الرئيس الجزائري يمعن في دعم القطيعة مع المغرب برفض فتح الحدود

ماموني

في خضم تطوّرات الأزمة بين المغرب وإسبانيا والتي زاد فتيلها اشتعالا بإدخال زعيم البوليساريو بهوية مزوّرة وجواز سفر جزائري، يخرج الرئيس عبدالمجيد تبون بتصريحات مستفزة للرباط للتأكيد على أن بلاده لا تستطيع أن تفتح حدودها مع دولة تهاجمها يوميا.

حذّر الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون من أي تفكير في الاعتداء على الجزائر مع التأكيد على أن الحدود البرية مع المغرب ستبقى مغلقة، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس مدى تقوقع الفكر الجزائري ومحدودية بصيرته السياسية في تدبير ملفات سياسته الخارجية، وتظهر حقد النظام العسكري الدفين تجاه المملكة المغربية.

وفي حوار له مع صحيفة “لوبوان” الفرنسية عمل الرئيس الجزائري على قلب الحقائق بادعائه أن “المغرب كان دائما المعتدي”،  والعكس هو أن نظام بلده هو من يقوم باحتضان ودعم جماعة البوليساريو الانفصالية، وأن بلاده هي من تقوم ليلا ونهارا بمعاداة المغرب ومصالحه سواء على المستوى الإقليمي أو الأفريقي والدولي.

وأغلقت الحدود البرية بين البلدين منذ يناير 1995 بعد اتهام الرباط للجزائر بالتورط في تفجير إرهابي لفندق “أطلس آسني” في مراكش نهاية شهر ديسمبر 1994. وطردت الرباط حينها الرعايا الجزائريين ومنحتهم مهلة 48 ساعة للمغادرة، فيما ردّت الجزائر حينها بغلق الحدود البرية التي ظلت مغلقة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.

وأكد الأكاديمي والمحلل السياسي هشام معتضد أن “رفض تبون إعادة فتح حدود بلاده مع المغرب يترجم مدى تقوقع فكر العسكر الجزائري ومحدودية بصيرته السياسية في تدبير ملفات سياسته الخارجية”. وقال معتضد إن هذا الموقف جاء نتيجة الصفعة الاستخباراتية التي تلقاها النظام الجزائري في عقر داره، خاصة بعدما كشفت الأجهزة المغربية مسار تنقلات إبراهيم غالي وفحوى خطة قصر المرادية في التستر على كبير الجبهة الانفصالية في تواجده على الأراضي الإسبانية.

هشام معتضد: محاولة تبون استفزاز المغرب عسكريا إهانة للرئاسة الجزائرية

وأضاف أن هذا الرفض بمثابة تسخير سياسي لأهداف داخلية أكثر منها خارجية، ويعبر أيضا عن ضعف الجهاز المؤسساتي العسكري الجزائري في تدبير حدوده الغربية ورغبة النظام في دفع الجزائريين إلى التطبّع برؤية إقليمية من خلال انزواء أيديولوجي في المنطقة بعيدا عن إدماجهم في فضائهم الفكري والثقافي، لأن كلا البلدين هو امتداد للآخر وإغلاق الحدود يعتبر خسارة اقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية للبلدين والشعبين.

وأظهر الإعلام الجزائري تبون برفقة رئيس أركان الجيش الجزائري سعيد شنقريحة، يقوم بزيارة إلى زعيم البوليساريو الأربعاء في مستشفى عين النعجة العسكري بالجزائر العاصمة، بعدما  تم إخراجه على متن طائرة جزائرية مرة أخرى من داخل إسبانيا بعد الأزمة التي خلقها إدخاله سرا في أبريل الماضي.

وفي استفزاز واضح للمملكة المغربية أكد تبون أن “بلادنا لن تهاجم قط جارنا، لكنها ستنتقم إذا تعرضنا للهجوم”، مضيفا أنني “أشك في أن المغرب سيحاول فعل ذلك، ميزان القوى ليس في مصلحته على ما هو عليه؟”.

وكنوع من النفاق السياسي أكد تبون أن “القطيعة تأتي من المغرب، وبالضبط من النظام الملكي وليس الشعب المغربي الذي نحترمه”، وأن “بلادنا لن تهاجم قط جارنا، لكنها ستنتقم إذا تعرضنا للهجوم”، وزاد بقوله “أشك في أن المغرب سيحاول فعل ذلك، ميزان القوى ليس في مصلحته على ما هو عليه”.

ولفت معتضد إلى أن محاولة الرئيس الجزائري استفزاز المغرب عسكريا الهدف منها إيهام الرأي العام الفرنسي بمدى ميل ميزان القوى لصالح الجزائر في المنطقة، وهو ما يمكن اعتباره إهانة كبيرة لمؤسسة الرئاسة الجزائرية التي أظهرت مرة أخرى أنها خارج التاريخ والجغرافيا باعتمادها خطابا سياسويا لأغراض إعلامية لأن الأرقام والإحصائيات العامة على المستوى الإقليمي والدولي تُبرز عكس ما أدلى به تبون.

ووقع الرئيس الجزائري في تناقض كبير حيث كان قد صرح في يوليو الماضي لقناة “فرانس 24” بشأن العلاقات الجزائرية – المغربية، بأن الجزائر ليس لديها أي مشكلة مع الشعب المغربي الشقيق ولا مع ملك المغرب، وأن على المملكة أن تغيّر تصرفاتها إزاء الجزائر، وأكد حينها أنه “مستعد لقبول أي مبادرة للحوار يطلقها الرباط”.

وكان الملك محمد السادس أطلق في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2018 مبادرة من أجل إطلاق حوار مباشر وصريح مع الجزائر، ولم ترد وقتها الجزائر، لكن الردود من الطرف الجزائري كانت غير مشجعة.

ومازالت مساندة الجزائر للجبهة الانفصالية مستمرة رغم الهزائم المتتالية التي منيت بها من طرف المملكة المغربية على كافة الأصعدة، ولم تستطع التقدم إلى الأمام بمبادرة واقعية ومقبولة في إطار الحل السياسي، سوى الدعم القوي لما تسميه حق البوليساريو في تقرير المصير “حسب رؤيتها”، وهو ما زاد من توسيع القطيعة في العلاقات المغربية – الجزائرية.

الحدود البرية بين البلدين أغلقت منذ يناير 1995 بعد اتهام الرباط للجزائر بالتورط في تفجير إرهابي لفندق “أطلس آسني” في مراكش نهاية شهر ديسمبر 1994

ولا يزال النظام الجزائري متشبثا بمفاهيم لم تعد متداولة في ملف الصحراء لدى دوائر القرار الدولية، ومنها الاستفتاء وتقرير المصير، حيث اعتبر الرئيس الجزائري أن رفض المغرب إجراء استفتاء حول تقرير المصير في الأقاليم الجنوبية، ناتج “عن تغيير عرقي كانت له عواقبه”، وأن “الصحراويين داخل الصحراء هم اليوم أقلية مقارنة بالمغاربة الذين استقروا هناك”.

وتشبثا بدعم الأطروحة الانفصالية قال تبون، إنه “في حالة التصويت لتقرير المصير، فإن المغاربة الذين يعيشون في الأراضي الصحراوية سيصوتون من أجل الاستقلال لأنهم لا يريدون البقاء كرعايا للملك”، ليخلص إلى أنه “من المفارقة أن تكون لديك أغلبية مغربية وأن ترفض التصويت على تقرير المصير”.

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن الدولي أكد في قراراته الأخيرة على دور الجزائر كطرف أصيل في ملف الصحراء، إلا أن المسؤولين الجزائريين يرفضون الاعتراف بمسؤولية بلدهم الكاملة كطرف في ما يحدث.

وعلق معتضد بأن الرئاسة الجزائرية تستخدم غالبا خطابا سياسويا معاديا تجاه المغرب من أجل تمويه رأيها العام الداخلي وتضليله، وذلك لأنها تعتبر القضية بمثابة ورقة لتبرير أهميتها المؤسساتية والتغطية على المشاكل التدبيرية التي تعاني منها الجزائر.

وقال مراقبون إن المغرب لم يلتفت إلى العداء الظاهر للنظام الجزائري ودشّن انتصارات دبلوماسية في الأشهر القليلة الماضية عندما قام عدد من البلدان العربية والأفريقية بافتتاح قنصليات في الأقاليم الجنوبية تعبيرا عن دعم سيادة المغرب وأيضا تثمينا لمبادرة الحكم الذاتي، مضيفين أن هذا النظام لم يستوعب هذا المتغير الاستراتيجي، وهذا ما عبّر عنه تبون بالقول إنه “إذا كان البعض يعتقد أنه بافتتاح القنصليات في العيون والداخلة تكون قضية الصحراء قد انتهت، فهم مخطئون، كذلك فإن اعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية لا يعني شيئا”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: