الرئيسية » شؤون دولية » الضغوط الإقليمية تجبر الجزائر على تغيير موقفها من الأزمة الليبية

الضغوط الإقليمية تجبر الجزائر على تغيير موقفها من الأزمة الليبية

شؤون دولية يناير 25, 2020 8:36 م

عادت الجزائر للتفاعل مع الأزمة الليبية من بوابتي مؤتمر برلين ودول الجوار. لم تتمكن من إبراز دورها جيدا في ألمانيا وبدت كضيف شرف هناك، لأن دعوتها للحضور جاءت متأخرة كثيرا، وغابت عن جميع الاجتماعات التمهيدية التي بدأت قبل عقد المؤتمر بنحو خمسة أشهر وجرى فيها تحديد عناوينه ومساراته وخطوطه الرئيسية.

بادرت الجزائر باستضافة اجتماع دول جوار ليبيا الأسبوع الماضي، ولم يتمخض عن شيء ذي بال مثل غالبية اللقاءات التي عقدت على هذا المسار في عواصم مختلفة. لكنه أكد أن الجزائر عازمة على تجاوز التهميش والعودة للانخراط في تفاصيل الأزمة مرة أخرى، بعد أن تزايدت الضغوط السياسية والأمنية عليها. فلن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى الإرهابيين والمرتزقة يتم شحنهم على مقربة منها. يحاربون في ليبيا وعلى استعداد لمد بصرهم لغيرها.

لم تتخل الجزائر تماما عن الاهتمام بليبيا بحكم الأبعاد الجيواستراتيجية، وتابعتها عن بعد ودون دور ملموس في مكوناتها الرئيسية بسبب الظروف السياسية التي مرت بها البلاد، فضلا عن تنوع القوى المعنية وتباعد حساباتها في ليبيا، وخشية أن تتورط المؤسسة العسكرية صاحبة القبضة القوية بالداخل في دعم طرف قد يفقدها ما تحاول التلميح إليه من حياد.

الجزائر لم تتخل تماما عن الاهتمام بليبيا بحكم الأبعاد الجيواستراتيجية، وتابعتها عن بعد ودون دور ملموس في مكوناتها الرئيسية بسبب الظروف السياسية التي مرت بها

هي أمور مهمة أسهمت في غياب الجزائر عن المتابعة الدقيقة والعميقة، وعدم القيام بمهام مؤثرة في محطاتها المتعددة، حتى وهي منحازة إلى حكومة الوفاق في بعض الأوقات. فالأزمة بكل تشابكاتها تتطلب مرونة عالية للتعامل مع جميع أطرافها. كما أن التقديرات المتغيرة للقوى البعيدة والقريبة أخلّت بالكثير من التوازنات التقليدية التي تعرفها الجزائر.

أخذت الدولة الجزائرية تتعافى، وتطوي بعض الملفات الحرجة ورتبت أمورا عديدة في الداخل ما جعلها تتطلع إلى التعاطي مع المحيط الإقليمي، وتعويض فقدان رصيدها كدولة لها وزن في الأزمة الليبية، ومثّل حضورها في البداية أحد أركان المعادلة، سلبا أو إيجابا.

هضم الإسلاميين ونبذهم

كانت لديها رؤية للمصالحة الداخلية لا تستثني أحدا في ليبيا، بما في ذلك التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة، وحاولت تسويقها بكل السبل. ودخلت في خلافات بسبب هذا المحدد مع بعض القوى الإقليمية المؤثرة. ولم تفلح في تسويق رؤيتها السياسية. وجاءت أزمتها الداخلية لتبعدها قليلا عن ليبيا.

جاء الميل إلى الدفع نحو التجاوب مع القوى الإسلامية ضمن اعتبارات عدة، في مقدمتها الحرب الدموية التي خاضتها المؤسسة العسكرية الجزائرية ضد الجماعات المتطرفة وتكلفتها المادية والمعنوية الباهظة، والمعروفة بـ”العشرية السوداء”.

اجماع حول رفض التدخل الخارجي وتنظيف ليبيا من الميليشيات

لم تول الجزائر اهتماما بالفروق النسبية، وطبيعة التحالفات الداخلية، والامتدادات والخطوط الخارجية. ففي الحالة الليبية لعبت هذه العناصر أدوارا غاية في الخطورة، وأدخلت الأزمة في مزالق وعرة، أدت إلى صعوبة الثقة في التيار العقائدي في ليبيا بعد نسج شبكة معقدة من العلاقات قادت إلى عدم التورع عن استدعاء التدخل الأجنبي.

ظلت الرؤية الجزائرية تلقى معارضة مكتومة من مصر. وتم النظر إليها كمفتاح يشرعن وجود الجماعات الجهادية في السلطة، عقب نجاحها في الهيمنة على قرارات مصيرية تبنتها حكومة الوفاق.

ارتاحت القاهرة لتجميد الجزائر لتفاعلاتها في المرحلة الماضية، لكنها لم ترتح لاستمرار مواجهة التهديدات التي تمثلها تركيا لدول جوار ليبيا في الوقت الراهن، وما يترتب عليها من طموحات لأنقرة في المنطقة، ستكون لها تأثيرات سلبية على الجزائر ذاتها مستقبلا.

ساعد الغياب الاضطراري على خفوت صوت الجزائر في النظرة المتفائلة للإسلاميين بمشاربهم، ما وفر فرصة للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لتوجيه ضربات نوعية للمتطرفين الذين تضخموا بعد تحالفهم مع ميليشيات مسلحة ومرتزقة.

تتجه الجزائر للقيام باستدارة للعودة إلى ساحة ليبيا بسبب حزمة كبيرة من الضغوط تعرضت لها، في وقت لحقت بالأوضاع العامة تحولات كبيرة. حيث أصبح التيار الإسلامي منبوذا وتحول إلى رديف لكل الشرور والمصائب التي هبطت على ليبيا، وساعد العصابات المسلحة على المزيد من التغلغل، ودخلت حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج في تحالف قاتم مع تركيا، وقيامها بتهيئة المجال للتدخل العسكري المباشر. وكلها عوامل تثير الهواجس لدى الجزائر.

إستدارة إلى ساحة ليبيا بسبب حزمة كبيرة من الضغوط

تتجه الليونة الجزائرية بشأن الإسلاميين إلى التغير، ودعم موقف القوى المدنية الوطنية، حيث بات إسلاميو ليبيا غطاء للإرهابيين. ومهد السراج الطريق لأنقرة لتوسيع أُطر التدخل في الدولة الليبية التي فتحت الحكومة في طرابلس أبوابها للمرتزقة من بلدان مختلفة. الأمر الذي يخل بجزء من التوازنات التي تمسكت بها الجزائر طويلا، وقامت على منع انفلاتها إقليميا.

لم يعد المنطق السابق يجد رواجا أو حتى آذانا صاغية من كثيرين. فعندما تتبدل القواعد وتسقط العناوين النبيلة من الواجب أن تتغير الأوراق بما يتناسب مع المعطيات الجديدة.

رغم أن الجزائر ابتعدت لفترة محدودة، غير أن الواقع على الأرض شهد تغيرات واضحة، ما يجعل قيادتها تفكر في صياغة رؤية تكون قريبة من الأحداث وتتواءم مع حجم الضغوط. فليس من المنطقي استيعاب الإسلاميين وهم متورطون في عمليات إرهابية ودعم قوافل المرتزقة.

تعظيم دور الجيش الوطني

لن يكون من المقبول التعامل مع المؤسسة العسكرية التي يقودها المشير خليفة حفتر بالصورة القديمة الرافضة لدوره، والداعمة لخصومه. فقد وضع الرجل النواة التي يمكن بموجبها توحيد الجيش كعنصر محوري في التوازنات الليبية؛ لأن غيابه، أو تغييبه، أوصل البلاد إلى هذا النفق المسدود.

تعتزم الجزائر استئناف دورها كوسيط نزيه بين القوى الإقليمية والدولية وتكرار الدعوة إلى حوار بين جميع الأطراف في ليبيا. وهي دعوة قد يتم التعامل معها على أنها تحمل الكثير من حسن النوايا، والقليل من الحنكة والرشادة. فكأن المطلوب البدء من نقطة الصفر، وتجاهل الجهود التي بذلت من قبل جهات أوروبية وعربية، والقفز على كل الدول التي قامت بأدوار متباينة، بصرف النظر عن نجاحها وتأثيرها في تطورات الأزمة.

لذلك فهذه العقبة كفيلة وحدها بإفشال كل تحرك تقوم به الجزائر لاحقا. وتظهر كمن يريد قطف الثمار بلا وضع البذور التي تقود إلى الحصاد.

تبدو هناك علامات ارتباك تحيط بموقف الجزائر، منبعها تراكم الضغوط وانسداد أفق الخيارات الحرة. ولا تستطيع قيادتها المضي في سياسة الكمون الاستراتيجي بعد تراجع أسبابه الداخلية، ولا تستطيع اللحاق بقطار متعدد القاطرات، وبداخلها عدد من السائقين كل منهم يريد وضع يده على عجلة القيادة والمضي في مسار محدد وتنحية الآخرين.

كذلك لن تتمكن من زيادة السرعة وتثبيت قاطرتها في المقدمة، ومزاحمة بازار المبادرات السياسية. وسيكون المتاح أمامها اللحاق بأحد المحاور الثلاثة التي تتداخل وتتباعد في أحيان كثيرة، ولكل منها تقاطعات مع المحورين الآخرين.

تجاوز التهميش والعودة للانخراط في تفاصيل الأزمة مرة أخرى

المحور الأول، الأوروبي. وتتصدره فرنسا وإيطاليا وألمانيا. وهو من الصعب أن يحظى أحد مساراته أو كلها بدعم واضح من الجزائر لسياقات تاريخية تتعلق بعدم الثقة في هؤلاء. وهناك قناعة بأن حلف الناتو سبب الأزمة الراهنة في ليبيا. والدول الثلاث والدوائر التي تدعمها ساقت الذرائع لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي بالطريقة التي جرت، وأفضت إلى تخريب الجارة ليبيا. لأنه ليس من يخرب شيئا سوف يتمكن من إصلاحه.

المحور الثاني، روسيا وتركيا. رغم العلاقة الطيبة التي تربط الجزائر بهذين البلدين، يكتنف الغموضُ دورَ موسكو ولا يثير شهية التجاوب معه. كما أن تلويح أنقرة بالتدخل العسكري في ليبيا لا يروق للدولة الجزائرية ويحشرها في زاوية ضيقة إذا قبلته أو صمتت عليه. ولأنها ترفض الميل إلى مواجهة هذا الأمر بصراحة وتستخدم لغة دبلوماسية مطاطة كي لا تخسر الصديقة تركيا، فعليها أن تنحاز إلى الخطاب العربي الذي تعكسه مصر والإمارات.

يقودنا ذلك إلى المحور الثالث، العربي، والذي يرفض التدخلات الخارجية، ويريد تنظيف ليبيا من الميليشيات، والحفاظ على وحدة الدولة، ويطالب بالتوزيع العادل للثروة.

النقطة التي تجمع كل هذه القضايا وتحقق الغايات المطلوبة هي دعم المؤسسة العسكرية التي يقودها المشير خليفة حفتر، لأن تبني صيغة منحازة إلى حكومة الوفاق يزيد التدهور الذي تنعكس تداعياته على الجزائر، ويتسع بداخلها نشاط التيار الإسلامي القوي أصلا مع كل أرض يكسبها نظراؤه في دول الجوار.

يؤدي تضخم المتطرفين في ليبيا إلى زيادة الضغوط والمتاعب على الدولة الجزائرية. وقد ينكأ بعض الجراح في المؤسسة العسكرية التي تخطت مرحلة ما بعد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بأقل خسائر، لكنها لا تزال لم تسترد عافيتها كاملة، ما يجعلها حريصة على العمل لاستعادة الأمن والاستقرار في ليبيا كجزء من الأمن القومي. ومن الصعوبة أن يتحقق هذا الهدف من دون دعم الجيش الوطني كجهة وحيدة قادرة على قطع أذرع المتشددين والإرهابيين والمرتزقة والتدخلات الخارجية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: