عبدالرحمن اليوسفي.. أيقونة تجمع الفرقاء السياسيين

توفي الوزير الأول الأسبق عبدالرحمن اليوسفي أحد أبرز وجوه التاريخ السياسي الراهن في المغرب الجمعة عن عمر يناهز 96 عاما، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء المغربية عن عائلته. ورغم رحيله سيبقى السياسي المغربي المخضرم أيقونة تجمع الفرقاء في بلد يتسم بتنوع الألسن والثقافات.

توفي الجمعة السياسي المغربي البارز عبدالرحمن اليوسفي عن عمر 96 عاما، وهو ضمن قليلين اجتمعت حولهم أطياف مختلفة من الفاعلين والناشطين في مجالات السياسة والعلم والثقافة. ويعد من الاستثناءات المغربية، حيث قاد الراحل اليساري حزب الاتحاد الاشتراكي وقاوم الاحتلال ودبر حكومة التناوب، عبر محطات بصم فيها بشخصية مثابرة وصارمة وواقعية، حياة سياسية ثرية وحيوية كبيرة لم تخفت رغم العراقيل والعقبات التي انتصبت أمامه.

وكان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد أعطى تعليماته بنقل اليوسفي إلى أحد المستشفيات بالدار البيضاء لتلقي العلاج منذ نهاية الأسبوع الماضي بعد آلام على مستوى الصدر. وقالت مصادر مقربة من الزعيم الاتحادي إنه سبق نقله إلى نفس المستشفى 4 مرات خلال فترة الحجر الصحي المفروض في المغرب احترازا من انتشار وباء كورونا.

وقاوم اليوسفي عددا من الأسقام طيلة حياته فالمعروف أنه عانى من أمراض عدة، إذ تم استئصال رئته اليمنى من خلال عمليتين جراحيتين عام 1955 بمدريد، كما أنه في نهاية الثمانينات اكتشف مرضه بالسرطان، وأزيلت له 25 سنتمترا من القولون.

وولد عبدالرحمن اليوسفي في ضواحي مدينة طنجة، بشمال المغرب، والتي كانت آنذاك تخضع لنظام دولي، بحي اسمه الدرادب، في الـ8 من مارس 1924. وكان أصغر إخوته. وتلقى تعليمه الأولي ثم تابع مراحل أخرى من التعليم العالي ليتخرج محاميا.

مكانة متميزة

رغم اعتزاله السياسة لا يزال اسم عبدالرحمن اليوسفي يجمع الفرقاء على احترامه باعتباره أحد الآباء الأولين للسياسة المعاصرة في المغرب

تجمع النخب المغربية على مكانة عبدالرحمن اليوسفي في المشهد السياسي وذلك لصواب الفكرة الديمقراطية التي دافع عنها وجنوحه نحو المصلحة العليا للوطن بعيدا عن الأيديولوجيا. واستطاع اليوسفي في هذه اللحظة التاريخية أن يعيد صورة السياسي المدافع عن استقرار بلده ومؤسسات الدولة والانتصار لمنطق التدبير الواقعي.

ونظرا لمكانته الدولية أشاد السكرتير العام للأممية الاشتراكية لويس إيالا بخصال الزعيم الاتحادي الراحل الرفيعة وحنكته في تدبير شؤون حزب الاتحاد الاشتراكي حين كان يرأسه، وتميزه أثناء تقلده منصب نائب رئيس الأممية الاشتراكية.

وفي شهادته اعتبر سعدالدين العثماني رئيس الحكومة عبدالرحمن اليوسفي قائدا سياسيا ووطنيا، ورجل دولة كبيرا، يحظى بالاحترام والتقدير، خدم بلاده من مواقع مختلفة وأسهم بشكل كبير في مختلف مراحل التطور السياسي المغربي المعاصر.

وبعد مسيرة سياسية وحقوقية ونضالية امتدت لعقود اعتزل عبدالرحمن اليوسفي العمل السياسي في أكتوبر 2003. ونظرا لإرثه السياسي الكبير سمي شارع في طنجة باسمه بحضور الملك محمد السادس في عيد العرش 2016. ويشير تاج الدين الحسيني أستاذ العلاقات الدولية  لـ”العرب” إلى أن “إطلاق شارع باسمه بمثابة تكريم لليوسفي وهو على قيد حياته”.

اليوسفي رجل دولة

إجماع على نجاح تجربة اليوسفي

بدأ اليوسفي حياته السياسية في أربعينات القرن الماضي في حزب الاستقلال، أهم أحزاب الحركة الوطنية بالمغرب، الذي خضع للحماية الفرنسية الإسبانية ما بين 1912 و1956. وشارك في تأسيس أولى النقابات العمالية بالدار البيضاء خلال الأربعينات، إضافة إلى دوره في التنسيق مع حركة المقاومة المسلحة التي برزت مطلع الخمسينات.

ويقول الحبيب بلكوش الخبير في حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية لـ”أخبارنا الجالية ” إن “تجربة اليوسفي كرجل دولة طبع مسار تحول سياسي كبير من مختلف المواقع ضمن حزب معارض شرس وضمن قادة منفيين وعاش تلك اللحظة التي تعكس الحس الوطني”.

ويلفت بلكوش إلى أنه ساهم في انتقال الملك من الراحل الحسن الثاني إلى العهد الجديد بحضور رمزي أعطى بعض الاطمئنان النفسي والسياسي، وكذلك تحمله المسؤولية كرئيس حكومة رسخ اختيارات قضايا عديدة منها حقوق الإنسان التي أخذت مكانتها في عهده، مع تسوية ملفات المعتقلين وتوسيع فضاء الحريات لدفع الأفق الجديد.

واستقبل الملك الحسن الثاني عبدالرحمن اليوسفي في فبراير 1998 بالقصر الملكي بالرباط، ليعينه رئيسا للحكومة، ثم قال له “إنني أقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا أنك منذ الاستقلال لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار. ولكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام، حتى نكون مستعدين لولوج القرن الحادي والعشرين”.

من جهته، يعدد الحسيني خصال عبدالرحمن اليوسفي كرجل دولة، ويقول “كانت له رؤية في مسألة التناوب حيث عمل على عدد من الملفات الحقوقية والسياسية بتؤدة وليس بتسرع مفرط وخطوات مؤكدة ليطبع مرحلة مهمة في تاريخ المغرب حيث تعتبر تجربة التناوب من أنجح الحكومات التي مرت بالمغرب”.

ذلك الإشعاع الذي بقي يحتفظ به اليوسفي سواء عند خصومه وأصدقائه، أهله للبحث عن مخارج سياسية وتدبيرية داخل حزبه الاتحاد الاشتراكي، ويلفت بلكوش إلى أنه  يشكل إحدى الرمزيات التي كانت تعمل على جمع الناس على مشترك واحد.

وحسب الحسيني، يعتبر اليوسفي من بين الوطنيين الذين كانوا يشكلون حلقة توازن مهم على المستوى السياسي بالمغرب، وكان ذلك سواء داخل حزبه أو في المؤسسات التي عمل من خلالها، وقد عمل كسياسي ومناضل حقوقي ومحام من الاستقلال وقد ترأس جريدة التحرير من الخمسينات إلى منتصف الستينات.

ونظرا لعلاقات المواجهة التي طبعت المرحلة مع النظام انتقل اليوسفي  إلى الخارج لسنوات، وبعدها سيكتشف المغاربة من جديد شخصية اليوسفي عندما دعاه الملك الراحل ليكون أول وزير لحكومة التناوب في العام 1998.

وعرف عهد اليوسفي بالوزارة الأولى بين 1998 و2002، أحداثا هامة أبرزها وفاة الحسن الثاني وجلوس الملك محمد السادس على العرش، وكان يعبر عن فخره كرجل دولة كان على رأس من وقعوا على البيعة، بعد أعضاء الأسرة.

وفيما أكد العربي حبشي القيادي النقابي والسياسي أن اليوسفي كرئيس حكومة في حكومة التناوب من البناة الأساسيين لمرحلة الانتقال التي عاشها المغرب الحديث، إذ أسس لمرحلة جديدة قوامها تثبيت المصالحة وإنصاف ضحايا الماضي وقام بحل العديد من المشاكل الاجتماعية في العديد من القطاعات الإدارية والهيئات المهنية، كان له دور أيضا في الدفاع عن حرية التجمع والاحتجاج، بالإضافة إلى مساهماته الغزيرة في إعادة النظر في العديد من القوانين ذات الطابع الاجتماعي والحقوقي.

الهم الحقوقي

اليوسفي من الوطنيين الذين شكلوا حلقة توزان في المغرب

اشتهر اليوسفي أيضا بدوره في الأممية الاشتراكية وفي الدفاع عن حقوق الإنسان مشاركا في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان كذلك مدافعا عن المساواة بين الجنسين.

ووصفه الحبيب بلكوش، بأبرز الوجوه الحقوقية، ففي عهد الراحل اليوسفي تم تطبيق معايير العدالة الانتقالية حسب التجربة المغربية بكشف الحقيقة وبجبر ضرر الأشخاص الذين عانوا في المعتقلات حتى نهاية التسعينات، وتحديد التعويضات اللازمة إلى جانب توفر الإرادة السياسية رغم العراقيل التي كان يطلق عليها الراحل بجيوب المقاومة،  ما ساهم في إصلاح النظام القانوني والقضائي وترجيح الوضع الحقوقي، لتحقيق المصالحة الوطنية.

ومن وجهة نظر العربي حبشي فإن عبدالرحمن اليوسفي كان رجل دولة بامتياز، حيث ناضل في الواجهات السياسية والنقابية الحقوقية والإعلامية من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية،  لافتا إلى أنه كان يعمل كثيرا ويتكلم قليلا ولا يرتجل الكلام بل يكتب وبتحليل عميق ليمرر رسائله بشكل ناعم، وقد عاش زاهدا حيث أنه أثناء تحمله لمسؤولية الوزارة الأولى رفض الامتيازات المالية.

ورغم اعتزاله السياسة قبل أكثر من 16 عاما، لا يزال اسم عبدالرحمن اليوسفي يجمع الفرقاء على احترامه باعتباره أحد الآباء الأولين للسياسة المعاصرة في المغرب.

وتخلص القيادية حسناء أبوزيد بالقول إن السياسي الراحل عبدالرحمن اليوسفي هو “إنسان قبل أن يكون قائدا أو سياسيا وهو ذو قيم قبل أن يكون مؤمنا بمشروع أو مؤطرا بأيديولوجيا”.

وتتابع أبوزيد لـ”أخبارنا الجالية ”، “هو وطني قبل أن يكون سياسيا أو حزبيا وهو ملتزم أخلاقيا قبل أن يكون ملتزما بمسؤوليات أو بقوانين، وكلها صفات نحتت هذه الحالة الفريدة، حيث ظل يزرع حيث ما حل بذور الالتزام والوطنية والأمل في مغرب ديمقراطي عادل وحداثي”.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: