توحشتك ناداتي

توحشتك أنا نتداتي بغيت نشوفك” كانت كلمات أغنية جزائرية جميلة للمغني فيصل الصغير كلما انتهت أعدتها مرارا وتكرارا في مسجل السيارة حتى حفظت كلماتها عن ظهر قلب. أشفقت على المغني العاشق الولهان الذي يعاني آلام الحب والاشتياق.

وفجأة تساءلت لماذا نقول في تونس كما إخوتنا في المغرب العربي “توحشتك” بدل اشتقت إليك كما في جل الدول العربية مع بعض التحويرات البسيطة إذ تصبح “شتاقتيلك” في العراق و”اشتأتلك” في لبنان مثلا.

“وحشتني كتير” المصرية هي تلك “توحشتك بالزَّاف” الجزائرية والمغربية و”توحشتك هلبة” الليبية و”توحشتك برشا” التونسية ليصل “الوحش” أحيانا بتطرفه إلى حد القتل “توحشتك والوحش قتلني”.

لكن كيف يمكن لآدمي أن يتوحش عندما يشتاق؟ يتوحَّش الإنسيُّ فيصير كالوحش طبعا وتصرّفا، يتوحَّش المكانُ أيضا فيصير قفرا خاليا من النّاس.

نتوحش لأن الاشتياق فعلا وحش يقتلنا بالذكرى ويلتهم قلوبنا ويترك أرواحنا مقفرة.

برأيي أن مفردة “الوحش” أبلغ للتعبير عن الاشتياق من مفردة الاشتياق نفسها؛ فأن تقول لشخص اشتقت إليك فكأنما تقول له إنك ترغب في لقياه. أما قولك لأحدهم “توحشتك” فكأنما تخبره بأن فؤادك بات خاويا في بعده -كالأرض الواسعة القفر- فاستوحشت أيامك دونه!

لكن هل تعلمون أن في العربية أكثر من ستين طريقة لتخبر شخصا بأنك “توحشته”!

اشتقت إليك، ‏وتشوّقت، ‏واشتقتك، ‏وتشوقتُك، ‏وصبوتُ، ‏وتُقت، ‏وطربتُ، ‏وحننتُ، ‏وغرضتُ، ‏ونزعتُ إليك.. وإني لأجاد إليك، ‏وقد ظمئتُ إلى لقائك، ‏ونازعتني نفسي إليك، ‏وتخالجني إليك شوق، ‏واهتاجني الشوق إليك، ‏وهزني، ‏وحفّزني، ‏واستفزني، ‏واستخفني.

‏‏وقد لجّ بي الشوق، ‏وبرح بي الشوق، ‏وكدت أذوب شوقا، ‏وكاد فؤادي يطير شوقا إليك، ‏وكاد قلبي يهفو في إثرك.. وأنا إليك دائم الشوق، ‏والحنين، ‏والتوق، ‏والتوقان، ‏والصبابة، ‏والنزاع، ‏والنزوع.. وأنا شيق إليك، ‏ومشوق، ‏ومجود.

‏ ألم ترني من ناحيتك لامع البرق، ‏واستوقد شوقي إليك وافد النسيم، ‏واستخفتني إليك، نزيه من الشوق وهيمًا فاجأ منك، ‏وبي إليك طربٌ، ‏وصورٌ، ‏وبي إليك طربٌ نازع، ‏وإني لنزوع إلى الوطن، ‏توّاق إلى الأحبّة، ‏توّاق إلى ما لم ينل.

‏وفي قلبي لوعة الشوق، ‏وحرقته، ‏وجواه، ‏وغلته، ‏وغليله، ‏وأواره، ‏ولاعجه، ‏ولواعجه، ‏وتباريحه، ‏وحزازاته.. وقد أسلمني الجلد، ‏وأقلقني الوجد، ‏وأنحلني الشوق، ‏وأسقمني، ‏وأذابني واستطار فؤادي، ‏وسعر أنفاسي، ‏والتعجت في أحشائي نيران الأشواق، ‏وبت أتوهج من حر الشوق.. ألم ترني ملتهب الصدر، ‏مضطرم الضلوع.

للهِ ما حَوَت قلوبنا من وحش.. للهِ اشتعالُها والسّكون!

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: