تأملات في معرض الدار البيضاء للكتاب

إنها كتب ذات عناوين مختلفة، وأنا لا أعرف غير بعض المؤلفات النابضة بالحياة والمثيرة للتساؤلات؛ واضحة وحاسمة ومدهشة للفكر، هكذا اقتحمت فضاء معرض الكتاب في الدار البيضاء، متأملا لكل الأروقة، باحثا عن بعض الناشرين، الذين نشروا كتبي، بيد أن زمن الندوة التي سأشارك فيها بدأ يقترب، وأخشى أن تتسلل الأفكار التي أحملها عن موضوع «سؤال الذات في الفلسفة المغربية»، على الرغم من أنني أجهل ساحات معارك الفلسفة حين يسودها غبار الناشرين للكتب، لأنه كلما تساءلت خائفا عن ردود فعل يائسة من أحد الناشرين لكتبي، أبحث عن المتعة في تلك اللحظات الجميلة التي رافقتني خلال مرح الكتابة، ونعومة الألم الذي يقتحم الروح ويجعلها تمشي بروعة في ساحات معارك الفكر والحرية والفن، على امتداد زمن مضطرب، لكن أي شيء بوسعه أن يحفزني في هذا اليوم المبتهج بعيد الكتاب؟ شيء واحد فقط: الفلسفة.
تأملات أشبه ما تكون بلعبة الفكر مع ذاته، حين يعيش اللحظة التي يكتبها، صراع في مقام غربة، والمجد الوحيد الباقي هو الكتاب، ليس هناك مال، ولكن هناك كتب، عبارة سمعتها من كل الناشرين، أعطيتهم الكتاب، وفي المقابل اختار الكتب التي سأحملها من أجل متعة القراءة في زمن الاغتراب الثقافي. ضائع، تائه، لم أفهم كيف سأقسم الزمان الذي حملته دعوة وزارة الثقافة، يوما لزيارة أروقة المعرض، والمشاركة في الندوة، ولكن شعورا قويا يدفعني بقوة أكبر من إرادتي، لن أقول إن كل كتاب يجب أن يكون جميلا، فالجمال يروق الروح بأسلوب هادئ، يستغل شعرية اللغة كسكنى للمغترب، ومن خلال متعة تحدث على مسافة نفسية من الكتاب، إننا نعرف الإنسان عند الشاعر حين يجعلنا شعراء، وعند الفيلسوف حين يجعلنا فلاسفة، فالكتاب الثمل بالجمال يشبه لوحة الوصيفات لفيلاسكيز لا نستطيع أن نرى اللوحة المرسومة في هذه اللوحة. إنه عمل يمثل رؤية عصره، نسق معرفي بلغة فوكو، فماذا يعني قولنا كتاب ما؟ هناك كتب، وهناك أشباه الكتب، فليس الكاتب من له كتب، بل من له قراء، وكثيرة هي الكتب المستفزة للنظر، ولا تصلح للعرض، وهناك بعض الناشرين السطحيين يمارسون التحايل من أجل الربح، ويخاطبون جمهورا مغيب العقل، وهناك دور للنشر عريقة تقام من أجل البقاء.

المعرض مناسبة للدفاع عن التنوير، سواء بواسطة الكتب، أو من خلال هذه الندوة الفلسفية التي شارك فيها نخبة من فلاسفة المغرب، وكانت غايتهم هي فتح حوار مع عشاق الحرية.

مقالات ذات صلة
1 من 413

سأعود إلى ندوة الفلسفة وأقتسم متعة الأسئلة مع جمهور شغوف بمحبة الحكمة، فكيف يمكن تقديم سؤال الذات في فلسفة تشكو من حرمانها من الحق في الحرية؟ بل ما الذي يمكن قوله عن فلسفة ارتمت في أحضان التراث لتدير ظهرها لعصر مضطرب؟ ألا يكون سؤال التراث في هذه الفلسفة لا يسمح لنا برؤية الذات التي جردت من الحرية والفكر؟ جدل الذات والفكر لا يتم سوى بضمانة الحرية كماهية للإنسان، والحرية مصدرها التنوير، أي وضع العقل في التاريخ لكي ينتقل الوعي الشقي إلى وعي بالذات؛ الذات هي الروح، والروح لا تكون روحا إلا عندما تتعرف على نفسها في التاريخ، والعلم الذي يكون حصيلة هذا التطور هو العلم بالوعي الذاتي، لكن هل بإمكان الذات أن تحقق وعيها الذاتي بدون حرية؟ وهل هناك حرية بدون تنوير؟ وكيف يكون التنوير ممكنا بدون فلسفة؟
التنوير هو الصورة المتحركة لجدلية العبد والسيد، وبعبارة أخرى إن التنوير هو الذي يفجر هذه الجدلي بواسطة الصراع، فلا شيء يضاهي الحرية في الوجود، حين تستيقظ روح العبد من سباتها وتطالب بحريتها، فمن خلال العمل يتعرف العبد على ماهيته، حيث يجدها مستلبة بالآراء الزائفة، التي يمررها السيد عبر السلطة والهيمنة والدين، ذلك أن الاعتقاد في العبودية يسبق الانتماء إليها، ما أشقى الوعي المستعبد بالعمل، فالسيد في هذا القياس هو القوة التي يندرج تحتها العبد والعبد مجرد وعي مغلوط يتوسط بين الشيء ومتعة السيد، القضاء على الشيء والارتواء بمتعته وإفراغ محتوى وعيه الذاتي وتشييئه، لكن بمجرد ما يكتشف العبد نفسه في النفي المطلق من خلال العمل الشاق يستيقظ من سباته ويقاوم من أجل حريته، ومهما يكن من أمر، فإن الفلسفة المغربية مع الرواد قد تأثرت بهذا التوجه التنويري وصارت فلسفة مناضلة مع الجابري حين دشن مشروعه نقد العقل العربي، ومع العروي في بنائه لمفهوم الدولة الوطنية، وجمال الدين العلوي في قراءته لابن رشد وغيرهم، ذلك أن الحفر الأركيولوجي في التراث واكبه التنقيب الجيد عن المنهج الفلسفي، وبما أن الفلسفة هي قراءة لتاريخها فإن سؤال الذات يظل هو نفسه عندما يمتزج بالحرية والفكر «فما يجعل عصرنا عصرا عظيما هو امتلاكنا للحرية والفكر» كما قال هيغل.
لقد كان هذا المعرض مناسبة للدفاع عن التنوير، سواء بواسطة الكتب، أو من خلال هذه الندوة الفلسفية التي شارك فيها نخبة من فلاسفة المغرب، وكانت غايتهم هي فتح حوار مع عشاق الحرية. ينبغي أن يستيقظ الفكر المغربي من نومه، حين يتم تحريضه على استعمال العقل بواسطة التنوير، وما أحوج المغرب إلى عصر تنوير فلسفي.

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: