ماكرون: ارتداء الحجاب في الأماكن العامة ليس من شأني
كشفت مصادر فرنسية مطلعة أن ضغوطاً مورست على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أجل أن يدلي بدلوه في النقاش الدائر في الأسابيع الماضية حول موقع الحجاب داخل الفضاء الفرنسي العام.
وقالت المصادر إن مقربين من الرئيس رأوا أن رأيه في هذه القضية قد يعيد عقلنة هذا الجدل الذي تستفيد منه القوى الشعبوية وتيارات اليمين المتطرف الذي يقوده حزب التجمع الوطني، الجبهة الوطنية سابقا، بزعامة مارين لوبين.
وقلّل ماكرون في تصريحاته من هذه القضية، معتبراً أن “ارتداء الحجاب في الأماكن العامة ليس من شأني”.
ولم ينف الرئيس الفرنسي دور الحجاب في بناء جسور بين المكونات الاجتماعية في فرنسا.
وقالت المعلومات إن جيرار كولومب الذي شغل منصب وزير الداخلية والمقرب جداً من ماكرون كان من أبرز من حثوا الرئيس الفرنسي على التحدث عن القضايا المتعلقة بالإسلام والعلمانية، على الرغم من أن كثيرا من المعلقين يعتبرون أن في الأمر مبالغة فرنسية فيما يشكو البلد من قضايا أكثر أهمية ويشكو العالم من تحولات كبرى على فرنسا أن تكون جاهزة لها.
ومن الواضح أن ماكرون اضطر ليقول كلمته بعد أن أثارت تصريحات وزير التربية، جان ميشيل بلانكر، وزعيمة حزب “التجمع الوطني”، مارين لوبين، اللذان طالبا بمنع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، جدلا ما زال يتصاعد في البلاد.
ويمنع القانون الفرنسي ارتداء الرموز الدينية في المدارس والجامعات، ما يعني أنه يحظر ارتداء الحجاب الإسلامي داخل المؤسسات التربوية، غير أن القانون الفرنسي لا يمنع ارتداء الحجاب في الفضاء العام، ويقتصر هذا المنع على ارتداء النقاب ويفرض غرامات عالية على المخالفات.
وقال ماكرون إن القانون واضح في هذا الشأن وإنه “عندما نكون في مكان يتم فيه تقديم الخدمة العامة فلا تدخل في الحياة العامة للمواطنين”.
وذكّر بأنه “عندما نقوم بتعليم أطفالنا في رياض الأطفال والمدارس والكليات والمدارس الثانوية، فنسأل الجميع طلاب المدارس والجامعات ومعلمين وعاملين عدم ارتداء الرموز الدينية”.
وشدّد الرئيس الفرنسي على ضرورة حل مشكلة الإسلام في بلاده، مضيفا “البعض في عدد من الأحياء يستخدم الحجاب كرمز يقطع ارتباطه بالجمهورية، وهذا ما يسمى بالطائفية”.
ويحاول ماكرون إبعاد النقاش الديني عن الجدل السياسي التقليدي في دولة علمانية منذ بدايات القرن الماضي. وقد سبق أن انتقد مواقف مارين لوبين اليمينية المتطرفة، لكنه في تصريحاته قال إن “ما يحدث في الفضاء العام ليس من اختصاص الدولة ورئيس الجمهورية”، مضيفا أن “العلمانية ليست كذلك”.
ولفت ماكرون إلى أن قانون العلمانية الذي سنّ عام 1905 يحدد تماما مفهوم فصل الدين عن الدولة، مضيفا أن “العلمانية هي بالتحديد السماح للمرء بالإيمان وليس الإيمان بحرية”. واعتبر الرئيس الفرنسي أنه يتم خلط الأمور بين الإيمان وممارسة هذا الإيمان، معلنا بأنه سيعكف على دراسة ملف الإسلام في فرنسا.
وتعتبر أوساط مراقبة أن قضية دور وموقع الإسلام في فرنسا ما برحت مثار جدل لم يتم حسمها داخل قوانين الجمهورية الفرنسية، وأن كافة رؤساء الجمهورية السابقين حاولوا في السابق تشكيل هيئات وفتح نقاش عام حول سبل الوصول إلى “إسلام فرنسي” يتواءم مع دستور فرنسا وخياراتها العلمانية.
ولكن خبراء في شؤون الإسلام في فرنسا يعتبرون أن هذه القضية لا يمكن أن تحل محليا دون مقاربة غربية شاملة وموحدة في التعامل مع مشكلة الإسلام السياسي.
وذكر الخبراء بأن العواصم الغربية ما زالت تشرع أبوابها أمام جمعيات ومؤسسات تخضع لأجندات خارجية تهدف إلى تفخيخ اندماج المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية، لاسيما في فرنسا. وخلص هؤلاء إلى أن مصالح عليا لفرنسا هي التي تقف وراء غض باريس الطرف عن أنشطة دينية منافية لروح الجمهورية ممولة من بلدان عربية خدمة لمصالح اقتصادية توفرها تلك الدول لفرنسا.
وحذر ماكرون من أنه “يوجد اليوم رجال ونساء، مواطنون فرنسيون، يقولون وفق تعاليم دينية، لم أعد ألتزم بقيم الجمهورية”.
وعدد ماكرون أمثلة “أخرج طفلي من المدرسة وقد أضعه في المنزل، أرفض الذهاب للسباحة مع الآخرين، أتوقف عن تعلم الموسيقى… ولدي مشروع للحياة والمجتمع مختلف عن بقية المجتمع في الجمهورية، وباسم هذا الدين أسعى لتنفيذ مشروع سياسي آخر”.
وترى مصادر مطلعة على ملف الإسلام في فرنسا أن ماكرون وضع اللبنات الأولى لموقفه، من حيث التذكير بقيم الجمهورية العلمانية من جهة، واحترام المعتقد وممارسة الأديان من جهة ثانية، والتذكير بقوانين الدولة وشروط العيش المشترك داخل فرنسا.
وأضافت المصادر أن الرئيس الفرنسي يسعى لاستيعاب رد فعل الفرنسيين المتأثرين بحجج اليمين المتطرف بالتلميح بأن فرنسا واعية ومدركة للأخطار التي تهدد السلم المجتمعي، لكنه في نفس الوقت يسعى لطمأنة مسلمي فرنسا بأن الدولة ستتعامل بحزم مع الأقلية داخل الجالية المسلمة في البلد التي لا تمثل قيم فرنسا ولا تمثل الإسلام عامة.