للا جمالة العلوي رسولة المغرب إلى مراكز القرار العالمي

ماموني

إلى جانب الأناقة والثقافة الرفيعة تتسلح سليلة الملوك العلويين بالمغرب بترسانة كبيرة من الخبرة في المجال السياسي، عابرة للقارات من أجل خدمة بلادها، وتجمع للا جمالة العلوي، لقب السفيرة والأميرة، فهي ابنة عمّة العاهل المغربي الملك محمد السادس، وتلك امتيازات جعلتها متميزة في العمل الدبلوماسي بكبرى عواصم العالم حيث تُصنع القرارات المؤثرة.

العلوي انضمت إلى طاقم السفراء الذين صادق عليهم مجلس وزاري ترأسه الملك محمد السادس بمدينة العيون في العام 2016، في إشارة إلى تكريس العمل الدبلوماسي على قضية الوحدة الترابية للمملكة بكل الوسائل، وكانت لذلك آثار إيجابية توّجت بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا عن اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء.

وجاء الأمر الملكي بنقل للا جمالة من سفارة المملكة في لندن الى واشنطن، بعد الكثير من الإنجازات التي حققتها طيلة فترة ولايتها، ونجحت في استقطاب مستثمرين بريطانيين، وفي إقامة مجموعة واسعة من الفعاليات للتعريف بمؤهلات المغرب الاقتصادية والاستثمارية.

التراث المغربي الكبير

العلوي تشدّد في كل مناسبة على إبراز ثقافة الانفتاح والتسامح العريقة التي حرص ملوك المغرب على حمايتها وتعزيزها بشكل كبير على مدى قرون

السفيرة الأميرة، ولدت بالرباط في عام 1960، وقد عرفت ببراعتها في عملها الذي شمل الاهتمام بشؤون الجالية المغربية المقيمة بالخارج دون تمييز، ومن ضمنها اليهود المغاربة، كما نجحت في تسويق صورة المغرب من خلال التعريف بالمملكة ومؤهلاتها، وإطلاع صاحب القرار في المغرب على دقائق ما يدور في الولايات المتحدة والدول الكبرى، ما مهّد لولادة الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء، وهي مهام ستبقى مرتبطة بالعلوي لمباشرة كافة المتعلقات القانونية والسياسية لهذا المتغير، فالمرحلة الدقيقة التي تجتازها قضية الصحراء والتي اتخذت منحى حقوقيا وإعلاميا ودبلوماسيا داخل وخارج واشنطن تتطلب عملا حثيثا ومضنيا لتثبيت هذا المكتسب والإفادة منه.

وتفاعلا مع الزخم الحاصل بالمغرب بعد اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على صحرائه وعودة الاتصال مع الجانب الإسرائيلي استقبلت العلوي السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، رون ديرمير، وأهدته شمعدانا مغربيا قديما خلال إحيائهما معا عيد الـ”حانوكاه”، وقال السفير الإسرائيلي معلقا على هذا اللقاء في موقع تويتر إنه “بداية صداقة جميلة” ممتنا للهدية التي قال إن يهود المغرب قد استخدموها لأجيال.

قبل استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية كانت العلوي توضح لأعضاء الفيدرالية اليهودية بلوس أنجلس، الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في تعزيز التعايش السلمي والوئام الروحي، مبرزة التزام المغرب العريق والموصول بحماية جاليته اليهودية، والحفاظ على الثقافة والتاريخ والتراث اليهودي المغربي.

ولطالما كانت السفيرة المغربية مهتمة بأوضاع اليهود المغاربة في عواصم الدول الأخرى ومنها الولايات المتحدة، وفي تفاعلها مع الجالية اليهودية المغربية في نيويورك، هنأتهم قبل عامين بهيلولة الحاخام مسعود أبوحصيرا، وقالت حينها إن “المملكة المغربية تتذكر عظمة عائلة أبوحصيرا، والبركة التي جلبوها وما زالوا يجلبونها إلى المغرب”. وقد أكدت العلوي التي تعتبر التراث اليهودي المغربي جزءا لا يتجزأ من حياة المغاربة، أن العاهل المغربي لا يدخر جهدا في الحفاظ على هذا التراث المشترك، وبلغة المطلع على تطورات المستقبل أضافت “آمل أن أحيّيكم قريبا في المغرب”.

تشدّد العلوي في كل مناسبة على إبراز ثقافة الانفتاح والتسامح العريقة التي حرص ملوك المغرب على حمايتها وتعزيزها بشكل كبير على مدى قرون، تلك الثقافة التي سمحت للمغرب باستضافة أكبر عدد من السكان اليهود في العالم العربي حتى اليوم. وهي تأمل في أن تثبت التجربة المتفردة للمغرب وتاريخه، بل وحاضره، في ظل تنامي التعصب والعنف عبر العالم ومحاولات إذكاء الصدامات بين الثقافات والأديان والحضارات، أن واقعا مختلفا يظلّ ممكنا، وهو واقع التعايش السلمي والتفاهم المتبادل.

العلوي تهتم بمجال التاريخ لما يمثله من ذخيرة ضخمة للمغرب، وقد نظمت في العام 2007، بشراكة مع المكتبة البريطانية، معرضا لمخطوطات الأديان الثلاثة، وبعدها بسنة نظمت بالتعاون مع مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكسفورد، ندوة حول الإصلاحات بالعالم العربي، واستثمرت موقعها الحيوي في واشنطن للدفاع عن مصالح المملكة عبر قربها من مركز القرار والمؤثرين فيه من مجموعات ضغط وإعلاميين وشركات كبرى ومؤسسات دولية فاعلة.

وعي الذات ومقدراتها

الموقع الجغرافي المتميز للمغرب، حسب تصورات العلوي، يوفر أفقا لشراكة استراتيجية متينة بين المغرب والولايات المتحدة

تجربتها الدبلوماسية السابقة في بريطانيا أسهمت في تعميق علاقاتها داخل العاصمة الأميركية، لبناء قنوات ممتدة إلى مؤسسات الدولة الفيدرالية من البيت الأبيض وحتى الكونغرس ومؤسسات الإعلام، لخلق جسر تواصل مباشر وقوي بين الرباط وواشنطن.

وقبل انتقالها إلى الولايات المتحدة درست العلوي أدق التفاصيل المتعلقة بموقف واشنطن من نزاع الصحراء وعمل المنظمات الحقوقية هناك، وقد كانت العلاقات التاريخية الراسخة بين الرباط وواشنطن هي الأساس، لكن السفيرة عززت تلك القاعدة بعناصر أخرى آنية وضرورية، فاستثمرت أدواتها المعرفية في التاريخ والعلوم السياسية التي نالتها باستحقاق من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، وتمكنت من أن تبرز للمجتمع السياسي الأميركي مدى أهمية الاستقرار في المغرب والأدوار التي يلعبها لمحاربة الإرهاب والتطرف الديني، وكان لأسلوبها بالغ الأثر في تدعيم آلية التعاون الأميركي المغربي القائم على الشراكة عسكريا وأمنيا. ولهذا فقد أسهمت في صناعة قرار ترامب بسيادة المغرب على الصحراء، وكان الثقل الكبير على كاهلها ومجموعة عملها.

ومن منطلق اطلاعها على الملفات الحساسة، ترى العلوي أن المغرب يعدّ أرضا خصبة لفرص الاستثمار والأعمال، حيث قامت بمبادرات واسعة لتعريف رجال الأعمال من مختلف دول العالم على الإمكانات الهائلة التي يوفرها المغرب في مجال الاستثمار والتنمية.

الموقع الجغرافي المتميز للمغرب، حسب تصورات العلوي، يوفر أفقا لشراكة استراتيجية متينة بين المغرب والولايات المتحدة، كنقطتي ربط عبر المحيط الأطلسي، ولذلك تدفع باتجاه تطوير العلاقات الاقتصادية الثنائية من خلال الاستفادة من طرق الشحن المباشر التي تربط الساحل الشرقي للولايات المتحدة بالموانئ المغربية، واعترافا بالمجهودات التي تقوم بها من أجل تعزيز تلك العلاقات على كافة المستويات وفتح آفاق واعدة بين المغرب وولاية فلوريدا التي تتوفر على إمكانيات زراعية هائلة، فقد سلّم مفوّض مقاطعة ميامي خوسيه دياز في أبريل من العام الماضي، مفتاح مدينة ميامي لسفيرة المغرب في واشنطن.

المرأة الرائدة

تجربتها الدبلوماسية السابقة ببريطانيا تساعد العلوي اليوم في تعميق علاقاتها داخل واشنطن، لبناء قنوات تمتد من البيت الأبيض وحتى الكونغرس ومؤسسات الإعلام

وحسب خبرتها وفهمها للتركيبة المغربية والأميركية، ترى العلوي أن المغرب يعدّ بلدا استثنائيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة في القارة الأفريقية، لكونه البلد الأفريقي الوحيد الذي تربطه بالولايات المتحدة اتفاقية للتبادل الحر، موضحة أنه بفضل الرؤية والالتزام الشخصي للملك محمد السادس، أضحى المغرب بوابة حقيقية للاستثمار في أفريقيا، الشيء الذي دفع وزير التجارة ويلبور روس إلى التأكيد على أواصر الصداقة القائمة بين البلدين.

تستحضر العلوي الرؤية الملكية في بناء مغرب حديث منخرط بثبات في مسار التقدم، يتمتع بالاستقرار السياسي والاندماج الاجتماعي والقدرة التنافسية الاقتصادية، وهي تدافع بقوة عن الخبرة التي يمتلكها القطاعان العام والخاص بالمغرب وحضورهما على مستوى القارة.

تحاول العلوي بكل ما أوتيت من طاقة، إبقاء اسم المغرب عاليا في مختلف الميادين، حتى أنها بفضل حنكتها ومبادرتها أحدثت في العام 2004، كرسيا جامعيا يحمل اسم الملك محمد السادس للدراسات المغربية والمتوسطية في جامعة أوكسفورد. وهي ليست أول امرأة من داخل البلاط الملكي تتبوّأ منصبا دبلوماسيا، فقد سبقتها الأميرة للا عائشة عمّة الملك محمد السادس التي كانت أول امرأة مغربية تعيّن سفيرة للمملكة سنة 1965، حيث مثلت المغرب في ثلاث دول مختلفة هي المملكة المتحدة واليونان وإيطاليا، في الوقت الذي لم يكن لدى الدول الأوروبية سفراء من النساء، تقول العلوي إن الأميرة للا عائشة عبرت بدورها عن حسّها النضالي، منذ العام 1947، بقوة الإقناع التي تميّزت بها.

لا شكّ أن للا جمالة العلوي تعتبر اليوم واحدة من ضمن الرائدات المغربيات اللائي نجحن بفضل أعمالهن وجرأتهن، بفضل دعوتها إلى القطع مع الأفكار الجاهزة والصور النمطية التي جعلت المرأة العربية والإسلامية في المنطقة حبيسة دور مواطن من الدرجة الثانية، فتاريخ المغرب زاخر بنماذج لنساء بصمن ثلاثة عشر قرنا من الزمن، هكذا ترى دور المرأة المغربية من فاطمة الفهرية، مؤسسة جامعة القرويين، إلى ثريا الشاوي، التي أصبحت عام 1951 أول ربّانة عربية في عمر 16 سنة، ونوال المتوكل، كأول امرأة عربية تحرز ميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية، ومؤخرا أسماء بوجيبار، أول سيدة مغربية تنضم إلى وكالة الفضاء الأميريكية “ناسا”. وبفضل تلك الشخصيات الريادية والاستثنائية، فإن النساء المغربيات ومنهن الأميرة السفيرة، حاضرات اليوم في مختلف المجالات، ويواصلن كسر الحواجز خدمة لمنطقتنا برمتها في جميع القطاعات.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: