الفئران والصراصير تعشش بمخابز القنيطرة..هذا هو الخبز الذي يغرق سوق الخبازات

بوشعيب البازي

ﻷن المستهلك يمثل الحلقة الأخيرة في السلسلة الاقتصادية، فذلك يجعله عرضة لمختلف المخالفات التي تخل بشروط ومعايير الجودة المعمول بها، وبالتالي فهو يدفع ثمن أخطاء المنتجين والمسوقين في ظل القصور المسجل في اغلب الحالات، من طرف المصالح المختصة في القيام بمهماتها الرقابية والزجرية .. “أخبارنا الجالية ” تفتح نافذة المستهلك” لتسليط الضوء على الاختلالات التي تشوب الدورة الاقتصادية، بمشاركة فاعلين وخبراء في مجال حماية المستهلك والسلامة الصحية.

يسود قلق كبير في صفوف أرباب المخابز العصرية والتقليدية بمدينة القنيطرة  من الانتشار المهول للقطاع غير المهيكل، الذي بات يشكل منافسا لهم في غياب المراقبة والصرامة من طرف السلطات المختصة.

يشكل الخبز مادة أساسية في مائدة المستهلكين المغاربة، مما يسهم في انتعاش الطلب عليه من المحلات والمخابز المتخصصة في تسويقه، في ظل تغير العادات الاستهلاكية لأغلب الأسر في المملكة، التي كانت إلى سنوات قريبة تفضل إعداد الخبز في المنزل، قبل أن يتغير الأمر بطلبه من المخابز.

وأمام الانتشار اللافت لبائعي الخبز في مدينة القنيطرة، حيث يتمركز أغلب الباعة في مناطق شعبية كالخبازات ، تبرز إشكالية احترام معايير الجودة والسلامة الصحية، بشكل كبير، خصوصا في ظل الوضعية الكارثية لعدد كبير من هذه المخابز القريبة من هذا السوق الشعبي، التي تشتغل وتنتج الخبز في ظروف تنعدم فيها هذه المعايير والشروط، حسب ما عاينه طاقم أخبارنا الجالية .

فالأوضاع أغلب المخابز المتواجدة في مدينة القنيطرة، بعيدة كل البعد عن معايير السلامة الصحية والجودة المطلوبة، حيث أن نسبة كبيرة من هذه المخابز، خاصة غير المهيكلة، تنتشر بها الفئران والصراصير، خاصة في أماكن تخزين الدقيق وإعداد العجين، وهو ما يعرض صحة المواطنين لمخاطر جمة.

طاقم اخبارنا الجالية أخد صورة كارثية عن أوضاع هذه المحلات حيث  إن حيطانها سوداء شبه مظلمة، واسقفها يصعب معرفة لونها لتراكم الأوساخ والدخان بها ، فيما المعدات مهترئة و متسخة ممزوجة بنساج العنكبوت

فبعض الأفران لا تتوفر أي آلة عصرية للعجين أو التقطيع أو ميزان أما الألواح التي توضع فوقها العجين سوداء و كأنها مصنوعة من معدن الحديد الثقيل لتراكم الفطريات و العفن و لم تنظف من البقع والأوساخ قط.

وعن طريقة إعداد الخبز في هذه المحلات فحدث و لا حرج حيث أن خلط العجين ودلكه باليد في أواني بلاستيكية ومعدنية تتم دون تنقية الدقيق وغربلته أو غسل الأواني،  فعامل السرعة وضيق الوقت و عدم توفر العدد الكافي من العمال و ضيق مساحة المحلات، لا تسمح بضمان أدنى شرط من الشروط المطلوبة أما الالات المستعملة في بعض الافران لخلط العجين فقدت صورتها بالاوساخ المتراكمة عليها و بجانبها.

بعض البائعات الخبر تؤكد سر انتاج كميات كبيرة من الخبز بمختلف الأنواع والأحجام، رغم الظروف المذكورة، إلى  استعمال ” لعيبة ” أو “بولفو” أو” الغبرة”، وهي سر النضج السريع للعجين ، مع  إضافة كميات كبيرة من  الخميرة و المحسنات و السكر.

والخطير في الأمر، أن الخميرة و المحسنات و بعض المواد المضافة في صناعة الخبز و الحلويات يتم اقتناؤها من السوق السوداء لا تحمل اي عنونة باللغة العربية ويجهل مصدرها ولا تاريخ الصلاحية هذا من جهة من جهة أخرى لا تحترم المقاييس و الكميات  المحددة لكل من الخميرة و المحسنات و المواد المضافة في صناعة الخبز.

وفي سياق آخر نشير إلى أن الغش السائد في هذا القطاع،  من أجل تحقيق  الربح السريع، حيث لا يحترم ارباب الافران ادنى شروط السلامة سواء من خلال المواد المستعملة و لا من خلال العاملين في القطاع الذين لا يدركون المخاطر و الاضرار التي يمكن ان يتسببوا فيها.

وضعية تثير أكثر من سؤال. في أي ظروف تتم دورة الإنتاج والتوزيع لهذه المادة الحيوية؟ وما هي الظروف التي يشتغل فيها الخباز؟ من المسؤول عن الفوضى التي يعرفها القطاع؟ كيف يمكن حماية المستهلك؟ أسئلة عديدة يطرحها المستهلك بمجرد ما تتراءى له أنواع الخبز المعروضة في سوق الخبازة ، اختلفت الإجابة عنها بين صانعي الخبز بالمخابز والأفران التقليدية، وصانعي الخبز بالمخابز العصرية، والأفران الغازية أو القصديرية وبين بائعي الخبز بشوارع القنيطرة .

فران تقليدي بحي شعبي تبلغ مساحته حوالي 100 متر مربع «بمطارح» خشبية و»شاريوات» حديدية، جدران الفرن طبعها لون الدخان بالأسود القاتم، يتقدم عبد الكريم نحو آلة كبيرة للعجين بعد أن غير ملابسه بملابس العمل التي كنا نظن إنها لباس خاص بالعمل، لكن هي ملابس عادية خصصها الخباز البسيط للعمل، قميص قصير بلون أسود، وسروال متسخ عليه أثار العجين اليابس، يحضر عبد الكريم لوازم العمل من دقيق وخميرة وسكر وملح، فنسيان أحد مكونات الخبز قد يؤدي إلى تبعات غير محمودة لذلك التركيز ضروري في إعداد الخبز. يحمل عبد الكريم أكياس الدقيق بمعية أحد مساعديه ليصبها في إناء «العجانةالمتسخة » ثم يضيف حاجاته من الملح والخميرة والسكر فيفتح الصنبور لتبدأ رحى الآلة بالدوران في اتجاه واحد، عمل اعتاد عبد الكريم القيام به صباح كل يوم بحركات مسترسلة تنم عن حنكته في المهن

تركنا عبد الكريم، توجهنا لحي شعبي آخر بالخبازات هذه اللحظة التقطنا الصورة من فران شعبي آخر، شابان في مقتبل العمر يرتديان ملابس رثة ووسخة تثير التقزز واحد قرب فوهة الفرن يعمل على طهي الخبز، والثاني يساعده في تصفيف الخبز، مناديل بياضها أصبح أسودا قاتما لا تغادره الأوساخ، ألواح خشبية مهترئة، أجواء رمقتها أعيننا ونحن نترصد أوضاع العمل بهذا الفرن الذي تغيب فيه أدنى الشروط الصحية التي لا تراعي صحة المستهلك، ومع ذلك يقبل المواطن على اقتناء الخبز دون مراعاة الاهتمام لفضاء وكيفية الاشتغال.

انتشار الأفرنة القصديرية العشوائية وضعية مزرية تعرفها عملية صناعة الخبز وتوزيعه جراء انتشار هذه الأفرنة في مجموعة من الأحياء مما أغرق الأسواق بأنواع مختلفة من الخبز تقول حكيمة إحدى المستهلكات للخبز البلدي «تخلطو علينا العرارم ما بقينا عارفين اشمن خبز ناكلوا واش الخبز ديال الفران العصري ولا الفران البلدي، وأنا بصراحة كنفضل فران الخبز البلدي كنسميه أنا خبز الدرويش». عواقب خطيرة تهدد صحة المواطن بسبب انعدام الشروط الصحية في هذه الدكاكين السرية المستعملة لصناعة الخبز، والتي تبدأ من المواد المستعملة، والطريقة التي تتم بها صناعة الخبز، فإذا قلنا الخبز البلدي فيجب أن يستوفي شروط الخبز البلدي ، هناك معايير تتعلق بالخبز البلدي، وإذا خرج عن هذه المعايير فلا يمكن اعتباره خبزا بلديا ومن بينها هل هو خبز بالقمح والنخالة؟ أم يتوفر فقط على القمح دون نخالة، فالأمر يختلف بحضور النخالة التي تعتبر مادة مهمة يستفيد منها جسم الإنسان، والقمح الغني بالسكريات والألياف والأملاح المعدنية والبروتينات بالإضافة إلى الفيتامينات خاصة فيتامين B، ثاني شيء هو أنواع الخمائر المستعملة، خبزة بلدية يتم تحضيرها «بخميرة بلدية» فلا يمكن تعويضها بخميرة صناعية، فالاسم يختلف في غياب هذه الشروط. كذلك كيفية طهي الخبز في هذه الأفران والتي تتم بطريقة غير صحية داخل أفرنه غازية، مشيرا إلى أن الأبحاث والدراسات تؤكد أن رائحة الغاز تلحق إضرارا كبيرة بجسم الإنسان، فما بالك بالخبز الذي يطهى في فرن غازي لمدة تتراوح بين 15 و 20 دقيقة؟ مادة الغاز تعطي دخانا أسود ينطبع على الخبز بمجرد وضعه في الفرن، فما مدى صحة وسلامة هذا الخبز الذي يستهلكه المواطن كل يوم؟ كما يمكن القول إن الخبز البلدي إذا استوفى كل شروط مكوناته ومن بينها النخالة واستعمال خميرة طبيعية البلدية، ثم الطهي بالخشب أو الحطب عندها يمكن أن نقول هذا خبز بلدي مائة في المائة.

أصبح تنظيم القطاع ضرورة ملحة تفرض على الجهات المعنية بالقنيطرة  التدخل لوضع حد للعشوائية والفوضى كما يقول معظم المهنيين، وذلك بتنظيم هذا النشاط الاقتصادي الحيوي وفق شروط قانونية وصحية، والتصدي لظاهرة المخابز السرية التي تشكل منافسة غير شريفة داخل القطاع.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: