محمد زيان وزير مغربي سابق يبشّر بحزب سياسي لا يُقهَر

آخر نتائج مواجهاته الدونكيشوتية مع الكل توقيفه عن ممارسة مهنة المحاماة لمدة سنة، وسبق الحكم عليه العام الماضي لمدة ثلاثة أشهر، وقد تلخصت مبررات هيئة محكمة الاستئناف في الرباط، في أن مرافعاته بشكل خاص في ملف الصحافي توفيق بوعشرين، كانت خارج السياق أو أنه قام هو بتجاوزات مهنية وادعاءات لا أساس لها من الصحة، والإتيان بتصرفات منافية لقواعد وأخلاق المهنة. طبعا قام نقيب المحامين السابق محمد زيان، برفع كلتا يديه مبرّئا نفسه من أي تصرف خارج أخلاق المهنة، وأن القرار الذي اتخذ في حقه ظالم وينال من مهنة المحاماة.

وجاء في حيثيات القرار القضائي، إن جميع التصرفات والعبارات الصادرة عن المطعون ضده خلال جلسات أبريل ومايو ويونيو، تعبر بشكل واضح عن مدى إخلاله بكنه وروح قسم المحامي الذي يؤديه كل من أراد الانتساب إلى مهنة المحاماة والاضطلاع بأدوارها النبيلة.

ينتقد الوضع الحقوقي بالبلد بشكل مستمر، فدائما ما اعتبر زيان أن النيابة العامة تغوّلت، وأصبحت تؤدي أدوارا سياسية، وكحقهم الدستوري تضامن العشرات من المحامين المنتمين إلى مختلف الهيئات، في وقفة احتجاجية أمام مقر محكمة الاستئناف في الرباط، احتجاجا على القرار، الذي اتخذ في حقه بمنعه من ممارسة المهنة سنة كاملة.

لكن القرار القضائي يفحم زيان المثير للجدل بأنه نعت الوكيل العام للملك بقوله “أنت ظالم، وينبغي أن تتابع جنائيا وأنا سوف أتابعك جنائيا” واستمر في الصراخ وبعد ذلك بصوت مرتفع، ما ترتب عنه رفع جلسة 30 مايو 2018، لحصول الضوضاء والاضطراب بها.

علاقة محمد زيان بالمحكمة يشوبها في الغالب الكثير من التوتر سواء كان في موقع المدافع أو المتهم، فقد مثُل أمام هيئة قضائية قبل عامين، بناء على شكاية حركتها النيابة العامة إثر حديثه عن كون ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف الذي كان ينوب عنه بمحكمة الاستئناف، أخبره بأنه تلقى مكالمة هاتفية من طرف الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، إلياس العماري، قصد “التآمر ضد الملك”، وهو ما نفاه الزفزافي، وكانت نهاية علاقة زيان بذلك الملف المعقد.

خصومة مع السياسيين

إعلان زيان أن لديه برنامجا سياسيا قادرا على تغيير وجه المغرب في أيام، يوضح مدى شغفه بالكلام المثير، مع أنه لم يكشف للرأي العام سرّ هذا البرنامج

معجب بالحرب والمعارك لأنها في نظره تنتهي غالبا بالصلح والتفاهم، وتنأى عن التعنت والتشتت، يشعر بالفرح والغبطة حينما يحدث التجاوب والتجاذب بين طرفيها في الختام، هذا هو المنطق الذي يحرك زيان متغاضيا عن الكوارث التي تحدثها الحروب اقتصاديا واجتماعيا وحضاريا ونفسيا.

فقد هاجمه إلياس العماري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، واصفا عمله كمحام ووزير سابق لحقوق الإنسان بالأسود، ومذكرا إياه بالأدوار المثيرة للجدل التي لعبها ضد السياسي المعارض الراحل أبراهام السرفاتي حيث ساهم في سحب جنسيته المغربية منه، قائلا له لا تدفع أبناءك وحفدتك للبحث في تاريخك المخجل.

ذهب المحامي ورئيس الحزب الليبرالي المغربي، بعيدا في مواجهته لكافة الأحزاب المغربية عندما قرر مُتابعة حزب العدالة والتنمية والأحزاب المشكلة للأغلبية قضائيا بتهمة مُحاولة إثارة الحرب الأهلية في البلاد، بعد اتهامها لحراك الحسيمة بالانفصال، مشددا بثقة زائدة أنه “إذا لم يُنصفنا القضاء المغربي في المرحلة الأولى سوف نلجأُ إلى المحكمة الجنائية الدولية، دون أيّ تردد، لأن هذه الأحزاب لا تمثل المغرب وسياسيته”.

الخصومة الظاهرة دفعت زيان إلى القول إن حزب التجمع الوطني للأحرار لا يملك أيّ شخص فيه صفات رئيس الحكومة المستقبلي، وإذا فاز في انتخابات 2021 القادمة ستندلع الثورة في البلاد، في إشارة إلى أن الأمين العام للحزب، عزيز أخنوش، لا يصلح لأن يكون على رأس حكومة. وربط زيان عودة ثقة المغاربة في السياسيين ودفعهم إلى التصويت بزوال الأحزاب التي دبرت الأمور لعقود من الزمن دون نتائج، متحديا رئيس الحكومة سعدالدين العثماني بالقول “عليكم أن تعطونا الفرصة نحن الذين لم ندبر الشأن العام، وسوف ترون الثقة تعود إلى المغاربة، لأن الشعب لن تكون له ثقة ما دامت نفس الوجوه موجودة”.

الفجاجة كسياسة

من الصعب رصد خيط ناظم يضبط مسارات وأهداف تصريحات زيان، لكن الدافع الأساسي على ما تظهره مواقفه لا ينضبط فقط إلى ما هو قانوني صرف بل تحدده الخصومة السياسية والمزاج العام للرجل وما يمكن أن يستفيد منه حالا ولاحقا، فقد أنكر أن تكون إسبانيا قد قصفت بالأسلحة الكيمياوية سكان شمال المغرب الذين قاوموا احتلالها لأراضيهم في القرن الماضي.

زيان المولود بمدينة مالقا بإسبانيا في فبراير 1943، من أب من شمال المغرب وأم إسبانية، ناقض الشهادات والتاريخ والعينات مبررا ذلك بأن إسبانيا لم تكن لها القدرات الكافية للقيام بتلك العملية الواسعة، كما لم يتمّ تناقل أخبار عن وجود حرائق هائلة في أحراش وغابات المنطقة الشمالية في ذلك الوقت.

حتى فايروس كورونا كان فرصة للسباق الشعبوي عند زيان عندما تحدى وزير الصحة خالد آيت طالب لمواجهته إعلاميا، داعيا إياه إلى مناظرة تلفزيونية على المباشر للحديث عن الأرقام والتدابير التي اتخذتها وزارته متوعدا بكشف كل ما في جعبته للمغاربة ولو كان الثمن سجنه.

قد تتفق معه عندما يتحدث عن مافيا العقارات التي تمتص دماء المواطنين، وتذهب مع مقولاته حول الحرية والأحزاب والسياسة الاقتصادية، لكن نرجسيته الفائضة تجعله قريبا من منطق المظلومية الذي ترفعه عادة جماعات الإسلام السياسي، عندما يقول إنه لا يوجد في المغرب من يؤدّي ثمن نضاله وأفكاره سواه.

زيان مولع بالحروب والمعارك لأنها في نظره تنتهي غالبا بالصلح والتفاهم، وتنأى عن التعنت والتشتت. هذا هو المنطق الذي يحركه متغاضيا عن الكوارث التي تحدثها الحروب اقتصاديا واجتماعيا وحضاريا ونفسيا

ومن بركات شعبويته دخول حزبه المغربي الحر، على خط الضجة التي أثارها تقرير لمنظمة “أمنستي أنترناسيونال” بخصوص قضية التجسس على المعطيات الخاصة للمواطنين المغاربة، مطالبا الحكومة المغربية بالتعجيل في الكشف عن كافة ملابسات وظروف هذه القضية، دون أن يلتفت إلى أن الحكومة طالبت بأدلة دامغة تؤكد مزاعم المنظمة وأن المسألة ليست محسومة نهائيا من الجانب الآخر.

وللتأكيد على أن الشعبوية علامة فارقة عنده، أعلن زيان استقالته في العام 1996 من منصبه كوزير لحقوق الإنسان، بسبب معارضته لحملة التطهير التي كان يقودها وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، ضد رجال أعمال مغاربة منتقدا التجاوزات ضد البعض منهم.

من تجليات سطوة لسان زيان تصريحه بأن لديه برنامجا سياسيا قادرا على تغيير وجه المغرب في أيام، ولم يكشف للرأي العام سرّ هذا البرنامج، لكنه لخصه في مطالب بتأميم المناجم في المغرب، ومناجم الذهب بإقليم طاطا، لتعود للشعب المغربي معتبرا أن هذه الخطوة ليست صغيرة.

ولكي يضخم من موقف حزبه السياسي وصف الأحزاب بالجبن والخوف من الحديث عن الثروات الطبيعية ومداخيلها الحقيقية، واستفادة الشعب المغربي منها، وهنا يحاول أن يبرز كقائد شعبوي عندما يقول إن “من كان يمتلك القدرة ليرفع هذا المطلب معنا، فليتفضل”.

أسس محمد زيان الحزب الليبرالي المغربي في العام 2002، والذي غير اسمه إلى الحزب المغربي الحر، وشارك في ثلاثة استحقاقات انتخابية دون الفوز بأي مقعد برلماني في آخر مناسبتين، وقاطع نسخة العام 2016 لحفظ ماء وجه قياداته، والغريب أن تبرير زيان للمقاطعة تحركه أشياء أخرى بعيدة عن هموم المواطن عندما قال إن السبب هو الدعم الهزيل المخصص للأحزاب الصغرى للقيام بحملاتها مقارنة ببقية الأحزاب، والحيف في الحصص المخصصة لهذه الأحزاب بالتلفزيون الرسمي.

يؤكد زيان أن الأحزاب التي تسير بأوامر فوقية، لا تمارس السياسة، ومسيروها هم أنصاف رجال، وعليهم اعتزال العمل السياسي، لكنه يدور دورة كاملة ليؤكد أن حزبه مختلف تماما وسيشارك في الاستحقاقات المقبلة. وفي لحظات التجلي يعترف صراحة ودون ماكياج بأنه “من حق الحزب الليبرالي أن يركب على أي حدث سياسي واجتماعي بالبلاد، ومن حقنا استغلاله سياسيا”.

المثير أن زيان بقي وفيا للقاعدة التي دأبت عليها قيادات الأحزاب بالاستمرار في مواقعهم، عندما أبى إلا أن يترشح لقيادة الحزب مرة أخرى دون أن يلتفت إلى قانون التداول على الكراسي وإعطاء الفرصة لقيادات أخرى حتى يتدفق دم سياسي جديد داخل الحزب، فهو يعتقد أنه من حقه أن ينتقد هذا السلوك لدى منافسيه الآخرين، لكن عندما يتعلق الأمر به يتهرب قائلا إن قواعد الحزب لا تزال متشبثة به.

الوجه الآخر لزيان، تفصح عنه مقولته بأن لا شيء يخلو من بعد تسويقي على اعتبار أن التجارة تمثل أقدم حرفة في العالم، وهذا يفسر أن أيّ عمل يقوم به كسياسي أو محامي يحركه “الماركوتينغ” كما صاغه عبر مسيرته العملية والشخصية.

ليبرالي ضد الاشتراكيين

فايروس كورونا لم ينج بدوره من زيان، الذي اعتبر الوباء فرصة للسباق الشعبوي، عندما تحدّى وزير الصحة خالد آيت طالب لمواجهته إعلاميا

كان نواب الاتحاد الاشتراكي ينهضون وينسحبون اعتراضا واحتجاجا على سياسته ومواقفه، عندما كان يدخل قاعة مجلس النواب وهو وزير لحقوق الإنسان. وفي روايته أن الاتحاديين اتفقوا مع وزير الداخلية، البصري، آنذاك، على هذه المناورة، لأن الجلسة كان سيثار فيها موضوع زعيم جماعة العدل والإحسان عبدالسلام ياسين، الذي طالب برفع الإقامة الجبرية عليه. هكذا فسر موقف الاتحاديين آنذاك ويقول متهكما “إنهم يبقون وراء الأبواب يتنصتون على تدخلاته”.

وإذا كان العدو اللدود لزيان هو النيابة العامة على المستوى القضائي، ففي السياسة اليسار وبصفة خاصة حزب الاتحاد الاشتراكي كان ومنذ زمن طويل عدوا أكثر من لدود، ويقول محمد زيان إن حزب الاتحاد الاشتراكي تاريخه مليء بالخيانات، فقد خاننا مع الجزائر خلال حرب الرمال، كما أنه رفض المشاركة في المسيرة الخضراء.

وفي الوقت الذي يقول مناصرو زيان إنه يتمتع بالجرأة والفضيلة والوضوح والصراحة، يعيب عليه الذين عاصروه سنوات نهاية سبعينات وبداية تسعينات القرن الماضي، بأنه لم يدافع عن حقوق المسجونين أو عائلات الذين توفي أبناؤهم في السجون والذين غالبا ما كانوا ينتمون إلى اليسار، في فترة ما اصطلح عليها بسنوات الرصاص، ولهذا لا يطمئنون إلى مرافعاته الحالية لتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والحقوق وفصل الثروة عن السلطة، معتبرين أنه محتال باسم القانون.

في المحاكمة الشهيرة لنوبير الأموي الكاتب العام السابق للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أكبر نقابة بالمغرب وذات التأثير في مجريات الأحداث طيلة عقود، والتي جرت أطوارها في أبريل من العام 1992، وبعد مرور ثمانية وعشرين عاما، يزعم زيان أن تلك المحاكمة تمت “بتواطؤ بين المخزن، ورفاق الأموي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، من أجل تصفية من بقي من اليساريين في الاتحاد بعد أن تمت تصفية مجموعة القياديين أحمد بنجلون وعبدالرحمان بنعمرو، وتهيئة البقية للدخول في حكومة التناوب”.

كان زيان آنذاك محامي الحكومة ومتسقا مع دوره، لكنه ادعى الآن أنه رغم دفاعه عن الدولة، كان ينتظر ألا تتجاوز مدة العقوبة 6 أشهر في الأقصى، ويضيف ”لكني اندهشت حين سمعت العقوبة المقررة في الملف، وقلت للصحافة بعد الجلسة إن هذا الحكم ظالم في حق الأموي، وإن غايته تبيّنت لي بعد الجلسة، حيث اكتشفت أن هذه العقوبة تم إقرارها من أجل تمرير مرحلة الانتخابات في أريحية بالنسبة للاتحاد دون حضور الأصوات المزعجة من الداخل“.

هذا تبرير ”محامي الشيطان“ كما كان خصومه في الاتحاد الاشتراكي يصفونه به، وتعالوا ندخل إلى دهاليز تفكير الرجل لنجد أن المسألة متعلقة بتصفية حسابات عندما يقول بلهجته الدارجة ما يقوله في حق “هذه المحاكمة أصرح به لأول مرة وهاد شي كامل غادي نقولو من بعد ما النظام خوا بيا وحتى أنا غادي نخوي بيه ونفرش أش وقع للأموي”، بمعنى أنه “لأول مرة أقوله من بعدما خانني النظام سوف أخونه وافضح ماذا وقع للأموي”.

يزعم محمد زيان أن رئيس الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر وجه تعليماته إلى عدد كبير من المحامين الاتحاديين والنقباء المنتمين إلى الحزب ذاته من أجل تسجيل مؤازرتهم للمشتكيات ضد الصحافي توفيق بوعشرين، مالك ومؤسس جريدة أخبار اليوم الذي تمت متابعته بتهم أبرزها الاغتصاب والاتجار بالبشر، معتبرا أن هذا الأمر يكشف زيف الشعارات التي يرفعها الحزب في الدفاع عن الحريات، وخاصة حرية الصحافة والإعلام.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: