واشنطن تستكمل هجومها المسيّس على الرياض: مسؤولية وعقوبات ومنع أسلحة

Belbazi

استكملت الولايات المتحدة هجومها المسيس الاستثنائي على السعودية، بنشرها تقريرا أعدته المخابرات الأميركية لتحميل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مسؤولية الأمر بخطف أو قتل الصحافي جمال خاشقجي.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية إنها بصدد تجهيز قائمة عقوبات غير محددة وأعلنت أن واشنطن ستمنع عن السعودية أسلحة تعتبرها هجومية للعمل على وقف حرب اليمن وستتحمل الولايات المتحدة مسؤولية الدفاع عن البلاد.

وقال تقرير أعدته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي.آي.إيه” وصدر الجمعة إن الأمير محمد بن سلمان وافق على خطف وقتل الصحافي جمال خاشقجي في 2018 في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية، في خطوة يعتبر مراقبون أنها يمكن أن تزيد من تعكير العلاقة بين الرياض والإدارة الأميركية الجديدة.

وتزامن نشر التقرير مع خطوة أميركية تصعيدية تهدف إلى تقييد حصول السعودية على الأسلحة واقتصارها على الأسلحة الدفاعية.

وقال تقرير خاشقجي الذي رفعت عنه “سي.آي.إيه” السرية إن ولي العهد السعودي وافق على خطة للقبض على خاشقجي أو قتله، مدرجا أسماء 21 فردا تقول المخابرات الأميركية إن لديها ثقة كبيرة في أنهم متورطون أو مسؤولون عن مقتل خاشقجي نيابة عن الأمير محمد بن سلمان.

وتبدو تركيا أكثر مستفيد من الموقف الأميركي إذ “أثمر” أخيرا موقفها من السعودية سياسات مؤذية إلى حد كبير.

وكانت صحيفة واشنطن بوست قد تحدثت عن أدلة لدى الاستخبارات الأميركية بشأن دور مفترض للأمير محمد بن سلمان في قضية خاشقجي.

ومن بين تلك الأدلة مكالمة هاتفية للأمير محمد مع شقيقه خالد بن سلمان السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، وقد رصدتها وكالة الاستخبارات الأميركية.

وخلال تلك المكالمة أمر الأمير محمد شقيقه بإخبار خاشقجي بإمكانية الذهاب إلى إسطنبول للحصول على الوثائق التي يحتاج إليها لزواجه.

ومن الأدلة الأخرى مقطع فيديو عن جريمة القتل من داخل قنصلية إسطنبول سجّلته الاستخبارات التركية، أوضح ما حصل وساعد في التعرف إلى الفاعلين وأظهر اتصالات بينهم وبين الرياض.

هل جاءت إدارة جو بايدن لمعالجة الملف الإيراني أم لمعاقبة السعودية؟

ويعتقد الكثير من السعوديين أن التقرير يتم تسييسه للضغط على بلادهم، وأن نشره في هذا الوقت بالذات يأتي ضمن حملة أوسع من قبل إدارة بايدن تشترك فيها دوائر أميركية مختلفة ولوبيات خادمة لخصوم المملكة الإقليميين، وأن هذا التسييس واضح للعيان.

وقال محلل سياسي سعودي لم يشأ الكشف عن اسمه “هل جاءت إدارة بايدن لمعالجة الملف الإيراني أم لمعاقبة السعودية؟”.

وأقر مسؤول أميركي بأن إدارة بايدن لم ترد نشر تقرير خاشقجي قبل تنبيه السعوديين، في تصريح اعتبر بمثابة “زلة لسان” تظهر وجود غاية سياسية من وراء الحملة على الأمير محمد بن سلمان.

ونقلت شبكة “سي أن أن” الأميركية الخميس عن مسؤول في البيت الأبيض، لم تسمه، أن إدارة بايدن لا تريد نشر التقرير قبل “تنبيه” السعوديين، وهو ما يفسر تأجيل موعد نشر التقرير إلى ما بعد مكالمة الرئيس الأميركي مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز.

ويعتقد المتابعون أن انتظار نشر التقرير إلى ما بعد الاتصال الهاتفي بين بايدن والملك سلمان يدفع إلى تأويلات مختلفة من بينها مقايضة الموقف السعودي في ملفات أخرى مقابل “تسوية” ملف خاشقجي ومن ورائه الاتهامات الموجهة لولي العهد، أو مطالبة القيادة السعودية بالبحث عن مخارج لتنحّي محمد بن سلمان.

ويشير هؤلاء المتابعون إلى أن السعودية قد تقبل النقاشات الحافة بملف خاشقجي مع المسؤولين الأميركيين، وما يتبعها من تغييرات وتحسينات على سجل حقوق الإنسان، وقضية النشطاء المعتقلين، وتطوير واقع المرأة، لكنها لن تقبل خطة تحت الضغط لتنحي ولي العهد.

ومن شأن تتالي المواقف العدائية تجاه السعودية أن يزيد من تصلب السعوديين، خاصة أن هدف الإدارة الأميركية الجديدة الرئيسي في الشرق الأوسط هو التضييق على المملكة ومنعها من لعب دور إقليمي مؤثر، وذلك بعد الكشف عن خطط لمنع الرياض من الحصول على أسلحة هجومية والاكتفاء بأسلحة دفاعية، وأن هذا المنع لا يتعلق فقط بالحرب في اليمن، ما يعني بقاءها تحت رحمة الحماية التي توفرها القوات الأميركية في الخليج.

وبعد وقف صفقات أسلحة بنصف مليار دولار مع السعودية بسبب الحرب في اليمن قد تُغير إدارة الرئيس جو بايدن السياسة الأميركية ليس فقط لإلغاء الاتفاقات السابقة التي تثير مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان، وإنما أيضا لتقييد المبيعات العسكرية المستقبلية لتكون مقتصرة على الأسلحة “الدفاعية”.

وزارة الخارجية الأميركية: نركز على إنهاء الصراع في اليمن ونضمن للسعودية ما تحتاجه للدفاع عن أراضيها

وقالت أربعة مصادر مطلعة على تفكير الإدارة إن المسؤولين يعكفون على تقييم مجموعة المعدات العسكرية والتدريب المضمنة في المبيعات للسعوديين لتحديد ما يمكن اعتباره دفاعيا، وسيتم السماح بهذه الصفقات.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية “ينصب تركيزنا على إنهاء الصراع في اليمن ونحن نضمن للسعودية كل ما تحتاجه للدفاع عن أراضيها وشعبها”.

وأضاف أن بايدن تعهد بإنهاء الدعم العسكري الأميركي للحملة العسكرية ضد الحوثيين.

وقال أحد مساعدي الكونغرس المطلعين على القضية “يحاولون معرفة أين ترسم الخطوط الفاصلة بين الأسلحة الهجومية والأشياء الدفاعية”.

ويعتقد مراقبون أن إستراتيجية الحد من الأسلحة المتكافئة مع ما تمتلكه قوى إقليمية أخرى تهدف إلى الحد من خيارات السعودية في مواجهة إيران، والاكتفاء بالرهان على الحماية الأميركية التي تسيطر عليها المزاجية والحسابات باختلاف شخصية الرؤساء.

وبموجب مثل هذه السياسة الجديدة سيتم السماح بمبيعات المنتجات التي تعتبر دفاعية، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي المضادة للصواريخ الباليستية (ثاد) التي تصنعها شركة لوكهيد مارتن أو أنظمة الدفاع الصاروخي باتريوت التي تنتجها لوكهيد ورايثيون.

لكنها ستنهي الصفقات الكبرى لمنتجات مثل الذخائر دقيقة التوجيه والقنابل صغيرة القطر، مثل تلك التي تم التوصل إليها في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب في مواجهة اعتراضات قوية من قبل أعضاء في الكونغرس.

وتتناقض هذه الإستراتيجية مع رغبة السعودية في بناء إمكانيات تصنيع ذاتية، وكذلك اعتمادها إستراتيجية تقوم على تنويع الشركاء في شراء الأسلحة والعتاد بما يعطيها القدرة الكافية على لعب دورها في مواجهة تزايد نفوذ قوى إقليمية أخرى مثل إيران وتركيا.

ويحذر المراقبون من أن سياسة الاستهانة بالسعودية ورهن قرارها قد تدفع إلى خسارة المكاسب التي تحققت في الحرب على التشدد، ومسار الإصلاح الذي يقوم في جانبه الأهم على تطوير القوانين التي لا تتماشى مع رغبة الرياض في دخول مرحلة التطوير والانفتاح، مشيرين إلى أن هذه الوضعية ستوفر خدمة مجانية للحركات الإسلامية المتشددة التي تخوض حملة مستمرة ضد انفتاح المملكة على الغرب وقيم حقوق الإنسان.

وانضمت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى حملة الضغوط على السعودية.

وقالت ميشيل باشيليت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الجمعة، إن هناك أشخاصا “محتجزين ظلما” في المملكة، وحثتها على احترام حرية التعبير والحق في التجمع السلمي.

ورحبت باشيليت، خلال كلمة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بالإفراج في وقت سابق من هذا الشهر عن الناشطة في مجال حقوق المرأة لجين الهذلول، مضيفة “لكنني آسف لاستمرار احتجاز آخرين ظلما”. والسعودية لها وضع مراقب في المجلس.

وعبر الاتحاد الأوروبي في كلمة ألقاها السفير البرتغالي روي ماسييرا عن قلقه من استخدام السعودية أجهزة مكافحة الإرهاب والأجهزة الأمنية لمحاكمة المدنيين والنشطاء الذين تعرضوا للاحتجاز لفترات طويلة، بما في ذلك الحبس الانفرادي.

وأضاف “مع الأخذ بعين الاعتبار إصلاحات نظام العقوبات والتراجع الكبير في استخدام عقوبة الإعدام، يدعو الاتحاد الأوروبي إلى المزيد من الاهتمام بحقوق العمال المهاجرين وحقوق المرأة وحرية التعبير والدين أو المعتقد”.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: