هنا تظهر معادن الأزواج

يفتقر الكثير من الأزواج لروح التضامن مع زوجاتهم، وأغلبهم يفضلونها عفية ويتهربون من مسؤولياتهم وقت المرض، خاصة إذا تعلق الأمر بالسرطان، الذي يتخير ضحاياه من النساء أكثر فأكثر في أوساط المجتمع المغربي .

يكفي أن تقودك الصدفة ، حتى تتعرف عن قرب على حجم المعاناة التي تلاقيها نسوة فجعن في صحتهن وصدمن في شركاء حياتهن، لتتحول الحياة بين ليلة وضحاها إلى جحيم لا يطاق، حالات تقشعر لها الأبدان لزوجات تخلى عنهن الأزواج في أحلك ظروف الحياة، فوجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة المرض ومجتمع لا يرحم المرأة، حتى وهي بكامل صحتها وعافيتها كما قالت وردة، فما بالك بالمريضة التي تتحول في نظر بعض الأزواج وعائلاتهم إلى عالة، ” منذ أن اكتشفت إصابتي بالمرض الخبيث عافاكم الله، اكتشفت الوجه الآخر للحياة، وجه قاس لم آلفه من قبل، فقد تخلى عني أقرب الناس إلي، زوجي وأب أولادي، وذلك بعد أن زاد عليه العبء وأشارت عليه والدته بأن يعيدني إلى أهلي، لأنهم أولى بعلاجي، تحملت الأمر على مضض ولم أسيئ الظن في أول الأمر لاعتقادي أن زوجي رأف لحالي وأراحني قليلا من المسؤولية، ففي بيت أهلي أجد الخدمة التي أنشدها بفضل أخواتي ووالدتي، أما في بيتي فلا أحد يخدمني، لكن ومع مرور الأيام اكتشفت أن زوجي تخلى عني وصار بمثابة ضيف في حياتي، يأتي أحيانا لزيارتي لتبرئة ذمته أمام أهلي وأمام أولادنا الثلاثة الصغار، ولا يكترث لا لأكلي ولا لدوائي ولا لمواعيدي، فشقيقتي هي التي ترافقني في جلسات العلاج الكيميائي، حتى حينما يأتي لزيارتي أرى في عينيه نوعا من البرود الذي لم أعهده من قبل”، وتجهش بالبكاء،” تنكره لي في هذه الأوقات العصيبة كان أشد وقعا علي من المرض الخبيث، وكلما رأيت إحدى المريضات رفقة زوج يساندها تزيد نار الحرقة في قلبي”.

طلقها وعيّرها بأنها أنثى ناقصة

لا يكتفي بعض الأزواج بتطليق زوجاتهم المصابات بالسرطان، ولا حتى بالتخلي عن مسؤولياتهم تجاههن، بل يتعدون ذلك إلى إشعارهن بأنهن ناقصات، وللأسف يحدث ذلك من طرف بعض الجهلة الذين لا يرون في المرأة سوى جسدها وشكلها الخارجي، وحال هؤلاء حال زوج سهيلة، سيدة في نهاية العقد الثالث من عمرها، تخلى عنها مباشرة بعد إجرائها عملية استئصال ثديها، ولم يتردد أن صارحها بأنه لم يعد يراها أنثى كاملة طالبا منها أن تسامحه على تخليه عنها، لأنه فعلا لا يستطيع إكمال مشوار حياته معها وهي ناقصة ونفس الشيء قالته له والدته التي جاءت في صفه وأخبرتها بأن نفسية ابنها تدهورت، لأنها لم تعد امرأة كاملة في عينيه، مضيفة أن ابنها ما يزال في عز شبابه ومن حقه أن يتمتع بحياة سوية مع زوجة لا ينقصها شيء.

تعرضت سناء 37 سنة، هي الأخرى، إلى صدمة تخلي زوجها عنها بعد اكتشافه إصابتها بسرطان عنق الرحم، ولم تشفع لها 18 سنة من العشرة الطيبة ولا الثلاثة أطفال الذين أنجبتهم له، ترك كل شيء بحجة مرضها، وكأنه وجد فرصة لا يحاسبه عليها المجتمع، كما قالت صفية، ” كانت والدتي دائما تقول لي بأن الرجل لا يتقاسم هم المرض مع المرأة، عكس المرأة التي تتحمل كل شيء في سبيل بيتها وزوجها، وجاء اليوم الذي وصلت فيه إلى هذه النتيجة”.

وفي حالة سناء ، لم يطلقها زوجها، بل تركها معلقة ولم يتحمل مسؤوليتها وظلت تعاني ويلات المرض والهجران، تقطع المسافات لوحدها كي تصل إلى مصحة ببروكسيل  أين تتابع جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي، ولولا مساعدة الجمعيات وأهل البر لماتت كمدا وحسرة على حالها في زمن تخلى عنها فيه الحبيب والقريب.

..أهلك يحبونك غنية وزوجك يحبك عفية

حكاية حياة تختلف عن الأخريات، لأن زوجها لم يتخل عنها في عز أزمتها الصحية، فبعد اكتشافها إصابتها بالمرض الخبيث، سارع معها لتدارك الأمر وسارع بعلاجها، فقامت باستئصال ثديها وعالجت بالكيماوي وبالإشعاعي، عاشت تجربة مريرة مع المرض لكنها لم تذق مرارة هجر الزوج إلا بعدما تعافت، لأن زوجها وقف إلى جانبها لمدة سنة ونصف من العلاج المتواصل وتحمل مسؤولية النفقة وغيرها، وحينما تماثلت للشفاء، صارحها بأنه ينوي الزواج بأخرى وخيّرها بين القبول بالأمر الواقع وبين الطلاق، فاختارت القبول بضرة استحوذت على كل شيء، أما زوجها فتحول دوره إلى معيل للأسرة يفي باحتياجاتها هي وأبنائها في بيت مستقل لا يقيم فيه هو، لأنه اختار الإقامة مع الزوجة الجديدة العفية التي تعرف عليها في وقت مرض زوجته.

لو كان هو المبتلى .. ما تخليت عنه

فيما قالت عائشة ، التي عاشت نفس التجربة، “المرض ليس اختيارا، وبدل أن أكون أنا المريضة كان يمكن أن يبتلى هو بالمرض، فالمريض لم يختر بإرادته أن يكون مريضا، ومن ثم فإن تخلي أحد الزوجين عن صاحبه المريض يزيد في ألمه وحزنه ومعاناته بلا شك، فإن كانت الإصابة بالمرض قبل الزواج وعلم بها الشريك الآخر مسبقاً ورضي بها، وليس من حسن العشرة والوفاء والكرم أن يجعلها سبباً للانفصال، أما إن كانت الإصابة بالمرض أوالإعاقة بعد الزواج، فليس من حسن العشرة والوفاء أن يرضى أحدهما بصاحبه معافى ثم يتخلى عنه ويتركه وقد ابتلي بهذا البلاء، وللأسف هذا ما يحدث في الجزائر”.

الخيانة والإهمال أشد وطأة من المرض

فإهمال الزوج لزوجته وتخليه عنها نتيجة مرضها يعتبر قلة وفاء منه، مع أن بعض الرجال يساندون زوجاتهم في المرض ويقفون بجانبهن عكس البعض الآخر الذين يستغلون فرصة المرض للبحث عن حياة جديدة، مشيرة إلى أن فعل التخلي على الزوجة بسبب مرضها ينافي الشرع، لقول الله تعالى: “وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً”، ولقوله تعالى “هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ”، وبالتالي على الزوج والزوجة أن يساندوا بعضهم في السراء والضراء، خصوصا وأن الضرر النفسي الذي يترتب على إهمال الزوجة وإهانتها يكون أشد وطأة من المرض العضوي الذي تعاني منه، وبالتالي بدل أن تفكر في حالتها الصحية وفي سبل علاجها توجه فكرها إلى ردة فعل الزوج وهذا يعقد حالتها ويجعلها أسوأ بكثير.

التخلي على الزوجة بسبب المرض ينافي الشرع والخلق 

إن للزوج والزوجة حقوقا وواجبات تجاه بعضهم البعض ولا بد من مراعاتها، فتخلي الزوج عن زوجته لمجرد أنها تعرضت لمرض خطير، يعبر عن قلة وفاء هذا الزوج، فبدل أن يسعى لعلاج زوجته والتخفيف عنها والوقوف إلى جانبها يقوم بالعكس.

فالزوج الذي قام بالتخلي عن زوجته وتطليقها نتيجة مرضها أن يفترض بأن بلاء هذا المرض سلط عليه، فكيف كان سيشعر إذا تخلت عليه زوجته في ظرف كهذا، مؤكدا بأن هذا الفعل ينافي الشرع والأدب والوفاء والخلق وحتى العقل، حيث أمر الله بمعاشرة النساء بالمعروف، لقوله تعالى: ” وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” وقال الله تعالى أيضا: ” وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ”.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: