google.com, pub-4622360082312857, DIRECT, f08c47fec0942fa0

وسائل النقل العمومي.. لوحة الفوضى في القنيطرة

يصعد الأقوى بدنيا والأقدر على خوض الزحام بشراسة، وتواصل الحافلة طريقها وكأنها تحمل الجبال الرواسي، أبوابها مفتوحة ليس لعطب فيها بل لأن ركابها يسدون فتحاتها في صورة تذكّر بطالبي النجاة من كارثة طبيعية كالأعاصير .

من نشؤوا وترعرعوا مثلي في أحضان الطبيعة بجمالها وسطوتها وهدوئها وعنفها ونَهَلوا من بساطة الريف والبادية، حيث لا معنى إلا للامتداد اللامتناهي والشساعة والطيبة والودّ يرفضون أو لنقل يتقبلون عن مضض حياة الحواضر الصاخبة و”المعلبة” في شكل بناءاتها العمودية وفي برودة علاقاتها الاجتماعية التي استعارت من الشتاء ثلجه وزمهريره.
النشاط الاجتماعي المحموم يتشكل داخل الأسرة وفي الشارع وفي أروقة المدارس والجامعات وفي المقاهي وزوايا التسلية والترفية وفي ملاعب كرة القدم، باختصار يتشكل في كلّ “علب” المدينة.
ولكنّ الصورة الأكثر تعبيرا وصدقية عن المشهد التائه دون خارطة ولا بوصلة، هي صورة، أو بتعبير تشكيلي، “لوحة” النقل العمومي بالقنيطرة . وتعمّدت استعمال كلمة “لوحة” لأنّ المشهد اليومي في الحافلات والطاكسي الجماعي، ليس إلا لوحة فنية تشكلت بفسيفساء شديدة التنوع من الائتلاف والاختلاف والمفارقة والتنافر.
يغادر أفراد الأسرة صباحا مقرّ إقامتهم للتوجه إلى الدراسة أو العمل أو لقضاء حاجة ملحّة، ويسبقون مواعيدهم بأكثر من ساعتين من الزمن يقضونها في الانتظار ثم خوض معركة الرحلة على متن إحدى وسائل النقل العمومي.
تبدأ المشقّة بانقباض نفسي عند استرجاع حيثيات وتفاصيل الرحلة اليومية المتكررة نحو الوجهة المقصودة، فتنبعث في النفس مشاعر وأحاسيس سلبية سترافق صاحبها طيلة اليوم ولا شكّ أن تأثيراتها سنعكس على مزاجه وقدرته على التواصل الإيجابي مع الآخرين وعلى مردوديته في الدراسة أو العمل.
ينتظر الناس قدوم الحافلة وقوفا، إما لعدم وجود محطة بها مقاعد وسقف يحميهم من أشعة الشمس أو المطر أو برد الشتاء، وإما لوجودها في حالة مزرية لما أصابها من عبث وإفساد وتكسير، حتى تغدو كالأطلال الدارسة، في منظر موحش مقزّز يشوّه المظهر العام للمدينة. وفي هذه الحالة يعود اللوم على المواطنين غير الواعين بضرورة الحفاظ على الممتلكات العامة فيعمدون إلى تهشيمها. ربما يقوى صغار السن والشباب على الصمود خلال زمن الانتظار المملّ ولكن الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى والعاجزين يلقون مشقة نفسية وبدنية رهيبة لتحمل ذلك.
تأتي وسيلة النقل المكسرة كالعربات العسكرية التي لا يحافظ سائقها أبدا -غير متعمّد طبعا- على موعد محدّد لقدومها، تترنّح سكرى وتئن بما تحمل في جوفها من أطنان اللحم البشري التي تفوق طاقة استيعابها، ومع ذلك تقف في المحطة ويتدافع الناس للصعود واحتلال أمكنة بأنصاف أحجامهم، ألا تعرفون بأنّ الأحجام تتقلص في وسائل النقل العمومي شأنها شأن البعض من سراويل الجينز عند غسلها؟
يصعد الأقوى بدنيا والأقدر على خوض الزحام بشراسة، وتواصل الحافلة طريقها وكأنها تحمل الجبال الرواسي، أبوابها مفتوحة ليس لعطب فيها بل لأن ركابها يسدون فتحاتها في صورة تذكّر بطالبي النجاة من كارثة طبيعية كالأعاصير أو الفيضانات. أما داخل الحافلة فتلتصق الأجساد وتختلط بذكورها وإناثها وتمتزج روائح عطرها وعرقها، وتتشابك الأيدي والأرجل وتتماس الوجوه مكرهة وليس لعناق حميمي.
كل الحرج يصيب النسوة اللائي يرغمن على قبول الوضع مكرهات. وهذا الاختلاط العشوائي كثيرا، بل دائما، ما يسبب شجارا يبدأ حوارا متشنجا ثم يتنامى ليصبح عنفا لفظيا وقد يصل مداه فينقلب إلى تشابك بالأيدي. وإذا حالفك الحظ ووجدت مقعدا شاغرا فستعاني من مضايقات الواقفين الذين يترنّحون مع كل وقوف أو تغيير في السرعة.
تصل الحافلة إلى المحطة الأخيرة من الرحلة فتفرغ ما في جوفها معلنة عن نهاية رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر ستتجدد بعنائها في اليوم التالي.
بعد كل ذلك كيف سيؤمّ الشخص معهده أو كليته أو مقر عمله؟ بأي نفسية سيواجه يومه العصيب؟ من المفروض أن تكون مهمة وسائل النقل العمومي تيسير حياة الناس بإيصالهم إلى وجهاتهم المقصودة في أقصر وقت ممكن وفي أريحية تساعد الطالب والعامل على أداء واجبهما على أكمل وجه، ولكن الاكتظاظ وعدم الوفرة وعدم الانتظام في المواقيت هي ما يسبب هذا العناء، ويقلص التركيز ويحدّ من الرغبة والإقبال على إنجاز المهمة بنجاح.
التلميذ والطالب والعامل والمتسوّق، كلهم ينتمون إلى أسر يعودون إليها آخر النهار متعبين وقد خارت قواهم، ما سينعكس سلبا على علاقاتهم الأسرية، بحيث يعودون محمّلين بما لقوه في يومهم من متاعب في وسائل النقل وفي مقرات العمل وفي الشارع. فلا الأم قادرة على العناية بأسرتها ولا الأب قادر على مرافقة أبنائه مرافقة إيجابية ولا الأبناء قادرون على أن يتصرفوا بإيجابية.
رغم ما لوسائل النقل العمومي من مساوئ إلا أننا لا نستطيع نفي أن بعض القيم -على قلتها- لا تزال سائدة كترك المقعد للحامل أو كبير السن الذي لا يقوى على الوقوف، أو مساعدة البعض على الصعود أو النزول.
أنا والكثير من أمثالي، تُهْنا في هذا الزحام ولا نزال نبحث عن الطريقة المثلى لتقبّل هذا الوضع المحموم والتعايش معه بإيجابية وفاعلية.

# belbazi

اترك رد

This site is protected by wp-copyrightpro.com

%d مدونون معجبون بهذه: