هستيريا الإعلام في الجزائر تتفاقم: عقيد سابق ومقدم برامج حالي يدق طبول الحرب

أردان ماجدة

أثارت حلقة في برنامج “كرايزس” الذي يقدمه العقيد السابق في الجيش مختار مديوني الكثير من الجدل، وذلك بعد أن طالب فيها بشن حرب على المغرب، ودعا جنود جبهة البوليساريو إلى تنفيذ عمليات داخل المدن المغربية، وهو خطاب غير مسبوق في الإعلام ووصف بالمنفلت.

شغلت دعوة العقيد الجزائري المتقاعد مختار مديوني، الذي اشتغل سابقا في صفوف القوات الجوية الجزائرية، إلى تنفيذ هجمات إرهابية في الأراضي المغربية خلال حلقة من برنامجه “كرايزس” الذي يبث على قناة “الحياة” الجزائرية الأوساط الإعلامية في البلدين.

وطالب مديوني عناصر جبهة البوليساريو بشن هجمات إرهابية على الأراضي المغربية وألا يقتصر ذلك على الأقاليم الجنوبية، بل أن يشمل مدينتي الدار البيضاء ومراكش.

وخاطب العقيد العسكري المتقاعد عناصر البوليساريو بالقول “يا صحراوى الذين يبتغون الاستقلال، موتوا واستشهدوا على بلادكم، وحولوا الحرب حتى داخل الأراضي المغربية بغرض خلق الرعب وسط المجتمع المغربي”.

واستنكر الخبير الفرنسي في الحركات الجهادية رومان كاييه التصريح الإعلامي في تغريدة على موقع تويتر قائلا “إذن، ضابط سابق في الجيش الجزائري يحرض على ارتكاب اعتداءات داخل المغرب دون أن تحتج السلطات الجزائرية، ومعها المجتمع الجزائري، على ذلك؟”.

ويقول مراقبون إن التصريح يخالف أخلاقيات المهنة التي تطالب الصحافيين بالتناول المهني للأخبار والأحداث، مشيرين إلى خطورة تلك الأقوال التي تحث على الاعتداء على المغاربة.

عبدالله بن عجمية: نصيحة صادقة لحكام الجزائر، رجاء امنعوا هؤلاء من التحدث باسمكم تحت أكذوبة حب الوطن

وطالب المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي برفع دعوى جنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الإرهاب والمساس بأمن الدولة ضد العقيد المتقاعد مختار مديوني. وقال خبراء إن “المحرض على العنف والإرهاب لا يقل خطراً عن الفاعل نفسه، بل قد يكون خطره أكبر وضرره أشد، وخاصة إذا كان التحريض في فضاء عام يتابعه الملايين من الناس، فهذا التحريض ليس مجرد صراخ في فراغ، بل هو وقود لإشعال نيران الجرائم والصراعات، خاصة من المتطفلين على مهنة الصحافة”.

ودعا الإعلامي عبدالعالي مزغيش الذي يعمل في التلفزيون العمومي السلطات إلى توقيف العقيد مديوني عن الظهور في التلفزيون لكونه يسيء إلى الموقف الجزائري أكثر مما يدافع عنه، مؤكدا أن “هذا المواطن يشكل خطراً بهذه التصريحات غير المسؤولة، في أي زمن يحيا وإلى أي مستنقع يريدنا أن ننزل؟ في الوقت الذي يجب فيه تكثيف العمل الدبلوماسي للتوصل إلى نتيجة إيجابية هناك من يزيد الطين بلة، ولا يضبط مصطلحاته وتحليلاته القائمة على الشحن دون مراعاة للأوضاع والعلاقات الدولية”.

وقال أستاذ الإعلام في جامعة غليزان الجزائرية عبدالله بن عجمية “لم أشاهد في حياتي انحطاطاً شبيهاً بهذا. نصيحة صادقة لحكام الجزائر، رجاء امنعوا هؤلاء من التحدث باسمكم تحت أكذوبة حب الوطن. هل يُعقل أن يصبح قرار السلم والحرب بأيدي هؤلاء؟ هل من المعقول أن يتم اعتماد لغة الجسد هذه؟ هل من المعقول هذا الكم من الألفاظ غير الأخلاقية والهابطة؟ أين سلطة الضبط على الأقل؟”.

من جهته طالب الإعلامي جمال شعلال السلطات بضبط مفردات الخطاب الإعلامي في الأزمة الحالية مع المغرب، مشيراً إلى أن هناك حالة “هستيريا جماعية تدق طبول الحرب، وكأن الحرب نزهة، وتنشر خطابات غريبة لم نعهدها سابقاً في قاموس ومفردات الأمة الجزائرية، صحبها انتشار صور وفيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي، أكثرها مفبرك، تتعلق بقوافل من المدرعات والسفن والطائرات الحربية تتوجه نحو الحدود الغربية للوطن”.

وأضاف شعلال أن “الخطاب الإعلامي، في غالبيته، بدأ ينحرف عن الخط التقليدي المعهود لدى الدولة الجزائرية ودبلوماسيتها والذي يتميز بالهدوء والرصانة وقوة الموقف في آن واحد. وبدأت تظهر بعض الأصوات السياسية والإعلامية التي تنتج مفردات خطاب غريبة عن قاموس وأدبيات الدولة الجزائرية ودبلوماسيتها”.

ويواصل الإعلام الجزائري تحركاته الدعائية، لكن الدعاية تحولت إلى هستيريا وانفلات وتحريض. وقد ارتفعت حدة تلك الحملات منذ فصل الصيف الماضي.

ويطالب الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، كلما سنحت له الفرصة، الإعلام الجزائري بإسناد مجهود الدولة في الرد على “الحرب التي تتعرّض لها الجزائر”، وحثّه على المزيد من الجهد لاكتساب أدوات التحكم في المناهج والمعارف من أجل التصدي لحروب الجيل الرابع، في اعتراف ضمني بعدم احترافية الإعلام في بلاده وعدم قدرته على المنافسة دوليا.

وأعلنت الجزائر الإثنين الماضي إطلاق أول قناة إخبارية تهتم بالشأن الدولي بثلاث لغات (العربية والفرنسية والإنجليزية) تحت اسم “قناة الجزائر الدولية Al 24 news”، فيما تمت برمجة البث الأول لها ليل الفاتح من نوفمبر الذي يرمز إلى انطلاق حرب الاستقلال عام 1954. وتهدف هذه القناة التلفزيونية حسب مديرها العام سليم عقار إلى “إسماع صوت الجزائر في الخارج وأن تكون واجهتها في العالم”.

وقال سليم عقار إن “قناة الجزائر الدولية Al 24 new ستكون صوتا للجزائر في الخارج وواجهتها في العالم في توقيت حدوثها 24/24 ساعة على مدار 7/7 أيام مع إعطاء الأولوية للمعلومة الدولية”. وأضاف “إن المشروع سيكون ثورة في الإعلام وفي المشهد الإعلامي العربي والمغاربي” بهدف دعم “الأهداف الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجزائر في الخارج”. وتستهدف “القناة الجمهور من الدول المغاربية ومن الجالية الوطنية في الخارج”.

وجدير بالذكر أن الجزائر تملك عدة قنوات تلفزيونية عمومية باللغتين العربية والفرنسية، ومن بينها “كنال ألجيري” (قناة الجزائر) الموجهة إلى الجالية الجزائرية في الخارج. لكن المعارضة السياسية في الجزائر والمناضلين من أجل الديمقراطية طالما انتقدوا سيطرة الحكومة على الخط التحريري لهذه القنوات دون فسح المجال أمام المعارضة للتعبير عن آرائها وشرح برامجها، فضلا عن كونها بعيدة من المشاكل الحقيقية التي يعاني منها الشعب الجزائري.

تصريح العقيد المتقاعد يخالف أخلاقيات المهنة التي تطالب الصحافيين بالتناول المهني للأخبار والأحداث

من ناحية أخرى أوضح سليم عقار أن القناة الدولية الجديدة ستبث برامجها في البداية من الجزائر عبر القمر الاصطناعي “نايل سات”، حيث تتواجد أستوديوهاتها في قلب العاصمة الجزائر. وهي مجهزة بـ”بلاتوهات عصرية وتجهيزات تراعي فيها الجوانب التكنولوجية والمعايير الدولية العصرية وبصوت وصورة عالييْ الجودة”.

وتعهد مدير القناة بأن يكون الخط الافتتاحي “داعما لمشهد إعلامي يهدف إلى توفير المعلومة في وقتها وملبيا لرغبة الجمهور في الاطلاع على ما يدور في محيطه الداخلي والخارجي”.

وستبث القناة الجزائرية الجديدة نشرات إخبارية وبرامج حوارية وتحقيقات ميدانية وبرامج ثقافية وحوارات في الأستوديو، فضلا عن التغطيات التي تُعنى بالأحداث الدولية، فيما أشار مديرها إلى أن قسم التحرير سيضم “70 صحافيا من بينهم منشطون وما لا يقل عن 20 مراسلا عبر العالم”.

وبإطلاقها لهذه القناة تسعى الجزائر لمواجهة التحديات العالمية والعودة إلى المسارح الدولية بعد سنوات من انكماش السياسة الخارجية في ظل حكم الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة. ومن المتوقع أن تواجه هذه القناة منافسة شرسة من قنوات إخبارية عربية كبرى تملك إمكانيات مالية لا حدود لها.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: