كُتب في جيب القارئ المغربي
النشر صناعة كبيرة وعريقة لها تقاليدها كما لها طرقها التي تتجدد وتتغير تغير السوق ومتطلباتها. ومع التغير الكبير الذي طال الحياة البشرية وجعلها أكثر سرعة ظهرت كتب من نوع آخر هي كتب الجيب. كتب يمكن حملها في جيوب المعاطف وقراءتها في أي وقت كان، في الميترو أو في محطة أو أي مكان يجد فيه القارئ نفسه دقائق يقضيها مع كتاب خفيف وصغير الحجم يتنقل معه حيث كان. لكن هذه الكتب على أهميتها البالغة، ظلت قليلة الانتشار عربيا رغم النجاح الكبير الذي حققته مع مشاريع نشر هنا وهناك في الوطن العربي.
في الوقت الذي أطلقت فيه دار النشر الفرنسية جول تايلانديي سلسلة “كتاب الجيب” الخاصة بالأعمال الروائية سنة 1905، كانت آلات الطباعة الحجرية العتيقة بمدينتي فاس ومكناس المغربيتين ما زالت مستمرة في إعادة طبع فتاوى وحواشي الفقهاء، التي يُحرم الكثير منها كل شيء بما فيه الطباعة. وكان على المغرب انتظار قرن من الزمن ليرى ظهور سلسلته الاحترافية الأولى الخاصة بكتاب الجيب التي أطلقتها دار الفِنك بمدينة الدار البيضاء بعد تجارب أخرى أقل احترافية.
وإذا كانت المقارنة بين تجربتين متباينتين تبدو قاسية فإنها لا تنفي من جهة أهمية إصدارات المطابع الحجرية المغربية على مستوى فتح أفق آخر للتداول والتواصل بين المؤلفين والقراء، غير أنها تعكس، من جهة أخرى، جِدة تقاليد النشر الحديثة بالمغرب وبالعالم العربي وإن اختلفت مستوياتها حسب البلدان.
مسارات البداية
في سنة 1996 وبعد فترة قصيرة إثر تقاعده من إدارة إذاعة طنجة، اختار الصحافي المغربي خالد مشبال دخول تجربة مغايرة لن تكون سوى سلسلته الشهيرة المعروفة باسم “سلسلة شراع”.
وكانت فكرة المشروع تهدف إلى إيصال الكتاب المغربي إلى أكبر عدد من القراء عبر الاقتراب من قدراتهم الشرائية وأيضا الاقتراب من أحد جوانب انتظاراتهم. ولتحقيق ذلك، تم من جهة تحديد سقف ثمن النسخة في الدولار الواحد، عبر الرفع من حجم السحب، وتم الحرص من جهة ثانية على تحقيق توزيع كبير يضمن الخروج بالكتاب من مكتبات البيع الكبرى وعدم التركيز على مكتبات المدن الرئيسية.
وهو ما سيجعل من اليسير أن يجد القارئ نسخته وهو يتمشى على الرصيف ! وبذلك، عرف الإصدارُ الأول نجاحا كبيرا، اعتبارا لمحدودية الثمن، ولكن أيضا لأن الكتاب الصادر، وهو “حوار التواصل”، كان يحمل توقيع الباحث المغربي المهدي المنجرة، الذي يعتبر من أكثر الكتاب شعبية بالمغرب.
كتب الجيب تشكل الطريق الأفضل إلى تحقيق دمقرطة المعرفة، ومن جهة أخرى، إلى مهنية دور النشر
واستطاعت “سلسلة شراع” أن تضمن لنفسها سحبا منتظما يتجاوز العشرة آلاف نسخة من كل عنوان، مع إمكانية إعادة الطبع أكثر من مرة، كما حدث بالنسبة إلى كتاب المهدي المنجرة السابق.
واخترقت السلسلة بذلك سقف معدل السحب بالمغرب، الذي ما زال لا يتجاوز إلى حد الآن الألفي نسخة. كما استطاعت السلسلة أن تحقق انتظاما في الصدور، لتنتقل بعد ذلك من الظهور على رأس كل شهر إلى الصدور مرتين في الشهر. بينما جاوز عدد نسخ السلسلة، خلال ثلاث سنوات فقط، المليون نسخة. وامتدادا للنجاح الذي استطاعت تحقيقه “سلسلة شراع”، اختار خالد مشبال توسيعَ مجال مشروعه الخاص بكتب الجيب، حيث أطلق سلسلتين أخريين. ويتعلق الأمر بسلسلة إبداعات شراع، وبموسوعة شراع الشهرية.
تجارب أخرى
فتح النجاح الذي حققته “سلسلة شراع” شهية مثقفين مغاربة آخرين لدخول التجربة. وهكذا عرفت نهاية تسعينات القرن الماضي ظهور سلسلتين أخريين. الأولى تحمل اسم “المعرفة للجميع”، الصادرة ضمن منشورات رمسيس بالرباط. وقد تميزت السلسلة بتنوعها مع تركيز خاص على مجال التربية والطفل.
أما السلسلة الثانية فهي سلسلة “كتاب الجيب” الصادرة ضمن منشورات الزمن. وبالإضافة إلى التجربتين السابقتين، اختارت مجلة “وجهة نظر” إطلاق سلسلة منشورات تندرج في إطار أعمال الجيب. وتتميز السلسلة، التي تحمل اسم “دفاتر وجهة نظر” بتخصصها العام في إطار الفكر السياسي.
وبخلاف أغلب السلسلات التي ظهرت بالمغرب والتي يجمعها طابعها الاحترافي المحدود، لم تراهن دار الفنك، التي دخلت تجربة نشر كتاب الجيب منذ العشرية الأولى من القرن العشرين، على الإصدار الشهري، الذي يمكن أن يثقل سوق القراءة. وحرصت في مقابل ذلك على إعادة نشر كتب مشهورة كلما توفرت شروط ذلك؛ حيث أعادت إصدار، على سبيل المثال، رواية “الخبز الحافي” الشهيرة لمحمد شكري.
وبقدر ما فتح صدور السلسلات الجديدة هامشا مفترضا لتعزيز مجال النشر بالمغرب حمل ذلك بذور نهاية بعضها. حيث أصبح يتحتم على السلسلات الجديدة تقاسم نفس عدد القراء. يضاف إلى ذلك التشابه المطلق الذي ظل يجمع بعضها، سواء من حيث الشكل أو الحجم أو الثمن أو طبيعة المواضيع أو العناوين، في غياب البحث الذكي عن هامش للاختلاف بينها.
والنتيجة أن أغلب السلسلات قد أفَلت، مخلفة وراءها حكاية تجربة منيرة ومختلفة على مستوى النشر بالمغرب. وهي التجربة التي قد تضاهي ما يصدر ببقية الدول العربية، بالرغم من اختلاق السياقات وبالرغم من السبق التاريخي الذي حققته دولتان كلبنان ومصر على مستوى استعمال الطباعة وإطلاق دور نشر .
وفاء القارئ
بعيدا عن السياق العربي، يبدو أن كتاب الجيب ما زال يشكل دينامو صناعة الكتاب. وهو ما يفسر حدة التنافسية، على سبيل المثال، بين دور النشر الفرنسية الكبرى التي تتقاسم جزءا هاما من أسواق النشر الفرنكوفونية.
وهي تتجلى بشكل أساس في دار إديتيس، وفلاماريون، وغاليمار، وسلسلتها الشهيرة فوليو، التي ما زال كتاب “الغريب” لألبير كامو يتربع على عرش مبيعاتها بما يناهز السبعة ملايين نسخة، بالإضافة إلى دار هاشيت، التي جاوز مجموع سحبها على مستوى سلسلة كتاب الجيب المليار نسخة. وبذلك تظل صناعة كتاب الجيب على رأس المؤشرات الاقتصادية لقطاع النشر ببلد كفرنسا، إذ يشغل الثلث في المئة، سواء على مستوى عدد الإصدارات أو السحب أو المبيعات أو أرقام المعاملات.
أما وصفة هذا النجاح، الذي يطبع التجربة الفرنسية وغيرها من التجارب الغربية، فتعود من جهة إلى طبيعة هذا النوع من الكتب الذي يشكل الطريق الأفضل إلى دمقرطة المعرفة، ومن جهة أخرى إلى مهنية دور النشر، التي تجعل من كتاب الجيب مجالا للإبداع المستمر على مستوى المضامين بحثا عن وفاء القارئ. وهو على الأقل ما تؤكده تجربة السلسلة الشهيرة “ما ذا أعرف؟”، التي كانت قد أطلقتها المنشورات الجامعية الفرنسية في زحمة الحرب العالمية الثانية لتعرف نجاحا مستمرا إلى حد اليوم، بإصداراتها المترجمة إلى ما يناهز الأربعين لغة، وبوسائطها المتعددة، سواء الورقية منها أو الإلكترونية أو السمعية.