مئات من الناشطين الحقوقيين المغاربة والفرنسيين وعائلته ورفاقه يحيون في الرباط وباريس ذكرى اختطاف الزعيم اليساري المغربي المهدي بن بركة
رغم مرور 54 عاماً على اختطافه واغتياله، ما زال الزعيم المغربي المهدي بن بركة، مؤسس اليسار المغربي الحديث، حياً وحاضراً في الحياة السياسية والحقوقية المغربية، وإذا كانت أفكار المهدي وما مثله من قيم نضالية وطنية وإنسانية تبقى حاضرة، فإن إصرار مرتكبي جريمة اختطافه واغتياله على إخفاء مصير جثمانه تثير الريبة وتجعل استحضاره يوم 29 أكتوبر من كل عام، ضرورة لحق رفاقه وعائلته والشعب المغربي في قبر له قرأوا الفاتحة على روحه، وبانتظار ذلك يحتشد المئات في المكان الأخير الذي شوهد به المهدي حياً أثناء اختطافه.
مساء أول أمس، في باريس، تجمع أفراد عائلته ورفاقه ومئات من الناشطين الحقوقيين المغاربة والفرنسيين أمام مقهى «ليب» في سان جيرمان باريس، المكان الذي كان يقف فيه المهدي ليتقدم منه رجال أمن فرنسيين، يشتغلون عملاء للمخابرات المغربية، وبعد أن قدموا له أنفسهم، طلبوا منه مرافقتهم على متن سيارة، ليرافقهم دون ممانعة ظناً منه أنهم سيأخذونه إلى قصر الإليزية حيث كان ينتظر موعداً مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول، ليختفي بعدها ولا يظهر له أثر.
تعددت الروايات حول ما حصل بعد الوصول إلى فيلا بضواحي باريس، حيث كان بانتظار بن بركة وخاطفيه مسؤولون في المخابرات المغربية، وإذا كانت كل الروايات تقر بتعذيب المهدي واغتياله والأطراف المشاركة بالجريمة من المخابرات المغربية أو الأمريكية أو الموساد الإسرائيلي وعملاء المخابرات الفرنسية ودور كل منها، إلا أن المجهول هو مصير جثمانه بعد الاغتيال.
وقفة أمام البرلمان
وفي الرباط، احتشد العشرات من النشطاء الحقوقيين أمام البرلمان يطالبون بالكشف عن هذا المجهول، ولم يطالبوا، كما المحتشدين في باريس، بمعاقبة المجرمين الذين أغلبهم قضى بحبه، لكنهم يطلبون من الدولة المغربية والفرنسية الكشف عن الوثائق مع سؤال حول رهبة الرباط الرسمية من هذه الوثائق، بعد أن شكلت الرباط 2003 هيئة حقيقة وإنصاف؛ لتفتح ملفات سنوات الرصاص وما تعرضله معارضو النظام من انتهاكات، وأبقت ملف المهدي بن بركة ومناضل آخر هو الحسين المانوزي، الذي اختطف في اليوم نفسه لكن بعد 9 سنوات، من تونس. لذلك، أعلن يوم 29 أكتوبر من كل عام يوماً للمختطف المغربي.
أسرة المهدي بن بركة وجهت رسالة إلى المحتشدين أمام البرلمان أكدت فيها ضرورة «مواصلة الكفاح من أجل الحقيقة والعدالة لكل ضحايا الاختفاء القسري، ودعم النضالات التي تقوم بها العائلات لمعرفة مصير أقربائها ووضع حد لكل أشكال الإفلات من العقاب، وطالبت بالكشف عن ملابسات اختطاف واختفاء المهدي بن بركة، وعن القتلة المعروفين، وعن مكان دفنه المحدد، وأن يتم تحديد جميع المسؤوليات، سواء كانت مسؤوليات الدولة أم الأفراد، منددة بتواطؤ الدولتين المغربية والفرنسية اللتين تواصلان استعمال وإساءة استعمال مفهوم المصلحة العليا للدولة وما يستتبعها من أسرار. إنهما، بوضع العراقيل هكذا أمام سير العدالة وتجاهل حق عائلتي في معرفة كل الحقيقة، تواصلان حماية المنفذين لهذه الجريمة الشنعاء والمتواطئين معهم لأكثر من نصف قرن بعد الأحداث».
وأكدت أن هذه المطالب «هي نفسها التي قدمتها في السنة الماضية. مع الأسف، إن كفاحنا خلال السنة الماضية من أجل الحقيقة حول ضحايا الاختفاء القسري وضد الإفلات من العقاب لم يتقدم، أصبح مهدداً أكثر بإجراءات ترمي إلى طي الصفحة نهائياً عن الاختفاء القسري دون إنصاف الضحايا ودون احترام حق عائلاتهم اللامشروط في الحقيقة».
يوم المختطف
وأضافت الرسالة «إن يوم 29 أكتوبر، الذي تم إعلانه «يوم المختطَف» من طرف كافة حركات حقوق الإنسان والقوى الديمقراطية في المغرب، هو مناسبة لجرد وضعية حقوق الإنسان في بلدنا والتذكير بفشل السلطات المغربية في إغلاق ملف الاختفاء القسري. إن عائلة الحسين المانوزي، الذي اختطف في تونس من طرف فرقة أمنية مغربية، وعشرات آخرين، ينتظرون الكشف عن حقيقة مصير أقربائهم، وتوقف الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة. وأمام إرادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان لطي هذه الملفات، لا بد أن نحيي المقاومة الشجاعة للعائلات التي تقوم بالوقفات المنتظمة، والمسيرات الوطنية وتعبئة الرأي العام الوطني والدولي و نؤيد شعارها من أجل لجنة وطنية لاستكمال الكشف عن الحقيقة».
وقالت «إن هذه الصعوبة التي تحول دون تحقيق أهدافنا هي جزء من هجوم السلطة المتمثل في القمع المنهجي للحركات الاجتماعية وفي الهجوم على المكتسبات التي تحققت في مجال حقوق الإنسان»، وسجلت أنه «رغم تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون التي يطالب فيها بفتح الأرشيف المصنف ضمن أرشيف أسرار الدفاع في قضايا أخرى، فإن كل الملفات المتعلقة باختطاف واختفاء المهدي بن بركة ما زالت دائماً غير متاحة للعدالة وعائلته».
دور الموساد
ويبقى دور الموساد الاسرائيلي محل بحث واهتمام والكشف عن هذا الدور يبين العلاقات بين المخابرات الإسرائيلية والمغربية في ذلك الوقت، ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تحقيقاً كشفت فيه عن دور الموساد الإسرائيلي في عملية اغتيال المهدي بن بركة الذي كان تحركه في القارة الإفريقية وعلى المستوى الأفرو آسيوي ودوره في كشف التغلغل الإسرائيلي في القارة الإفريقية يثير القلق الإسرائيلي.
وقالت إن مشاركة الموساد في اختطاف المهدي تسبب آنذاك في نشوء واحد من أخطر وأشد الصراعات بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والدولة الفرنسية، ما اضطر رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، ليفي أشكول، إلى الأمر بالتحقيق في دور «الموساد» في اغتيال بن بركة، وتشكيل لجنة خاصة لهذه الغاية.
وقال تحقيق «يديعوت أحرونوت» إن عملية تعاون المخابرات الإسرائيلية مع المخابرات المغربية في اختطاف المهدي بن بركة حملت اسم «بابا بترا»، وهو ما ظهر أولاً، في 23 مارس 1966، في رسالة تكليف لجنة التحقيق التي كان في عضويتها رئيس الأركان الأسبق الجنرال يجئال يادين، وعضو الكنيست زئيف شرف. وتشكل رسالة التكليف ذروة الأزمة في المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية التي نبعت من اكتشاف الدور الإسرائيلي في اغتيال بن بركة على الأرض الفرنسية.
وجاء في التحقيق أن قائدَي الاستخبارات المغربية، محمد أوفقير وأحمد الدليمي، لم يفلحا في تحديد مكان بن بركة والعثور عليه. ونظراً للخدمات التي قدمها المغرب لإسرائيل في القمة العربية التي انعقدت في المغرب سنة 1965 طلب الدليمي وأوفقير من مئير عميت، رئيس الموساد في حينه، تقديم خدمة للملك، وهي المساعدة في اكتشاف مكان بن بركة والتخلص منه. وتمثلت مهمة الموساد الأولى في اكتشاف مكان بن بركة، وهذا ما تم، حيث سلم الموساد عنوان مكان تواجد بن بركة إلى الدليمي، وطلبت المخابرات المغربية من نظيرتها الإسرائيلية مساعدتها في استئجار شقة وتوفير أدوات تمويه، وجوازات سفر مزورة…
وبعد ذلك، طلب الدليمي من إسرائيل لوحات سيارة مزورة وسمّاً قاتلاً. رفضت إسرائيل تقديم لوحات مزورة، واقترحت استخدام سيارات مستأجرة تستطيع تقديم وثائق مزورة لها. وفي 25 أكتوبر، وصل عميت إلى الرباط في زيارة روتينية، وهناك فاجأه الدليمي «العملية تتدحرج»، وصار لزاماً على «الموساد» التجند لتقديم العون.
وبعد يومَين من ذلك، عاد الدليمي إلى باريس للإشراف على العملية، حيث كان في استقباله في المطار أحد رجال «الموساد». وشكل «الموساد» خلية في باريس لحمايته، كان من بين أعضائها زئيف عميت ابن عم مئير عميت. واتفق الدليمي مع «الموساد» على أن يكون رجالها في باريس جاهزين للمساعدة في حال الطوارئ.
الفخ المخابراتي
وعندما وصل بن بركة حاملاً جواز سفر ديبلوماسياً جزائرياً في 29 أكتوبر للقاء صحافي فرنسي، كان طعماً قدمته له المخابرات المغربية. وقرب المطعم الذي كانا سيلتقيان فيه، طلب منه شرطيان فرنسيان مأجوران من الدليمي مرافقتهما، وتم اختطافه إلى الشقة السرية حيث قام الدليمي شخصياً بتعذيبه بقصد الحصول على معلومات، وبطرق فظيعة من الكي بالسجائر إلى المس الكهربائي. لكن التعذيب الذي قتل بن بركة كان غطس رأسه في الماء إلى أن يختنق.
وقال أليعزر شارون، الذي كان مدير مكتب «الموساد» في المغرب، إن المغاربة أبلغوه لاحقاً أنه في كل مرة كان يخرج فيها رأس بن بركة من الماء كان يبصق في وجه الدليمي ويشتم النظام المغربي، وإن بن بركة قُتِل في الشقة من التعذيب، حيث كانوا يشددون تعذيبه في كل مرة.
وبعد مقتل بن بركة، طلب المغاربة العون من الموساد، وأرسل رافي إيتان، مسؤول الموساد في إسرائيل، لهم من يساعدهم في التخلص من الجثة. وقد حمل رجال «الموساد» الجثة ونقلوها إلى غابة قريبة من باريس حيث دفنوها. ومن أجل التغطية على الجريمة، ألقوا على الجثة مادة كيميائية تتفاعل بشدة مع المياه لتذويبها.