تنظيمات إسلامية مختلفة تتنافس للتمدد داخل المجتمع الفرنسي

توجد في فرنسا العديد من الهيئات الإسلامية تختلف انتماءاتها وأهدافها، فالبعض منها يتغطى برداء الدين لتنفيذ أجندته السياسية فيما ينأى البعض الآخر بنفسه عن تيار الإسلام السياسي ويحترم مبادئ الجمهورية.

وتتنافس أكثر من مجموعة إسلامية في فرنسا في ما بينها سواء بالسيطرة على جامع باريس الكبير أو على مساجد ضواحي العاصمة الفرنسية أو في مناطق أخرى تشتهر بكثافة المجتمعات الإسلامية فيها.

ويعد مسجد باريس الكبير أو المعهد الإسلامي، واحدا من أبرز الهيئات الممثلة للمسلمين في فرنسا. وهو مؤسسة تم تشييدها في العام 1926 ويعد من أكبر مساجد أوروبا ويتبعها عدد من المساجد الإقليمية التابعة له.

وكان مسجد باريس الكبير لسنوات طويلة الممثل الفعلي للإسلام في فرنسا، قبل بروز تنظيمات إسلامية أخرى منافسة في العقود الأخيرة بحسب تنامي تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية وأوروبا.

وتضم هذه المؤسسة مركزا إسلاميا ومدرسة وقاعات اجتماعات ومحاضرات ومكتبات ومطاعم ومسكنا للإمام. ويعتمد على أوقافه لتمويل نفقاته.

ومنذ استقلال الجزائر أصبح مسجد باريس تحت إشراف الحكومة الجزائرية، حيث كان قبل ذلك خاضعا لتسيير الحكومة الفرنسية الني تعيّن إمامه وهو نفسه عميد المعهد الإسلامي.

مسجد باريس كان لسنوات طويلة ممثل الإسلام في فرنسا قبل بروز تنظيمات منافسة مع تنامي تيار الإسلام السياسي

ومن بين الهيئات التي دخلت التنافس مع مسجد باريس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا وهو ممثل تنظيم الإخوان المسلمين في فرنسا. ويدير هذا الاتحاد بعض المساجد والمدارس والمخيمات الشبابية كما يقيم مؤتمرا سنويا يسمى “الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا” الذي يعتبر مناسبة لإلقاء المحاضرات وعقد الندوات السياسية والدينية وتلاوة القرآن وعرض المؤلفات الإسلامية والمنتجات الحلال من ملابس ومأكولات وغيرها.

وتصنف البعض من الدول اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ضمن التنظيمات والجماعات الإرهابية، ومن بينها دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتم تغيير تسمية هذا التنظيم ليصبح “اتحاد مسلمي فرنسا” وهو الفرع الفرنسي من اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا. وهو عضو في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية ويضم أكثر من 250 جمعية إخوانية، ويشرف على عدد من المؤسسات والكيانات والمراكز الإسلامية التابعة للتنظيم.

ويدير الاتحاد معهدا إسلاميا يسمى المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، الذي يقدم دروسه عن بعد ويدرب الأئمّة وينشر الكتب الإسلامية باللغة الفرنسية بحسب ما يتماشى مع الأيديولوجيا الإخوانية.

ويضم هذا الاتحاد العاملين والمتطوعين والمتعاطفين والطلبة المسلمين الفرنسيين، إلى جانب قطاعات خاصة يعمل فيها شباب ينتمون إلى التيار الإسلامي.

كما يشمل الجمعيات الخاصة بالنساء والتي تسمى “الرابطة الفرنسية للمرأة المسلمة، وفي المجال الإنساني ينشط من خلال اللجنة الخيرية ودعم فلسطين أما في مجال الطب فجمعية ابن سينا تضم الأطباء المسلمين. ويضم أيضا الكوادر الدينية التي تنتمي إلى جمعية أئمة فرنسا.

أعمال وعلاقات خارجية مشبوهة لاتحاد مسلمي فرنسا 

ويدعي هذا الاتحاد انشغاله بالعمل الدعوي وبعده عن السياسة لكن نشاطاته وتغلله في هذا المجال باتا واضحين للعيان حتى أن البعض من المنتمين له يترشحون للانتخابات وقد فاز أحدهم برئاسة بلدية في الانتخابات الأخيرة.

ويقول متابعون إن اتحاد مسلمي فرنسا يعتمد منهجا تضليليا ليتمكن من التغلغل في المشهد السياسي الفرنسي بطريقة تضمن له عدم رصده من قبل الأجهزة الحكومية وبالتالي عدم إيقاف نشاطه، لكن أساليبه وأعماله وعلاقاته الخارجية المشبوهة فضحتها العديد من التقارير الأمنية والإعلامية.

وتوجد في فرنسا أيضا الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا التي تأسست في عام1985 برعاية رابطة العالم الإسلامي في محاولة لتوحيد المسلمين في فرنسا وأوكلت مهمة التأسيس والتسيير فيها لفرنسيين معتنقين للإسلام، لكن بعد ذلك تغيرت قيادة الفيدرالية ثم استقلت عن رابطة العالم الإسلامي وهي تضم حاليا أكثر من 150 جمعية.

وتتعاون هذه الفيدرالية مع اتحاد المنظمات الإسلامية، وهو ما جعل مسجد باريس يتخذ موقفا من كليهما.

وتنسق الفيدرالية بين الجمعيات التابعة لها وتهتم بقضايا المسلمين في فرنسا والدفاع عن الدين الإسلامي هناك بصفة عامة، وتسعى إلى إيجاد منهج موحد للتنظيم الإسلامي والإشراف الدقيق على الطعام الحلال، وتعليم الإسلام واللغة العربية لأبناء المسلمين في المدارس الرسمية.

أما يد تركيا فتصل إلى فرنسا عبر “لجنة تنسيق الجمعيات المسلمة” في فرنسا و”جمعية المجتمع الإسلامي الفرنسي”. وتخضع البعض من الجمعيات الإسلامية التركية في فرنسا للإشراف المباشر من سفارة أنقرة في باريس فيما البعض الآخر يتبع المعارضة.

وأمام محاولات الاستقطاب لمسلمي فرنسا من قبل قوى خارجية ودول أجنبية، قررت الحكومات الفرنسية تأسيس هيئات تحمي أتباع الديانة الإسلامية من المشاريع التخريبية فتم تأسيس “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” لتمثيل المسلمين في فرنسا ومعالجة القضايا التي تهمهم.

وتم تأسيس هذا المجلس في العام 2003 عندما كان نيكولا ساركوزي وزيرا للداخلية. وتم تحديد صلاحيات هذا المجلس بالتنسيق مع الحكومة عند بناء المساجد وفي ما يتعلق بالمنتجات والتجارة الحلال وتأهيل الأئمة والمسلمين المساجين والمنضمين للجيش الفرنسي وتنظيم المناسبات الدينية الإسلامية.

لكن هذا المجلس وعلى غرار هيئات إسلامية أخرى في فرنسا رعتها الدولة في البداية تعرض إلى اختراقات من قبل تيار الإسلام السياسي، ما جعل الدولة تعيد ترتيب البعض من المسائل والتشريعات المتعلقة به.

وكان وزير الداخلية الفرنسي السابق كريستوف كاستنير قد قال، في مقابلة تلفزيونية في وقت سابق، إن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية “مبني حاليا على قواعد بلدان أخرى، وتأثير البلدان الخارجية هو الذي يرجح كفة الميزان داخل المجلس”.

جدل كبير حول دور بعض الأئمة في نشر الأفكار المتطرفة في فرنسا

وجاء هذا التصريح في خضم جدل كبير حول دور البعض من الأئمة التابعين للمجلس في نشر الأفكار المتطرفة في فرنسا، ما دفع الدولة إلى مراجعة أساليب اعتماد الأئمة والذين كان يتم جلبهم من دول أخرى بينها المغرب وتونس والجزار وتركيا.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تصريح إعلامي سابق، “لن أسمح لأي دولة مهما كانت بأن تغذي الشقاق… لا يمكن أن تجد القانون التركي مطبقا على تراب فرنسي. هذا لا يمكن أن يحدث”.

وفي العام 2016، سعت فرنسا إلى إعادة ترتيب أوراقها في ما يتعلق بالهيئات الممثلة للمسلمين على ترابها فأسست “مؤسسة إسلام فرنسا” من أجل تسيير موضوع تمويل دور العبادة وتسيير الإسلام في فرنسا بعد مشاورات مع مثقفين وسياسيين وفاعلين اجتماعيين فرنسيين، وهو ما يهدف إلى التصدي لكل محاولات نشر السلوكات والأفكار المتشددة في فرنسا.

والعام الماضي، نظمت هذه المؤسسة بالشراكة مع رابطة العالم الإسلامي المؤتمر الدولي للسلام والتضامن. وجاء تنظيم هذا المؤتمر في سياق التصدي لكل الأفكار المتشددة التي تبتعد عن الإسلام المعتدل وتدعو إلى التطرف في تطبيق تعاليم الدين. وتتبنى رابطة العالم الإسلامي التي يقع مقرها في مدينة مكة بالمملكة العربية السعودية هذا النهج المعتدل الذي ينبذ الغلو في تطبيق تعاليم الدين الإسلامي وتدعو إلى إعلاء قيم التسامح والتعايش بين الأديان.

وانبثقت عن التنظيمات الإخوانية في فرنسا العديد من المجموعات والهيئات المناهضة للإسلاموفوبيا وتلقي تهمة معاداة الإسلام على كل صوت ناقد للمشاريع التخريبية. ومن بين هذه المجموعات ائتلاف مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا والمرصد الوطني لمناهضة الإسلاموفوبيا.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: