفية الحسابات الحزبية والشخصية أحيانا، واستعراض «الفحولة» الكلامية، في محاولة للظهور أمام الرأي العام بمظهر المنتصر على الخصم السياسي.
بدأت القصة حين طرحت نائبة برلمانية سؤالا بالأمازيغية على وزير العدل عبد اللطيف وهبي، ليجيب قائلا إن السؤال مطروح بأمازيغية «تاشلحيت» التي لا يفهمها، في حين أنه يتحدث بالأمازيغية «السوسية»، وبالتالي لن يقدم إجابة، لكونه لم يفهم السؤال. وفي ذلك إشارة إلى اختلاف اللسان الأمازيغي بين ثلاث مناطق في البلاد، علمًا أن الدستور المغربي أقرّ بالطابع الرسمي للأمازيغية إلى جانب اللغة العربية.
لكن، هل كانت البرلمانية، وهي تطرح السؤال تروم غاية تواصلية مع المواطنين الذين لا يفهمون العربية؟ أم حرّكتها دوافع سياسية؟
ومع ذلك، فإن جواب وزير العدل زاد المسألة التباسا، فتلقفها نائب برلماني ووزير سابق ينتمي إلى حزب «الحركة الشعبية» المعارض، هو محمد أوزين، ليشن هجوما على خصمه السياسي، بالقول إن المطالبة بترجمة اللغة الأمازيغية «سُبّة» بحق الهوية وبحق وثيقة دستورية كانت موضوع تعاقد بين المغاربة.
وواصل انتقاده بالقول إنه يتمنى من وزير العدل «الذي بشّرنا مؤخرا أنه يعرف رائحة جوارب المغاربة» أن يعرف التحدث باللغة الرسمية.
هنا، جاء ردّ الوزير على البرلماني أكثر لسعا وإيلاما، بالقول: «المحاكم التي سنبنيها في مناطق القاضي المقيم ستكون مبنية بإتقان، حتى لا تغرق في الماء عند نزول المطر مثل الملاعب.»
من لا يتابعون الشأن المغربي المحلي قد تظهر لهم هذه الجمل القدحية المتبادلة غارقة في الغموض والألغاز والطلاسم. لذلك، يحتاج الأمر لبعض تفسير:
عبد اللطيف وهبي وزير للعدل، وفي الآن نفسه يرأس بلدية مدينة تارودانت جنوب البلاد. وخلال افتتاح مجمع ثقافي في هذه المدينة خاطب مندوب وزارة الثقافة معاتبا بالقول «أنا أعرف عنك كل شيء، بل أعرف حتى لون الجوارب التي ترتديها»؛ (مستعملا العبارة المغربية العامية «التقاشر»).
أما حكاية (مطر الملاعب) التي لمّح إليها الوزير في جوابه، فترجع إلى ما وقع في ملعب «الأمير مولاي عبد الله» بضواحي العاصمة الرباط خلال احتضان المغرب لكأس العالم للأندية عام 2014 حين كان النائب البرلماني محمد أوزين وزيرا للشباب والرياضة، حيث تسببت الأمطار التي تهاطلت بغزارة في إغراق أرضية الملعب، فما كان من اللجنة المنظمة سوى أن استعانت بأدوات تقليدية شبيهة بتلك التي تستعمل في تنظيف بلاط المنازل، والتي يطلق عليها في المغرب «الكرّاطة».
وتناقلت القنوات التلفزيونية العالمية المشهد الذي جعل البلاد مسخرة أمام الناس، ما تسبب لاحقا في إعفاء وزير الشباب والرياضة من مهامه، وصار معروفا عند المغاربة بـ»وزير الكرّاطة»، وأمست اللازمة بمثابة «لعنة» تطارده في الحل والترحال.
محمد أوزين ذكّر غريمه عبد اللطيف وهبي بحكاية الجوارب، فذكّره الثاني في الحال بحكاية «الكرّاطة». وكما قيل: «واحدة بواحدة»!
ترك المغاربة كل همومهم، من زيادات متتالية في المواد الاستهلاكية، ومعاناة مع القيود التي فرضتها الحكومة السابقة والحالية بدعوى الاحتراز ضد «كوفيد»، وأزمات الصحة والتعليم والشغل وغيرها… وصاروا يتفرجون على مهزلة التلاسن وصراع الديكة بين وجهين سياسيين أعطيا الانطباع بكونهما لا يتقنان سوى الهجاء!

يكاد المريب يقول خذوني إلى «وادي النطرون»!

هللت التلفزيونات المصرية، وأقامت «الزفة» العظمى، وهي تبشر العالم بأضخم إنجاز في عهد فرعون الجديد: مجمع فندقي من فئة خمس نجوم. وكاد مقدمو البرامج والنشرات الإخبارية في القنوات العامة والخاصة يطيرون من الفرح، وهم يعدّدون محاسن المجمع الجديد الذي سيكون بديلا للسجون التقليدية، حيث أطلق عليه «مركز لإصلاح وتأهيل السجناء». ومن كثرة الإطراء في حق هذا «الإنجاز العظيم» كاد كل إعلامي مطبّل للنظام أن يقول «خذوني لهذا المجمّع السجني الكبير!» كما أن الكثير من الناس «الغلابة» صاروا يفكرون في ارتكاب جنح أو جرائم، على الأقل لضمان حجز مناسب وسريع ومجاني لهم في «المجمع الفندقي وادي النطرون الجديد»، عفوا المجمّع السجني الذي تتوفر فيه شروط الحياة السعيدة!
الأبواق الرسمية قالت إن هذا افتتاح هذا المشروع يندرج ضمن «استراتيجية مصر الجديدة لحقوق الإنسان».
صدقوها يا ناس، «فإن القول ما قالت حذام» على رأي المثل العربي القديم!
حسنًا، ما هي خدمات المجمع الجديد المبني بـ«مواصفات عالمية»؟ رعاية صحية، حرف يدوية، تغذية ملائمة، تهيئة نفسية، حصص رياضية… والعهدة على الإعلام المصري الذي أضاف إلى هذه التوابل قوله: من الآن، لن يسمّى السجين سجينا، بل سيطلق عليه «نزيل»، على غرار نزلاء الفنادق طبعا!
قناة «بي بي سي» عربية اهتمت بالموضوع، على سبيل التعليق والسخرية والمعلومة، وأشارت إلى أنه في عام 2011 أنشأت مصر 35 سجنا جديدا، ليصل عدد إجمالي السجون إلى 78 وزادت على ذلك أن عدد السجناء السياسيين بلغ 60 ألف سجين، حسب تقارير حقوقية، خالصة إلى القول إن الإدارة الأمريكية علّقت جزءا من المساعدات المالية المرصودة لمصر، شريطة الكف عن ملاحقة نشطاء حقوق الإنسان.
قديما قال المتنبي:
«وكم ذا بمصر من المضحكات… لكنه ضحك كالبكاء»

وزير «التطعيم»!

وما دمنا في موضوع «النزل» و»النزلاء»، فقد أخبرنا وزير الصحة المغربي، خالد أيت الطالب، أن المتحور الجديد لفيروس كورونا «أوميكرون» ليس وافدا على البلاد، وإنما «يقطن في مدينة الدار البيضاء» والعبارة حرفيا له. والظاهر أن الوزير نفسه كان قد جهّز هذه الجملة جيدا وتدرب عليها، قبل أن يلقيها ويسجلها صوتا وصورة بكاميرا وميكروفون وزارته الموقرة.
لكنّ معاليه نسي أن يقول لنا، في أي فندق يقيم السيد «أوميكرون» حتى نحمل له التمر والحليب على الطريقة المغربية المعروفة في الكرم!
وسبب النسيان في الغالب أن خالد أيت الطالب (وزير التطعيم) مشغول بتراخي الناس عن أخذ الجرعة الثالثة من اللقاح، تحت تأثير الإشاعات المغرضة حول الأعراض الجانبية التي تروج لها شبكات التواصل الاجتماعي.
معلومة أخيرة للتذكير: أعيد الوزير أيت الطالب إلى الوزارة بعد أقل من أسبوع من تنصيب الحكومة الجديدة وتعيين امرأة وزيرة للصحة؛ فكأن لسان حاله يقول: لن أذهب حتى يتم تطعيم المغاربة أجمعين، وليس 85 في المئة منهم فحسب!

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: